سورة هود | الآية ١٠٨

عرض السورة
التَّفسير

ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى أَحْوَالَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ شَارَكَ أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي فِعْلِ مَا لَا يَنْبَغِي، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُشَارِكَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْذِ الْأَلِيمِ الشَّدِيدِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ قَالَ الْقَفَّالُ: تَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا لِأَجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَإِشْرَاكِهِمْ باللَّه، فَإِذَا عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ دَارُ الْعَمَلِ، فَلَأَنْ يُعَذَّبُوا عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ كَانَ أَوْلَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَنَبَّهَ لِهَذَا الْبَحْثِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَوَّلُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ يَكُونُ ظُهُورُ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ وَالنَّشْرِ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْقِيَامَةَ حَقٌّ كَالشَّرْطِ فِي حُصُولِ الِاعْتِبَارِ بِظُهُورِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى كَالْمُضَادِّ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ، لِأَنَّ الْقَفَّالَ يَجْعَلُ الْعِلْمَ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ أَصْلًا لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْقِيَامَةَ حَقٌّ، فَبَطَلَ مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَالْأَصْوَبُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: الْعِلْمُ بِأَنَّ الْقِيَامَةَ حَقٌّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُدَبِّرَ لِوُجُودِ هَذِهِ السموات وَالْأَرْضِينَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ لَا مُوجَبٌ بِالذَّاتِ وَمَا لَمْ يَعْرِفِ الْإِنْسَانُ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ وَأَنَّ جَمِيعَ الحوادث الواقعة في السموات وَالْأَرْضِينَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِتَكْوِينِهِ وَقَضَائِهِ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي وُجُودِ هَذَا العالم موجب بالذات بلا فَاعِلٌ مُخْتَارٌ، يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ وَالْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَالصَّيْحَةِ كُلُّهَا إِنَّمَا حَدَثَتْ بِسَبَبِ قِرَانَاتِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ حُصُولُهَا دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَّا الَّذِي يُؤْمِنُ بِالْقِيَامَةِ، فَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْإِيمَانُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ أنه إِلَهَ الْعَالَمِ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ الْقَطْعُ بِأَنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الْحَوَادِثِ الْهَائِلَةِ وَالْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ خَلَقَهَا وَأَوْجَدَهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبِ طَوَالِعِ الْكَوَاكِبِ وَقِرَانَاتِهَا، وَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِ هَذِهِ الْقِصَصِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، فَثَبَتَ بِهَذَا صِحَّةُ قَوْلِهِ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْآخِرَةَ وَصَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِوَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ خَلْقَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ كُلُّهُمْ يُحْشَرُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُجْمَعُونَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ. وَقَالَ آخَرُونَ يَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ/ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الشُّهُودِ الْحُضُورُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِ أَنَّهُ رُبَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ أَنَّهُمْ لَمَّا جُمِعُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ أَحَدٍ إِلَّا وَاقِعَةَ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ تِلْكَ الْوَقَائِعَ تَصِيرُ معلومة للكل بسبب المحاسبة والمسألة.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْآخِرَةِ وَإِفْنَاءَ الدُّنْيَا موقوف على أجل معدود وكل ماله عَدَدٌ فَهُوَ مُتَنَاهٍ وَكُلُّ مَا كَانَ مُتَنَاهِيًا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْنَى، فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ تَأْخِيرَ الْآخِرَةِ سَيَنْتَهِي إِلَى وَقْتٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يُقِيمَ اللَّه الْقِيَامَةَ فِيهِ، وَأَنْ تَخَرَبَ الدُّنْيَا فِيهِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آت قريب.

[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٨]

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)
— 397 —
[في قَوْلُهُ تَعَالَى يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ يَأْتِ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : وَحَذْفُ الْيَاءِ وَالِاجْتِزَاءُ عَنْهَا بِالْكَسْرَةِ كَثِيرٌ فِي لُغَةِ هُذَيْلٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ لَا أَدْرِ حَكَاهُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : فَاعِلُ يَأْتِي هُوَ اللَّه تَعَالَى كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ/ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [الْبَقَرَةِ: ٢١٠] وَقَوْلِهِ: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الْأَنْعَامِ: ١٥٨] وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ وَمَا يُؤَخِّرُهُ بِالْيَاءِ أَقُولُ لَا يُعْجِبُنِي هَذَا التَّأْوِيلُ، لِأَنَّ قَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ حَكَاهُ اللَّه تَعَالَى عَنْ أَقْوَامٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ هُمُ الْيَهُودُ، وَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَكَذَا قوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أما هاهنا فَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ اللَّه تَعَالَى وَإِسْنَادُ فِعْلِ الْإِتْيَانِ إِلَيْهِ مُشْكِلٌ.
