قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذل﴾ : هذه استِعارةٌ بليغة، قيل: وذلك أنَّ الطائرَ إذا أراد الطيرانَ نَشَرَ جناحَيْه ورَفَعَهما ليرتفعَ، وإذا أراد تَرْكَ الطيران خَفَضَ جناحيه، فجعلَ خَفْضَ الجناحِ كنايةً عن التواضعِ واللِّين. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما معنى جَناح الذُّل؟ قلت: فيه وجهان،
— 342 —
أحدُهما: أن يكونَ المعنى: واخفِضْ لهما جناحَك كما قال:» واخفِضْ جناحَك للمؤمنين «فأضافه إلى الذُّل أو الذِّل كما أَضيف حاتمٌ إلى الجودِ على معنى: واخفِضْ لهما جناحَك الذليلَ أو الذَّلولَ. والثاني: أن تَجعلَ لذُلِّه أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً، كما جعل لبيد للشَمال يداً وللقَرَّةِ زِماماً- في قوله:
مبالَغةً في التذلُّل والتواضع لهما» انتهى. يعني أنه عبَّر عن اللينِ بالذُّلِ، ثم استعار له جناحاً، ثم رشَّح هذه الاستعارةَ بأَنْ أمرَه بخفضِ الجَناح.
ومِنْ طريفِ ما يُحكى: أن أبا تمام لَمَّا نظَم قوله:
جاءه رجلٌ بقَصْعةٍ وقال له: أَعْطني شيئاً من ماء المَلام. فقال: حتى تأتيَني بريشةٍ مِنْ جَناح الذُّلِّ «يريد أن هذا مجازُ استعارةٍ كذاك. وقال بعضهم:
وقرأ العامَّةُ» الذُّلِّ «بضم الذَّال، وابن عباس في آخرين بكسرها،
| ٣٠٥ - ١- وغداةِ ريحٍ قد كَشَفْتُ وقَرَّةٍ | إذ أصبحَتْ بيدِ الشَمال؟ ِ زِمامُها |
ومِنْ طريفِ ما يُحكى: أن أبا تمام لَمَّا نظَم قوله:
| ٣٠٥ - ٢- لا تَسْقِني ماءَ المَلام فإنني | صَبٌّ قد اسْتَعْذَبْتَ ماء بكائي |
| ٣٠٥ - ٣- أراشُوا جَناحِيْ ثم بَلُّوه بالنَّدى | فلم أَسْتَطِعْ مِنْ أَرْضِهم طَيَرانا |
— 343 —
وهي استعارةٌ؛ لأنَّ الذِّلَّ في الدوابِّ لأنه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أن الذُّلَّ بالضمَّ ضدُّ العِزِّ.
قوله: ﴿مِنَ الرحمة﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها للتعليل فتتعلق ب» اخفِضْ «، أي: اخفِضْ مِن أجل الرحمة. والثاني: أنها لبيانِ الجنس. قال ابنُ عطية:» أي: إنَّ هذا الخفضَ يكون من الرحمة المستكنَّة في النفس «. الثالث: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ» جَناح «. الرابع: أنها لابتداءِ الغاية. قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي﴾ في هذه الكافِ قولان، أحدهما: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، فقدَّره الحوفيُّ:» ارْحَمْهما رحمةً مثلَ تربيتِهما لي «. وقدَّره أبو البقاء:» رحمةً مثلَ رحمتِهما «، كأنه جعل التربيةَ رحمةً. الثاني: أنها للتعليل، أي: ارْحَمْهما لأجلِ تربيتِهما كقولِه: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قوله: ﴿مِنَ الرحمة﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها للتعليل فتتعلق ب» اخفِضْ «، أي: اخفِضْ مِن أجل الرحمة. والثاني: أنها لبيانِ الجنس. قال ابنُ عطية:» أي: إنَّ هذا الخفضَ يكون من الرحمة المستكنَّة في النفس «. الثالث: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ» جَناح «. الرابع: أنها لابتداءِ الغاية. قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي﴾ في هذه الكافِ قولان، أحدهما: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، فقدَّره الحوفيُّ:» ارْحَمْهما رحمةً مثلَ تربيتِهما لي «. وقدَّره أبو البقاء:» رحمةً مثلَ رحمتِهما «، كأنه جعل التربيةَ رحمةً. الثاني: أنها للتعليل، أي: ارْحَمْهما لأجلِ تربيتِهما كقولِه: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
— 344 —