سورة البقرة | الآية ١٧٨

عرض السورة
التَّفسير

ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

تفسير المنار
رشيد رضا
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ١٧٨ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ١٧٩﴾.
ذكر المفسر وغيره أن القصاص على القتل كان محتما عند اليهود وأن القرآن جاء وسطا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا. وقد أقرهم الأستاذ الإمام على قولهم إن القتل قصاصا كان حتما عند اليهود كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية. وأنكر عليهم قولهم إن الدية كانت حتما عند النصارى فإنه ليس في كتبهم شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالإحسان من الإنجيل، ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا.
وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطا حقيقيا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدرة القبائل وضعفها، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضى قبيلته بأخذ القاتل به، بل تطلب به رئيسا، وأحيانا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرا، وبالعبد حرا، فإن أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا إفراط وظلم عظيم تقتضيه طبيعة البداوة الخشنة. وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم، ولكن يوجد في الناس لاسيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر. ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقاما، وذلك يكون بما دون القتل، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالإقرار، بأن تثبت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب، ويرون أن الحكومة إذا علمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن يوضعوا في مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجون فيها إلى أن يبرؤوا.
وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى أنهم يريدون أن يشرعوا أحكاما خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القائلين، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة، لا أحكاما عامة لجميع البشر، في البدو والحضر، ومع هذا نرى كثيرا من الناس حتى المنتسبين إلى الإسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الإسلام(١) وأما النافد البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها، وأن تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء، وأن الخوف من الحبس والأشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب إليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرا من بيته، وأن في مصر من الأشقياء من يسمي السجن نزلا أو فندقا.
وسمعت أن غير واحد في سورية يقول : إذا فعل فلان كذا أقتله وأقيم في القلعة عشر سنين. وذلك أن القاتل هناك يحكم عليه غالبا بالسجن خمس عشرة سنة في قلعة طرابلس الشام، ويعفو السلطان في عيد جلوسه عمن تم له ثلثا المدة المحكومة بها عليه في السجن. واشتهر بعض المجرمين في مصر أنهم يسمون بعض السجون العصرية " لوكاندة كولس " بالإضافة إلى كولس باشا مدير السجون الذي أنشئت في عهده. ويقول بعضهم : أسرق كذا أو أضرب فلانا وأشتو في لوكاندة كولس فإن الشتاء فيها أرحم وأنعم من الشتاء في بيتنا أو في الشوارع. ولا يبعد على المجرم من هؤلاء أن يقتل لأن عقاب القتل في هذه السجون إن ثبت عليه أهون من عيشته الشقية، فما القول في أهل البوادي أصحاب الثارات التي لا تموت ؟ ـ فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل ( قال شيخنا ) وقد بلغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالإعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة، بعد أن كان لا يجيزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية.
وقد تقع في كل بلاد صور من جرائم القتل يكون فيها الحكم بقتل القاتل ضارا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت، وإذا قتل يفقدون بقتله المعين والظهير، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيا من المقتول، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة، أو لأن الدية أنفع لهم، فأمثل هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتما لازما في كل حال، بل يكون هو الأصل، ويكون تركه جائزا برضاء أولياء المقتول وعفوهم، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة، في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن، وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم الإنسان.
قال تعالى :
﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ القصاص في أصل اللغة يفيد المساواة، فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساو للمقتول فيؤخذ به، فالغرض من الآية شرعية القصاص بالعدل والمساواة وإبطال ذلك الامتياز الذي للأقوياء على الضعفاء، ولذلك قال :﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أي أن هذا القصاص لا هوادة فيه ولا جور، فإذا قتل حر حرا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة ولا أكثر من واحد، وإذا قتل عبد عبدا يقتل هو به لا سيده، ولا أحد الأحرار من قبيلته، وكذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي ولا يقتل واحد فداء عنها، خلافا لما كانت عليه الجاهلية في ذلك كله. فالقصاص على القاتل نفسه أيا كان لا على أحد من قبيلته. فما كانت عليه العرب في الثأر يبين هذا المعنى من الآية. ولكن مفهوم اللفظ بحد ذاته وسياق مقابلة الأصناف يفهم أنه لا يقتل فريق بفريق آخر، وهو غير مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الآن على قتل الرجل بالمرأة، واختلفوا في قتل الحر بالعبد ؛فذهب أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا لم يكن سيده. ويذهب الجمهور إلى أنه يقتل به مطلقا، والاختلاف في قتل الرجل بالمرأة أضعف ولهذه الخلافات زعم بعضهم أن في الآية نسخا.
وإنما منشأ الخلاف أدلة أخرى من السنة وغيرها والاعتبار بمفهوم المخالفة في الآية وعدمه، والقرآن فوق كل خلاف. فمنطوق الآية لا مجال للخلاف فيه، وهو أن الحر يقتل بالحر الخ وأما كون الحر يقتل بالعبد والرجل بالمرأة فهذا يؤخذ من لفظ القصاص ولا يعارضه مفهوم التفصيل، فإن بعض أهل الأصول لا يعتبر المفهوم المخالف للمنطوق وبعضهم يعتبره بشرط لا يتحقق هنا لما ذكروه في سبب النزول منطبقا على ما ذكرناه عن العرب.
قال البيضاوي في تفسير الآية : كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت وأمرهم أن يتبارؤوا ولا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم اه والبيضاوي من الشافعية القائلين بمفهوم المخالفة. وما ذكره في سبب النزول أخرجه ابن أبي حاتم.
ويدخل في عموم الآية الكافر وبه قال الكوفيون والثوري وقال الجمهور لا يقتل به المسلم لما ورد في ذلك من الحديث الصحيح المبين لإجمال الآية. واستثني من عمومها السيد يقتل عبده قالوا لا يقتل به ولكن يعزر ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن النخعي. قال الأستاذ الإمام : وللحاكم أن يقرر هذا التعزيز بشدة تمنع الاعتداء والاستهانة بالدم. ولا يخفى أن التعزير قد يكون بالقتل فإذا عهد في قوم من القسوة ما يقتلون به عبيدهم فللإمام أن يقتل السيد بعبده تعزيرا لا حدا إذا رأى المصلحة العامة في ذلك. واستثنوا أيضا الوالدين فقالوا لا يقتل الوالد بولده وعلله الأستاذ الإمام بأن الحدود توضع حيث تتحرك النفوس للجناية لتكون رادعة عن الاستمرار فيها، وقد مضت السنة الإلهية في الفطرة بأن قلوب الأصول من طينة الشفقة والحنو على الفروع حتى ليبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيلهم وكثيرا ما يقسو الولد على والده وقلما يقسو والد على ولده إلا لسبب قوي كعقوق شديد أو فساد في أخلاق الولد جنى على أصل الفطرة كالإفراط في حب الذات ولكن هذه القسوة لا تفضي إلى القتل إلا لأمر يكاد يكون فوق الطبيعة كعارض جنون من الوالد أو إيذاء لا يطاق من الولد. ولما كان هذا شاذا نادرا جعل كالعدم فلم يلاحظ في وضع الحد، لأن الأحكام تناط بالمظنة لا بالشواذ التي يندر أن تقع، ومع هذا يعزر من يقتل ولده بما يراه الحاكم لائقا بحاله ومربيا لأمثاله.
وأقول : إن أعظم أسباب هذا الشذوذ في الوالدين طغيان الحكم الاستبدادي وجنون العشق، فكثيرا ما قتل الملوك أولادهم، وكانت سنة سلاطين آل عثمان أن تسلم القوابل أبناء أسرتهم كلهم للقتل عقب الولادة إلا من يسمى ولي العهد الوارث للسلطنة، ويلي ذلك قتل الوالدين حتى الأمهات بثوران جنون العشق(٢).
وقد اضطرب العلماء في تعيين المخاطب بهذا القصاص إذ لا يصح أن يكون القاتل ولا المقتول ولا ولي الدم ولا عصبة القاتل ولا سائر الناس الأجانب. ولا يظهر أيضا أن المخاطب بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾ الحكام خاصة. قال الأستاذ الإمام بعدما أورد هذا المعنى عن بعضهم وهذه مشاغبة وتشكيك كمشاغبات الرازي وشكوكه والخطاب مفهوم بالبداهة، والآية جارية على أسلوب القرآن في مخاطبة جماعة المؤمنين في الشؤون العامة والمصالح لاعتبار الأمة متكافلة ومطالبة بتنفيذ الشريعة وحفظها بالخضوع لأحكامها كما تقدم بيانه في مخاطبة اليهود بإسناد ما كان من آبائهم إليهم إذ قلنا إن الأمة في هدى القرآن كالشخص الواحد يخاطب البعض منها بالكل والكل بالبعض، كما يقال للشخص جنيت وجنت يدك وأخطأت وأخطأ سمعك أو رأيك. ففي هذا الخطاب بالقصاص يدخل القاتل لأنه مأمور بالخضوع لحكم الله، ويدخل الحاكم لأنه مأمور بالتنفيذ، ويدخل سائر المسلمين لأنهم مأمورين بمساعدة الشرع وتأييده، ومراقبة من يختارونه للحكم به وتنفيذه اه وأزيد عليه إفادة الآية وأمثالها أن سلطة الحكم في الإسلام للأمة في جملتها، كل يقوم بقسطه من الاجتهاد في التشريع بالشورى والتنفيذ للأحكام والخضوع لها بشروطها.