فَإِنْ قَالُوا: فَمَا قَوْلُكَ في قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ.
قُلْنَا: هُنَاكَ تَأْوِيلَاتٌ، وَأَيْضًا فَهُوَ صَرِيحٌ، فَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْهُ يَوْمَ يَأْتِي الشَّيْءُ الْمَهِيبُ الْهَائِلُ الْمُسْتَعْظَمُ، فَحُذِفَ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ بِتَعْيِينِهِ لِيَكُونَ أَقْوَى فِي التَّخْوِيفِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْعَامِلُ فِي انْتِصَابِ الظَّرْفِ هُوَ قَوْلُهُ: لَا تَكَلَّمُ أَوْ إِضْمَارُ اذْكُرْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَفِيهِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي تُوهِمُ كَوْنَهَا مُنَاقِضَةً لِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النَّحْلِ: ١١١] وَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ وَيَحْلِفُونَ باللَّه عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصَّافَّاتِ:
٢٤] وَمِنْهَا قَوْلُهُ: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥].
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ الْمَنْعُ مِنَ الْكَلَامِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَابَاتِ الْحَقِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمٌ طَوِيلٌ وَلَهُ مَوَاقِفُ، فَفِي بَعْضِهَا يُجَادِلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَفِي بَعْضِهَا يَكُفُّونَ عَنِ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَتَكَلَّمُونَ، وَفِي بَعْضِهَا يَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَتَكَلَّمُ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فَمِنْهُمْ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ وَلَمْ يُذْكَرْ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [هُودٍ: ١٠٣].
— 398 —
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَوْقِفِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَجَانِينُ وَأَطْفَالٌ وَهُمْ خَارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ؟
قُلْنَا: الْمُرَادُ مَنْ يُحْشَرُ مِمَّنْ أُطْلِقَ لِلْحِسَابِ وَهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدِ احْتَجَّ الْقَاضِي بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَسَادِ مَا يُقَالُ إِنَّ أَهْلَ الْأَعْرَافِ لَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا فِي النَّارِ فَمَا قَوْلُكُمْ فِيهِ؟
قُلْنَا: لَمَّا سُلِّمَ أَنَّ الْأَطْفَالَ وَالْمَجَانِينَ خَارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ لِأَنَّهُمْ لَا يُحَاسَبُونَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ خَارِجُونَ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ أَيْضًا لَا يُحَاسَبُونَ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلِمَ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّ ثَوَابَهُمْ يُسَاوِي عَذَابَهُمْ، فَلَا فَائِدَةَ فِي حِسَابِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَاضِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ حَضَرَ عَرْصَةَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ثَوَابُهُ زَائِدًا أَوْ يَكُونَ عِقَابُهُ زَائِدًا، فَأَمَّا مَنْ كَانَ ثَوَابُهُ مُسَاوِيًا لِعِقَابِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَقْلِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّصَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
قُلْنَا: الْكَلَامُ فِيهِ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ السَّعِيدَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ، وَالشَّقِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِقَابِ، وَتَخْصِيصُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ أَكْثَرَ الْآيَاتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ثَالِثٍ لَا يَكُونُ لَا مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ أَثْبَتَهُ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الثَّالِثِ عَدَمُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الثَّالِثِ عَدَمُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ الْآنَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ سَعِيدٌ وَعَلَى بَعْضِهِمْ بِأَنَّهُ شَقِيٌّ، وَمَنْ حَكَمَ اللَّه عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وَعُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ الْأَمْرُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ بِخِلَافِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يصير خبر اللَّه تعالى كذبا وعلمه جاهلا وَذَلِكَ مُحَالٌ فَثَبَتَ أَنَّ السَّعِيدَ لَا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا وَأَنَّ الشَّقِيَّ لَا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا، وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ مَرَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِرَارًا لَا تُحْصَى.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه فَعَلَى مَاذَا نَعْمَلُ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ يَا عُمَرُ وَجَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ، وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ:
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِعَمَلِهِ وَسَعِيدٌ بِعَمَلِهِ.
