سورة إبراهيم | الآية ١٦

عرض السورة
التَّفسير

ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

التفسير المنير
وهبة الزحيلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تهديد الكفار لرسلهم بالطرد أو الردة والوحي بأن العاقبة للأنبياء

[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٨]

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
الإعراب:
وَمِنْ وَرائِهِ الهاء: إما عائدة على الكافر، ويكون معنى مِنْ وَرائِهِ أي قدّامه، كقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف ١٨/ ٧٩] أي قدّامهم وإما عائدة على العذاب، ويكون المعنى: إن وراء هذا العذاب عذاب غليظ.
مَثَلُ الَّذِينَ.. في إعرابه أربعة أوجه:
الأول- أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا.
الثاني- أنه مبتدأ على تقدير حذف مضاف، والخبر: كَرَمادٍ، تقديره: مثل أعمال الذين كفروا مثل رماد.
— 223 —
الثالث- أنه مبتدأ أول، وأَعْمالُهُمْ: مبتدأ ثان، وكَرَمادٍ: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول.
الرابع- أنه مبتدأ، وأَعْمالُهُمْ: بدل منه، وكَرَمادٍ: خبره.
فِي يَوْمٍ عاصِفٍ عاصِفٍ في تقديره وجهان: إما في يوم ذي عصوف، كقولهم:
رجل نابل ورامح أي ذو نبل ورمح، وإما في يوم عاصف ريحه، كقولك: مررت برجل حسن وجهه، ثم يحذف الوجه إذا علم المعنى.
البلاغة:
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ استعارة لما يغشاه من كروب وشدة، فقد يوصف المغموم بأنه في حالة موت.
لَنُخْرِجَنَّكُمْ.. أَوْ لَتَعُودُنَّ بينهما طباق.
وَعِيدِ وعَنِيدٍ وصَدِيدٍ والْبَعِيدُ فيها سجع أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ تشبيه تمثيلي، وجه الشبه فيه: منتزع من متعدد.
المفردات اللغوية:
لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ حلفوا على أن يكون أحد الأمرين: إما إخراجهم للرسل أو عودتهم إلى ملتهم أَوْ لَتَعُودُنَّ لتصيرن، وتستعمل عاد بمعنى صار، ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه، فغلبوا الجماعة على الواحد. فِي مِلَّتِنا الملة: الشريعة والدين فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي أوحى إلى الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين، على إضمار القول، أو على إجراء الإيحاء مجراه لأنه نوع منه.
الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم، كقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا [الأعراف ٧/ ١٣٧]. ذلِكَ إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين لِمَنْ خافَ مَقامِي موقفي وقيامي للحساب أو مقامه بين يدي وَخافَ وَعِيدِ أي وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار وَاسْتَفْتَحُوا أي طلبوا الفتح بالنصرة على الأعداء أي استنصر الرسل بالله على قومهم، وقيل: واستفتح الكفار على الرسل ظنا منهم بأنهم على الحق. وَخابَ خسر وهلك كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ كل متعاظم متكبر عن طاعة الله، معاند للحق المخالف له، مجانب له.
مِنْ وَرائِهِ أي أمامه، ومن بين يديه، وبعد ذلك ينتظره جَهَنَّمُ يدخلها
— 224 —
وَيُسْقى فيها مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ هو ما يسيل من جلود أو جوف أهل النار، مختلطا بالقيح والدم يَتَجَرَّعُهُ سقيته جرعة بعد جرعة، بالشدة والقهر يُسِيغُهُ يستطيبه أو يزدرده، لقبحه وكراهته وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ أي تأتيه أسبابه وتحيط به من كل جانب، وتغشاه أنواع الكروب والعذاب وَمِنْ وَرائِهِ بعد ذلك العذاب عَذابٌ غَلِيظٌ قوي متصل، وشديد غير منقطع.
مَثَلُ صفة أَعْمالُهُمْ الصالحات كصلة الرحم والصدقة على الفقراء في عدم الانتفاع بها كَرَمادٍ أثر النار بعد احتراقها عاصِفٍ شديد الريح، أي أعمالهم كالرماد الذي عصفت به الرياح العاتية، فجعلته هباء منثورا، لا يقدر عليه لا يَقْدِرُونَ أي الكفار مِمَّا كَسَبُوا عملوا في الدنيا عَلى شَيْءٍ لا يجدون له ثوابا، لعدم توافر شرطه: وهو الإيمان. ذلِكَ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون هُوَ الضَّلالُ الهلاك الْبَعِيدُ الغاية في البعد عن الحق.
المناسبة:
بعد أن أرشد الله تعالى الأنبياء إلى التوكل عليه والاعتماد على حفظه وصيانته، في دفع شرور أعدائهم، ذكر موقف الكفار العصبي المبالغ في السفاهة، وهو التهديد بأحد أمرين: الإخراج والطرد من البلاد، أو العودة إلى الملة الوثنية القديمة المتوارثة، وهذا هو الشأن في كل زمان، يعتمد فيه أهل الباطل والفسق والظلم على القوة والبطش لقوتهم، ويستغلون ضعف أهل الحق لقلتهم.