بعد أن بين تعالى وجوب القصاص وهو أصل العدل، ذكر أمر العفو وهو مقتضى التراحم والفضل، فقال :﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ الخ. أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص ولو واحد منهم إن تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص كما يأتي، وإنما يعفو من له حق طلب القصاص، وقد جعل الله هذا الحق لأولياء المقتول وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده ويهانون بفقده، ويحرمون من عونه ورفده، فمن أزهق روحه كان لهم أن يطلبوا إزهاق روحه، لما تستفزهم إليه نعرة القرابة وطبيعة المصلحة. فإذا لم يجب طلبهم، ولم يقتص الحاكم لهم، فإنهم ربما يحتالون للانتقام، ويفشو بينهم وبين القاتل وقومه التشاحن والخصام، وإذا جاء العفو من جانبهم أمن المحذور والفتنة، ولاسيما إذا كان من أسباب العفو استعطاف القاتل وقومه لهم، واستعتابهم إياهم، بإثارة عاطفة الأخوة الدينية، وأريحية المروءة والإنسانية، ففي مثل هذه الحالة يوجب الله تعالى حجب الدم، وليس للحكومة أن تمنع من العفو إذا رضوا به ولا أن تستقل بالعفو إذا طلبوا القصاص فتحفظ قلوبهم، وتخرج أضغانهم، وتحملهم على محاولة الانتقام بأيديهم إذا قدروا، فيزيد البلاء، ويكثر الاعتداء، أو يعيش الناس في تباغض وعداء، وفوضى تستباح فيها الدماء.
وعبارة الآية تشعر بأن الله تعالى يحب من عباده العفو، ولذلك فرض اتباع العفو وإن لم يكن تاما متفقا عليه من جميع أولياء الدم كالآباء والأبناء والإخوة، فإن عفا بعضهم يرجح جانبه على الآخرين كما يدل عليه تنكير شيء في قوله ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ فقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ﴿شيء﴾ هنا نائب عن المصدر أي عفي له شيء من العفو بأن ناله بعضه ممن لهم المطالبة به، ويؤيد هذا ويؤكده التعبير عن العافي بلفظ الأخ الذي يحرك عاطفة الرحمة والحنان، وهو كما قال المفسرون يؤذن بأن القتل لا يقتضي الارتداد عن الإسلام وقطع أخوة الإيمان، إلا إذا استحله فاعله.
ومن مباحث اللفظ هنا أن بعض المفسرين أشكل عليهم استعمال عفي متعدية باللام وزعموا أنها بمعنى ترك قال البيضاوي تبعا للكشاف : وهو ضعيف إذا لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه، وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال الله تعالى :﴿عفا الله عنك﴾ ( التوبة : ٤٣ ) وقال :﴿عفا الله عنها﴾ ( المائدة : ١٠١ ) فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل : فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولي الدم.
ولما كان العفو عن القصاص يتضمن الرضى بأخذ الدية قال الله تعالى :
﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ أي من ناله شيء من هذا العفو فالواجب في شأنه أو قضيته تنفيذ العفو وثبوت الدية، وعبر عن الأول باتباع العفو بالمعروف، وهو واجب على الإمام الحاكم وعلى العافي وغيره من الأولياء، وإن لم يعفوا فعليهم أن لا يرهقوا القاتل من أمره عسرا، بل يطلبون منه الدية بالرفق والمعروف الذي لا يستنكره الناس، وعبر عن الثاني بالأداء إليه بإحسان، وهو واجب على القاتل بأن لا يمطل ولا ينقص ولا يسئ في صفة الأداء. ويجوز العفو عن الدية أيضا كما في قوله تعالى في سورة النساء ٩٢ :﴿ودية مسلمة على أهله إلا أن يصدقوا﴾ هذا هو الظاهر في الآية فلا حاجة إلى ذكر ما قالوه من احتمال غيره.
ويؤكد رغبة الشارع في العفو امتنانه علينا بإجازته ووعيده لمن اعتدى، أما الامتنان به فقوله :﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ وأي تخفيف ورخصة أفضل من حجب الدم بتجويز العفو والاكتفاء عنه بقدر معلوم من المال ؟ فهذه رحمة منه سبحانه وتعالى بهذه الأمة إذ رغبها في التراحم والتعاطف والعفو والإحسان، وأما الوعيد على الاعتداء بعده فقوله :﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ أي بعد العفو عن الدم والرضى بالدية بأن انتقم من القاتل ﴿فله عذاب أليم﴾ قيل معناه أنه يتحتم قتل الولي العافي أو غيره إذا قتل المقتول بعد العفو ولا يجوز العفو عنه، بل يقتله الحاكم وإن عفا ولي المقتول، وبه قال جماعة من المفسرين كعكرمة والسدي. وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يفعل فيه ما يراه. والجمهور على أن حكمه حكم القاتل ابتداء، وعليه مالك والشافعي، والمراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة. قال الأستاذ الإمام وهو الصحيح. وفي الحديث المرفوع عند أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم ما يؤيده.
٢ من أخبار جرائد مصر في هذا الوقت (شهر رمضان سنة ١٣٥٠) أن امرأة قتلت ابنتها شر قتلة لأن وجوده ينغص عليها التمتع بمعشوقها وقد تعدد مثل هذا الفساد الوالدي في ديار مصر والعياذ بالله تعالى (المؤلف)..

﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ١٧٨ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ١٧٩﴾.
ذكر المفسر وغيره أن القصاص على القتل كان محتما عند اليهود وأن القرآن جاء وسطا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا. وقد أقرهم الأستاذ الإمام على قولهم إن القتل قصاصا كان حتما عند اليهود كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية. وأنكر عليهم قولهم إن الدية كانت حتما عند النصارى فإنه ليس في كتبهم شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالإحسان من الإنجيل، ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا.
وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطا حقيقيا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدرة القبائل وضعفها، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضى قبيلته بأخذ القاتل به، بل تطلب به رئيسا، وأحيانا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرا، وبالعبد حرا، فإن أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا إفراط وظلم عظيم تقتضيه طبيعة البداوة الخشنة. وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم، ولكن يوجد في الناس لاسيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر. ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقاما، وذلك يكون بما دون القتل، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالإقرار، بأن تثبت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب، ويرون أن الحكومة إذا علمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن يوضعوا في مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجون فيها إلى أن يبرؤوا.
وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى أنهم يريدون أن يشرعوا أحكاما خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القائلين، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة، لا أحكاما عامة لجميع البشر، في البدو والحضر، ومع هذا نرى كثيرا من الناس حتى المنتسبين إلى الإسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الإسلام(١) وأما النافد البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها، وأن تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء، وأن الخوف من الحبس والأشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب إليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرا من بيته، وأن في مصر من الأشقياء من يسمي السجن نزلا أو فندقا.
وسمعت أن غير واحد في سورية يقول : إذا فعل فلان كذا أقتله وأقيم في القلعة عشر سنين. وذلك أن القاتل هناك يحكم عليه غالبا بالسجن خمس عشرة سنة في قلعة طرابلس الشام، ويعفو السلطان في عيد جلوسه عمن تم له ثلثا المدة المحكومة بها عليه في السجن. واشتهر بعض المجرمين في مصر أنهم يسمون بعض السجون العصرية " لوكاندة كولس " بالإضافة إلى كولس باشا مدير السجون الذي أنشئت في عهده. ويقول بعضهم : أسرق كذا أو أضرب فلانا وأشتو في لوكاندة كولس فإن الشتاء فيها أرحم وأنعم من الشتاء في بيتنا أو في الشوارع. ولا يبعد على المجرم من هؤلاء أن يقتل لأن عقاب القتل في هذه السجون إن ثبت عليه أهون من عيشته الشقية، فما القول في أهل البوادي أصحاب الثارات التي لا تموت ؟ ـ فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل ( قال شيخنا ) وقد بلغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالإعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة، بعد أن كان لا يجيزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية.
وقد تقع في كل بلاد صور من جرائم القتل يكون فيها الحكم بقتل القاتل ضارا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت، وإذا قتل يفقدون بقتله المعين والظهير، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيا من المقتول، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة، أو لأن الدية أنفع لهم، فأمثل هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتما لازما في كل حال، بل يكون هو الأصل، ويكون تركه جائزا برضاء أولياء المقتول وعفوهم، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة، في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن، وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم الإنسان.

تفسير المنار

رشيد رضا

عرض الكتاب