قُلْنَا: الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ لَا يَدْفَعُ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ أَنَّهُ إِنَّمَا شَقِيَ بِعَمَلِهِ وَإِنَّمَا سَعِدَ بِعَمَلِهِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ حَاصِلًا بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرِهِ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَاقِيًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَسَّمَ أَهْلَ الْقِيَامَةِ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ شَرَحَ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ وُجُوهًا:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: قَالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ أَنْ يَمْلَأَ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ، وَالشَّهِيقُ أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ لِلْفَرَسِ إِنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ أَيْ عَظِيمُ الْبَطْنِ وَأَقُولُ إن
— 399 —
الْإِنْسَانَ إِذَا عَظُمَ غَمُّهُ انْحَصَرَ رَوْحُ قَلْبِهِ فِي دَاخِلِ الْقَلْبِ فَإِذَا انْحَصَرَ الرَّوْحُ قَوِيَتِ الْحَرَارَةُ وَعَظُمَتْ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى النَّفَسِ الْقَوِيِّ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَدْخِلَ هَوَاءً كَثِيرًا بَارِدًا حَتَّى يَقْوَى عَلَى تَرْوِيحِ تِلْكَ الْحَرَارَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ يَعْظُمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اسْتِدْخَالُ الْهَوَاءِ فِي دَاخِلِ الْبَدَنِ وَحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ صَدْرُهُ وَيَنْتَفِخُ جَنْبَاهُ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ وَالرَّوْحُ الحيواني محصورا في دَاخِلَ الْقَلْبِ اسْتَوْلَتِ الْبُرُودَةُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْخَارِجَةِ فَرُبَّمَا عَجَزَتْ آلَاتُ النَّفَسِ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ الْهَوَاءِ الْكَثِيرِ الْمُسْتَنْشَقِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْهَوَاءُ الْكَثِيرُ مُنْحَصِرًا فِي الصَّدْرِ وَيَقْرُبُ مِنْ أَنْ يَخْتَنِقَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ تَجْتَهِدُ الطَّبِيعَةُ فِي إِخْرَاجِ ذَلِكَ الْهَوَاءِ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ الزَّفِيرُ هُوَ اسْتِدْخَالُ الْهَوَاءِ الْكَثِيرِ لِتَرْوِيحِ الْحَرَارَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْقَلْبِ بِسَبَبِ انْحِصَارِ الرُّوحِ فِيهِ، وَالشَّهِيقُ هُوَ إِخْرَاجُ ذَلِكَ الْهَوَاءِ عِنْدَ مُجَاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ فِي إِخْرَاجِهِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ تَدُلُّ عَلَى كَرْبٍ شَدِيدٍ وَغَمٍّ عَظِيمٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: الزَّفِيرُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحِمَارِ بِالنَّهِيقِ.