ولكن قدرة الله فوق كل شيء، والله غالب على أمره، فجعل العاقبة والنصر في النهاية للمتقين وأن الهزيمة للكافرين، وأعلمهم بالعذاب في الآخرة، وتلك سنة الله في خلقه مع كل الأمم والرسل.
ثم ضرب الله مثلا لأعمال الكافرين، بالرماد الذي عصفت به الرياح الهوج، فجعلته هباء منثورا، لعدم توافر شرطه وهو الإيمان.
التفسير والبيان:
هذا تطور طبيعي للحوار والصراع بين الرسل والأمم الكافرة، فبعد أن
— 225 —
أفلست الأمم في مناقشتها، وهزمت حجتها أمام حجة الرسل وبيانهم، لم يجدوا سبيلا إلا تأزم الوضع والدخول في صدام وعمل عدواني، فتوعدوا رسلهم بأحد أمرين:
إما الطرد والإخراج والنفي من البلاد، وإما العودة إلى ملتهم وشرعهم الموروث عن الآباء والأجداد، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الأعراف ٧/ ٨٨] وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، لِيُخْرِجُوكَ مِنْها، وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء ١٦/ ٧٦] وقال سبحانه في إلجاء النبي إلى الهجرة: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ.. [الأنفال ٨/ ٣٠].
والسبب في هذا التهديد والوعيد: اغترار الكفار بقوتهم وكثرتهم، وقلة عدد المؤمنين وضعف عددهم. وأما قولهم لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فلا يعني أن الرسل كانوا وثنيين، وإنما كانوا في ظاهر الأمر معهم، من غير إظهار مخالفة، فظن القوم أنهم كانوا على دينهم.
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ.. أي فأوحى الله إلى رسله قائلا لهم: لنهلكن الظالمين المشركين، ولنسكننكم أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم، عقوبة لهم على تهديدهم وإنذارهم بالطرد والإبعاد.
وهذا تهديد ووعد من الله للمشركين في مقابل تهديدهم الرسل، وشتان بين التهديدين، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات ٣٧/ ١٧٠- ١٧٣] وقال تعالى:
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة ٥٨/ ٢١] وقال عز وجل: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء ٢١/ ١٠٥] وآيات كثيرة أخرى في المعنى.
— 226 —
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي.. أي ذلك الموحى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم، أي ذلك الأمر حق، لمن خاف موقفي للحساب أو مقامه بين يدي، وخاف وعيدي بالعذاب والعقاب، فخشي لقائي، واتقاني بطاعتي، وتجنب سخطي وغضبي. وهذا هو سبب النصر والوحي المذكور.
وَاسْتَفْتَحُوا.. أي واستنصرت الرسل بالله على أممهم أو أقوامهم، أي على أعدائهم، كما قال تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال ٨/ ١٩] والمراد أنهم سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم، كما قال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف ٧/ ٨٩] والضمير يعود للرسل أو الأنبياء عليهم السلام.
وقيل: يعود الضمير على الكفار، أي واستفتح الكفار على الرسل، ظنا منهم بأنهم على الحق، والرسل على الباطل. وقيل: للفريقين، فإنهم كلهم سألوه أن ينصر المحق، ويهلك المبطل، كما قال تعالى في شأن استفتاح الأمم على أنفسها: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال ٨/ ٣٢].
ولكن كانت النتيجة أن النصر للمتقين والخيبة والخسارة والهلاك للمشركين، فقال سبحانه: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي وخسر وهلك كل متكبر متعاظم عن طاعة الله، معاند للحق، منحرف عنه، كقوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ [ق ٥٠/ ٢٤- ٢٦].
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ أي أمام هذا الجبار العنيد جهنم له بالمرصاد تنتظره، كما قال تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف ١٨/ ٧٩] أي أمامهم.
— 227 —
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي ليس له في النار شراب إلا ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من ماء مختلط بالقيح والدم، كما قال تعالى: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ص ٣٨/ ٥٧- ٥٨] وهذا أي الحميم حار في غاية الحرارة، وهذا أي الغساق بارد في غاية البرد والنتن.
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي يتحساه جرعة بعد جرعة، ولا يكاد يزدرده، لكراهته، وسوء طعمه ولونه وريحه، مما يدل على التألم حين ابتلاعه، كما قال تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً، فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد ٤٧/ ١٥] وقال:
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ، يَشْوِي الْوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرابُ، وَساءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف ١٨/ ٢٩].
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ.. أي وتأتيه أسباب الموت من الشدائد وألوان العذاب من كل جهة، ولكنه لا يموت، كما قال تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [فاطر ٣٥/ ٣٦].
وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ، أي مؤلم صعب شديد، أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر، وهو دائم غير منقطع، كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات ٣٨/ ٦٤- ٦٨] وقال عز وجل: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان ٤٤/ ٤٣- ٥٠] وقال: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة ٥٦/ ٤١- ٤٤]. وقال تعالى: هذا وَإِنَّ
— 228 —
لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ، هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ
[ص ٣٨/ ٥٥- ٥٨].
وبالرغم مما سيلاقيه الكفار من العذاب في نار جهنم، فإنهم يأسفون على أعمالهم الصالحة في الدنيا التي ضاعت هدرا، ولم تنفعهم في الآخرة، فضرب الله المثل لأعمالهم فقال: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ...
أي مثل أعمالهم الصالحة كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين، يوم القيامة، إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، كمثل الرماد الذي اشتدت به الريح العاصفة، في يوم عاصف أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد، في هذا اليوم، ذلك هو الضلال البعيد، أي سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، فهو مغرق في البعد عن الحق، حتى فقدوا ثوابه، لفقدهم شرط قبوله وهو الإيمان.
ونظير الآية قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان ٢٥/ ٢٣] وقوله: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ، أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُ، وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[آل عمران ٣/ ١١٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلتنا الآيات على الفوائد التالية:
١- لا قيمة لتهديد الكفار رسلهم بالطرد من البلاد أو الإكراه على العودة إلى الملة القديمة، أمام تهديد الله، فالأول يتبدد، والثاني يتحقق، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده.
٢- استحقاق النصر على الأعداء منوط بالخوف من جلال الله وهيبته
— 229 —
وموقفه للحساب في الآخرة، وخشيته من عذابه وبأسه ونقمته.
٣- سواء استفتح الرسل أو الكفار أو الفريقان، أي طلبوا الفتح والنصرة على أعدائهم، فإن النصر في النهاية للمتقين والرسل لأنهم المؤمنون حق الإيمان بالله ربهم الذي يطلبون منه النصر، وتكون الخيبة والخسارة والهلاك للكافرين المتجبرين المتعاظمين عن طاعة الله، المعاندين للحق، والمجانبين له لأنهم كفروا بالله، وتنكروا لطاعة الله، وانحازوا عن منهج الحق وسبيله.
٤- وكما يكون الهلاك للكافرين في الدنيا، يكون أمامهم العذاب في نار جهنم تنتظرهم، فمن بعد الهلاك في الدنيا، يأتي أيضا العذاب في الآخرة.
٥- ماء أهل جهنم هو صديد أهل النار الذي يسيل من أجسامهم من القيح والدم، والكافر يتحساه جرعة بعد جرعة، لا مرة واحدة، لمرارته وحرارته، ويؤلم إساغته، فهو لا يكاد يسيغه، ولكن تحصل الإساغة بصعوبة، لقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج ٢٢/ ٢٠- ٢١].
وتأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدّامه وخلفه، كقوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر ٣٩/ ١٦].
ومن أمامه عذاب شديد متواصل الآلام من غير فتور.
هذه أوصاف عذاب الكفار، في الظاهر والباطن، أولها- مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ثانيها- وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وثالثها- وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ورابعها- وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ.
— 230 —

التفسير المنير

وهبة الزحيلي

عرض الكتاب