وَأَمَّا الشَّهِيقُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ آخِرِ صَوْتِ الْحِمَارِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ الْحَسَنُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الزَّفِيرَ عِبَارَةٌ عَنِ الِارْتِفَاعِ. فَنَقُولُ: الزَّفِيرُ لَهِيبُ جَهَنَّمَ يَرْفَعُهُمْ بِقُوَّتِهِ حَتَّى إِذَا وَصَلُوا إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ جَهَنَّمَ وَطَمِعُوا فِي أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا ضَرَبَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ وَيَرُدُّونَهُمْ إِلَى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ جَهَنَّمَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها فَارْتِفَاعُهُمْ فِي النَّارِ هُوَ الزَّفِيرُ وَانْحِطَاطُهُمْ مَرَّةً أُخْرَى هُوَ الشَّهِيقُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: الزَّفِيرُ مَا يَجْتَمِعُ فِي الصَّدْرِ مِنَ النَّفَسِ عِنْدَ الْبُكَاءِ الشَّدِيدِ فَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ، وَالشَّهِيقُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْكُرْبَةِ وَالْحُزْنِ، وَرُبَّمَا تَبِعَهُمَا الْغَشْيَةُ، وَرُبَّمَا حَصَلَ عَقِيبَهُ الْمَوْتُ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ وَالشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَالَ قَوْمٌ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ يُرِيدُ نَدَامَةً وَنَفْسًا عَالِيَةً وَبُكَاءً لَا يَنْقَطِعُ وَحُزْنًا لَا يَنْدَفِعُ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: الزَّفِيرُ مُشْعِرٌ بِالْقُوَّةِ، وَالشَّهِيقُ بِالضَّعْفِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الزَّفِيرِ قُوَّةَ مَيْلِهِمْ إِلَى عَالَمِ الدُّنْيَا وَإِلَى اللَّذَّاتِ الْجَسَدَانِيَّةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الشَّهِيقِ ضَعْفُهُمْ عَنِ الِاسْتِسْعَادِ بِعَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالِاسْتِكْمَالُ بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَعَارِجِ الْقُدُسِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نِهَايَةٌ، وَاحْتَجُّوا بِالْقُرْآنِ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَآيَاتٌ مِنْهَا هَذِهِ الْآيَةُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ دَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات وَالْأَرْضِ، ثُمَّ تَوَافَقْنَا عَلَى أَنَّ مُدَّةَ بَقَاءِ السموات وَالْأَرْضِ مُتَنَاهِيَةٌ فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقَابِ الْكُفَّارِ مُنْقَطِعَةً. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مُدَّةِ عِقَابِهِمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ الْعَذَابِ فِي وَقْتِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَمِمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [النَّبَأِ: ٢٣] بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ لُبْثَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَحْقَابًا مَعْدُودَةً.
— 400 —
وَأَمَّا الْعَقْلُ فَوَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْصِيَةَ الْكَافِرِ مُتَنَاهِيَةٌ وَمُقَابَلَةُ الْجُرْمِ الْمُتَنَاهِي بِعِقَابٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ ظُلْمٌ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ الْعِقَابَ ضَرَرٌ خَالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا بَيَانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أَنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لَا يَرْجِعُ إِلَى اللَّه تَعَالَى لِكَوْنِهِ مُتَعَالِيًا عَنِ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ وَلَا إِلَى ذَلِكَ الْمُعَاقَبِ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذَّاتِهِمْ فَلَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي الِالْتِذَاذِ بِالْعَذَابِ الدَّائِمِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ ضَرَرٌ خَالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهَاتِ النَّفْعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ دَائِمٌ وَعِنْدَ هَذَا احْتَاجُوا إِلَى الْجَوَابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوَابَيْنِ: الأول: قالوا المراد سموات الْآخِرَةِ وَأَرْضُهَا. قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ فِي الْآخِرَةِ سَمَاءً وَأَرْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٨] وَقَوْلُهُ:
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزُّمَرِ: ٧٤] وَأَيْضًا لَا بُدَّ لِأَهْلِ الْآخِرَةِ مِمَّا يُقِلُّهُمْ وَيُظِلُّهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَرْضُ والسموات.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إِنَّمَا يَحْسُنُ وَيَجُوزُ إِذَا كَانَ حَالُ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي المشبه ووجود السموات وَالْأَرْضِ فِي الْآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها عَلَى وَجْهٍ لَا يَفْنَى الْبَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإِذَا كَانَ أَصْلُ وُجُودِهِمَا مَجْهُولًا لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ وَدَوَامُهُمَا أَيْضًا مَجْهُولًا لِلْأَكْثَرِ، كَانَ تَشْبِيهُ عِقَابِ الْأَشْقِيَاءِ بِهِ فِي الدَّوَامِ كَلَامًا عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا ثبت بالقرآن وجود سموات وَأَرْضٍ فِي الْآخِرَةِ وَثَبَتَ دَوَامُهُمَا وَجَبَ الِاعْتِرَافُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أَهْلِ الْآخِرَةِ وَدَوَامِ أَرْضِهِمْ هُوَ السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلَى دَوَامِ عِقَابِ الْكَافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ حَاصِلٌ بِعَيْنِهِ فِي الْفَرْعِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ ضَائِعٌ وَالتَّشْبِيهَ باطل، فكذا هاهنا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ قَالُوا إِنَّ الْعَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوَامِ وَالْأَبَدِ بِقَوْلِهِمْ مَا دَامَتِ السموات وَالْأَرْضُ، وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا طَمَا الْبَحْرُ، وَمَا أَقَامَ الْجَبَلُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ الْعَرَبَ عَلَى عُرْفِهِمْ فِي كَلَامِهِمْ فَلَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ أَبَدَ الْآبَادِ، عَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الْأَبَدَ وَالدَّوَامَ الْخَالِيَ عَنِ الِانْقِطَاعِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ، يَمْنَعُ مِنْ بَقَائِهَا مَوْجُودَةً بَعْدَ فَنَاءِ السموات، أَوْ تَقُولُونَ إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالْإِشْكَالُ لَازِمٌ، لِأَنَّ النَّصَّ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ مُسَاوِيَةً لِمُدَّةِ بقاء السموات وَيَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ بَقَائِهِمْ فِي النَّارِ بَعْدَ فناء السموات، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَنَاءِ السموات فَعِنْدَهَا يَلْزَمُكُمُ الْقَوْلُ بِانْقِطَاعِ ذَلِكَ الْعِقَابِ، وَأَمَّا إِنْ قُلْتُمْ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ كونهم في النار بعد فناء السموات وَالْأَرْضِ، فَلَا حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ أَلْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ ضَائِعٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ الْحَقَّ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ المعهود من الآية أنه متى كانت السموات وَالْأَرْضُ دَائِمَتَيْنِ، كَانَ كَوْنُهُمْ فِي النَّارِ بَاقِيًا فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّمَا حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ الْمَشْرُوطُ وَلَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ الْمَشْرُوطُ: أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ: إِنْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا فَهُوَ حَيَوَانٌ.
— 401 —
فَإِنْ قُلْنَا: لَكِنَّهُ إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَنْتُجُ أَنَّهُ حَيَوَانٌ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ لَمْ يَنْتُجْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ نَقِيضِ الْمُقَدَّمِ لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دَائِمَةٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِقَابُهُمْ حَاصِلًا، أَمَّا إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوَامِ عِقَابِهِمْ.
فَإِنْ قَالُوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أَوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَبْقَ لِهَذَا التَّشْبِيهِ فَائِدَةٌ؟
قُلْنَا بَلْ فِيهِ أَعْظَمُ الْفَوَائِدِ وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفَاذِ ذَلِكَ الْعَذَابِ دَهْرًا دَهْرًا، وَزَمَانًا لَا يُحِيطُ الْعَقْلُ بِطُولِهِ وَامْتِدَادِهِ، فَأَمَّا أَنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أَمْ لَا فَذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنْ دَلَائِلَ أُخَرَ، وَهَذَا الْجَوَابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوَابٌ حَقٌّ وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يَفْهَمُهُ إِنْسَانٌ أَلِفَ شَيْئًا مِنَ الْمَعْقُولَاتِ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَجْوِبَةِ.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فِي الْجَوَابِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالْفَرَّاءُ. قَالُوا هَذَا اسْتِثْنَاءٌ اسْتَثْنَاهُ اللَّه تَعَالَى وَلَا يَفْعَلُهُ أَلْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: واللَّه لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ على ضربه، فكذا هاهنا وَطَوَّلُوا فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْجَوَابِ، وَفِي ضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ فِيهِ، وَحَاصِلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْنَاهُ: لَأَضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وَهَذَا لَا يَدُلُّ أَلْبَتَّةَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أَمْ لَا بِخِلَافِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيهَا إِلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي شَاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنَا اللفظ تدل عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِيَاسُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كلمة إِلَّا هاهنا وَرَدَتْ بِمَعْنَى: سِوَى. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي النَّارِ فِي جميع مدة بقاء السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ سِوَى مَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ مِنَ الْخُلُودِ الدَّائِمِ فَذَكَرَ أَوَّلًا فِي خُلُودِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَطْوَلُ مِنْهُ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ الدَّوَامَ الَّذِي لَا آخِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ الْمَعْنَى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا آخِرَ لَهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ زَمَانُ وُقُوفِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ إِلَّا وَقْتَ وُقُوفِهِمْ لِلْمُحَاسَبَةِ فَإِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَكُونُونَ/ فِي النَّارِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْمُرَادُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ وَهُوَ حَالُ كَوْنِهِمْ فِي الْقَبْرِ، أَوِ الْمُرَادُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ حَالَ عُمْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالْمَعْنَى: خَالِدِينَ فِيهَا بِمِقْدَارِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْبَرْزَخِ أَوْ مِقْدَارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسَابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى النَّارِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي الْجَوَابِ قَالُوا: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إلى قوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود: ١٠٦] وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ مَعَ الْخُلُودِ فَإِذَا دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ وَقْتٌ لَا يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْمَجْمُوعُ لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْمَعْقُولَاتِ أَنَّهُ كَمَا يَنْتَفِي الْمَجْمُوعُ بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَإِذَا انْتَهَوْا آخِرَ الْأَمْرِ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا
— 402 —
سَاكِنِينَ هَامِدِينَ خَامِدِينَ فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ فَانْتَفَى أَحَدُ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْحُكْمِ بِانْقِطَاعِ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعَذَابِ لَا يَكُونُونَ أَبَدًا فِي النَّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إِلَى الْبَرَدِ وَالزَّمْهَرِيرِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَذَلِكَ يَكْفِي فِي صِحَّةِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: فِي الْجَوَابِ قَالَ قَوْمٌ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يُفِيدُ إِخْرَاجَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ يُفِيدُ أَنَّ جُمْلَةَ الْأَشْقِيَاءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ. وَيَكْفِي فِي زَوَالِ حُكْمِ الْخُلُودِ عَنِ الْمَجْمُوعِ زَوَالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَبْقَى حُكْمُ الْخُلُودِ لِبَعْضِ الْأَشْقِيَاءِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْخُلُودَ وَاجِبٌ لِلْكُفَّارِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: الَّذِينَ زَالَ حُكْمُ الْخُلُودِ عَنْهُمْ هُمُ الْفُسَّاقُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا كَلَامٌ قَوِيٌّ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْوَجْهُ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ إِذَا فَسَدَتْ سَائِرُ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهَا، وَأَيْضًا فَمِثْلُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مَذْكُورٌ فِي جَانِبِ السُّعَدَاءِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ.
قُلْنَا: إِنَّا بِهَذَا الْوَجْهِ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ وَعِيدِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ إِذَا أَرَدْنَا الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي أَنَّهُ تَعَالَى يُخْرِجُ الْفُسَّاقَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ مِنَ النَّارِ.
قُلْنَا: أَمَّا حَمْلُ كَلِمَةِ «إِلَّا» عَلَى سِوَى فَهُوَ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا حَمْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى حَالِ عُمْرِ الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْمَوْقِفِ فَبَعِيدٌ أَيْضًا، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ عَنِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ كَيْفِيَّةٌ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْحُصُولِ فِي النَّارِ، فَقَبْلَ الْحُصُولِ فِي النَّارِ امْتَنَعَ حُصُولُ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْخُلُودُ لَمْ يَحْصُلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَامْتَنَعَ حُصُولُ الِاسْتِثْنَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ عَائِدٌ/ إِلَى الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ فَهَذَا أَيْضًا تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إِلَّا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ نَقْلُهُ مِنَ النَّارِ إِلَى الزَّمْهَرِيرِ. فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْعَذَابُ بِالزَّمْهَرِيرِ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ مدة السموات وَالْأَرْضِ. وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ النَّقْلَ مِنَ النَّارِ إِلَى الزَّمْهَرِيرِ وَبِالْعَكْسِ يَحْصُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِرَارًا فَبَطَلَ هَذَا الْوَجْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ حَاصِلٌ فِي جَانِبِ السُّعَدَاءِ فَنَقُولُ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَحَدًا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَى النَّارِ، فَلِأَجْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ افْتَقَرْنَا فِيهِ إِلَى حَمْلِ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى أَحَدِ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ. أَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْإِجْمَاعُ، فَوَجَبَ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا فَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَهَذَا يَحْسُنُ انْطِبَاقُهُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا حَمَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى إِخْرَاجِ الْفُسَّاقِ مِنَ النَّارِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ أَظْهَرْتُ الْقَهْرَ وَالْقُدْرَةَ ثُمَّ أَظْهَرْتُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ لِأَنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيَّ حُكْمٌ أَلْبَتَّةَ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
— 403 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب