قوله تعالى :﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾.
والمقصود المبالغة في التواضع، وهذه استعارة بليغة.
قال القفَّال(١) - رحمه الله تعالى- : وفي تقريره وجهان :
الأول : أنَّ الطائر، إذا أراد ضمَّ فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنَّه قال للولد : اكفل والديك ؛ بأن تَضمَّهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك.
والثاني : أنَّ الطائر، إذا أراد الطَّيران، نَشرَ جناحيه، ورفعهما ؛ ليرتفع، وإذا أراد ترك الطيران، خفض جناحيه، فجعل خفض الجناحِ كناية عن التواضع واللِّين.
وقال الزمخشري :" فإن قلت : ما معنى جناح الذلِّ ؟ قلت : فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون المعنى : واخفض لهما جناحك، كما قال :﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] فأضافه إلى الذُّلِّ [ أو الذِّلِّ ]، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى : واخفض لهما جناحك الذَّليل أو الذَّلول.
والثاني : أن تجعل لذُلِّه أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً ؛ كما جعل لبيد للشَّمال يداً، وللقرَّة زماماً، في قوله :[ الكامل ]
مبالغة في التذلُّل والتواضع لهما " انتهى، يعني أنه عبَّر عن اللين بالذلِّ، ثم استعار له جناحاً، ثم رشَّح هذه الاستعارة بأن أمره بخفض الجناح.
ومن طريف ما يحكى : أن أبا تمامٍ، لمَّا نظم قوله :[ الكامل ]
جاءه رجل بقصعةٍ، وقال له : أعطني شيئاً من ماءِ الملامِ، فقال : حتى تأتيني بريشةٍ من جناح الذلِّ ؛ يريد أن هذا مجاز استعارةٍ كذاك، وقال بعضهم :[ الطويل ]
وقرأ العامة(٥) " الذُّلِّ " بضم الذال، وابن عبَّاسٍ في آخرين بكسرها، وهي استعارةٌ ؛ لأن الذلَّ في الدوابِّ ؛ لأنَّه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أنَّ الذل بالضم ضدُّ العزِّ.
قوله :" من الرَّحمة " فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنها للتعليل، فتتعلق ب " اخفِضْ "، أي : اخفض من أجل الرَّحمة.
والثاني : أنها لبيان الجنس ؛ قال ابن عطيَّة :" أي : إنَّ هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنَّة في النَّفس ".
الثالث : أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ " جَنَاح ".
الرابع : أنها لابتداء الغاية.
قوله :" كَمَا ربَّيانِي " في هذه الكاف قولان :
أحدهما : أنها نعتٌ لمصدر محذوف، فقدَّره الحوفيُّ :" ارحمهما رحمة مثل تربيتهما [ لي ] ". وقدَّره أبو البقاء(٦) :" رحمة مثل رحمتهما " كأنَّه جعل التربية رحمة.
والثاني : أنها للتعليل، أي : ارحمهما ؛ لأجل تربيتهما ؛ كقوله :﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قال القرطبي(٧) : أمر الله تعالى عباده بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال جل ذكره :﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] ومن البر إليهما أن يحسن إليهما، ولا يسبهما ولا يعقهما ؛ فإن ذلك من الكبائر، ولا يخالفهما في أغراضهما الجائزة لهما.
والأحاديث الدالة على الأمر ببر الوالدين كثيرة.
قال القرطبيُّ(٨) : ولا يختصُّ برُّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرُّهما، ويحسن إليهما.
قال القفال(٩) - رحمه الله- : إنَّه لم يقتصر في تعليم البرِّ بالوالدين على تعليم الأفعال، بل أضاف إليه تعليم الأقوال، وهو أن يدعو لهما بالرَّحمة، فيقول : ربِّ ارحمهما، ولفظة الرحمة جامعة لكلِّ الخيرات في الدِّين والدنيا، ثم يقول :﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ يعني : ربِّ افعل بهما هذا النوع من الإحسان، كما أحسنا إليَّ في تربيتهما، والتربية هي التَّنْميَةُ من قولهم : ربَا الشَّيء، إذا انتفخ قال تعالى :﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥].
واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما- : إنها منسوخة بقوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول : ربِّ ارحمهما(١٠).
وقيل إنها مخصوصة بالمسلمين غير منسوخة، وهذا أولى من القول الأول ؛ لأنَّ التخصيص أولى من النَّسخ.
وقيل : لا نسخ، ولا تخصيص ؛ لأنَّ الوالدين، إذا كانا كافرين، فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.
قوله جلَّ ذكرهُ :﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما﴾ أمرٌ، وظاهر الأمر لا يفيد التَّكرار، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرَّة واحدة.
سئل سفيان : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة، أو في الشهر، أو في السَّنة ؟ فقال : نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات ؛ كما قال تعالى :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾(١١) [الأحزاب: ٥٦] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبيِّ - صلوات الله وسلامه عليه-.
وكقوله تعالى :﴿واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فهم يكرِّرون في أدبار الصلاة.
والمقصود المبالغة في التواضع، وهذه استعارة بليغة.
قال القفَّال(١) - رحمه الله تعالى- : وفي تقريره وجهان :
الأول : أنَّ الطائر، إذا أراد ضمَّ فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنَّه قال للولد : اكفل والديك ؛ بأن تَضمَّهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك.
والثاني : أنَّ الطائر، إذا أراد الطَّيران، نَشرَ جناحيه، ورفعهما ؛ ليرتفع، وإذا أراد ترك الطيران، خفض جناحيه، فجعل خفض الجناحِ كناية عن التواضع واللِّين.
وقال الزمخشري :" فإن قلت : ما معنى جناح الذلِّ ؟ قلت : فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون المعنى : واخفض لهما جناحك، كما قال :﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] فأضافه إلى الذُّلِّ [ أو الذِّلِّ ]، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى : واخفض لهما جناحك الذَّليل أو الذَّلول.
والثاني : أن تجعل لذُلِّه أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً ؛ كما جعل لبيد للشَّمال يداً، وللقرَّة زماماً، في قوله :[ الكامل ]
| وغَداةِ رِيح قد كَشفْتُ وقَرَّةٍ | إذْ أصَبْحَتْ بِيدِ الشَّمالِ زِمامُهَا(٢) |
ومن طريف ما يحكى : أن أبا تمامٍ، لمَّا نظم قوله :[ الكامل ]
| لا تَسْقِني مَاءَ المَلامِ فإنَّني | صبٌّ قد اسْتعذَبْتُ مَاء بُكائِي(٣) |
| أرَاشُوا جَناحِي ثُمَّ بلُّوه بالنَّدى | فلمْ أسْتطِعْ من أرْضهِمْ طَيرانَا(٤) |
قوله :" من الرَّحمة " فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنها للتعليل، فتتعلق ب " اخفِضْ "، أي : اخفض من أجل الرَّحمة.
والثاني : أنها لبيان الجنس ؛ قال ابن عطيَّة :" أي : إنَّ هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنَّة في النَّفس ".
الثالث : أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ " جَنَاح ".
الرابع : أنها لابتداء الغاية.
قوله :" كَمَا ربَّيانِي " في هذه الكاف قولان :
أحدهما : أنها نعتٌ لمصدر محذوف، فقدَّره الحوفيُّ :" ارحمهما رحمة مثل تربيتهما [ لي ] ". وقدَّره أبو البقاء(٦) :" رحمة مثل رحمتهما " كأنَّه جعل التربية رحمة.
والثاني : أنها للتعليل، أي : ارحمهما ؛ لأجل تربيتهما ؛ كقوله :﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قال القرطبي(٧) : أمر الله تعالى عباده بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال جل ذكره :﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] ومن البر إليهما أن يحسن إليهما، ولا يسبهما ولا يعقهما ؛ فإن ذلك من الكبائر، ولا يخالفهما في أغراضهما الجائزة لهما.
والأحاديث الدالة على الأمر ببر الوالدين كثيرة.
قال القرطبيُّ(٨) : ولا يختصُّ برُّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرُّهما، ويحسن إليهما.
قال القفال(٩) - رحمه الله- : إنَّه لم يقتصر في تعليم البرِّ بالوالدين على تعليم الأفعال، بل أضاف إليه تعليم الأقوال، وهو أن يدعو لهما بالرَّحمة، فيقول : ربِّ ارحمهما، ولفظة الرحمة جامعة لكلِّ الخيرات في الدِّين والدنيا، ثم يقول :﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ يعني : ربِّ افعل بهما هذا النوع من الإحسان، كما أحسنا إليَّ في تربيتهما، والتربية هي التَّنْميَةُ من قولهم : ربَا الشَّيء، إذا انتفخ قال تعالى :﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥].
واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما- : إنها منسوخة بقوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول : ربِّ ارحمهما(١٠).
وقيل إنها مخصوصة بالمسلمين غير منسوخة، وهذا أولى من القول الأول ؛ لأنَّ التخصيص أولى من النَّسخ.
وقيل : لا نسخ، ولا تخصيص ؛ لأنَّ الوالدين، إذا كانا كافرين، فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.
فصل في أنّ الأمر يفيد التكرار أم لا ؟
قوله جلَّ ذكرهُ :﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما﴾ أمرٌ، وظاهر الأمر لا يفيد التَّكرار، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرَّة واحدة.
سئل سفيان : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة، أو في الشهر، أو في السَّنة ؟ فقال : نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات ؛ كما قال تعالى :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾(١١) [الأحزاب: ٥٦] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبيِّ - صلوات الله وسلامه عليه-.
وكقوله تعالى :﴿واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فهم يكرِّرون في أدبار الصلاة.
١ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١٥٣..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه ص ١٠، البحر المحيط ٦/٢٦، الدر المصون ٤/٣٨٦..
٤ ينظر: البحر ٦/٦٨، الدر المصون ٤/٣٨٦..
٥ ينظر: المحتسب ٢/١٨، والكشاف ٢/٦٥٨، والقرطبي ١/١٥٩ والبحر ٦/٢٦، والشواذ ٧٦، والدر المصون ٤/٣٨٦، ونسبها الفراء في معاني القرآن ٢/١٢٢ إلى عاصم، وقال القرطبي: ورويت عن عاصم..
٦ ينظر: الإملاء : ٢/٩٠..
٧ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٥٥..
٨ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٥٦..
٩ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١٥٣..
١٠ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" ص ١٦ رقم (٢٣) والطبري في "تفسيره" (٨/٦٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣١١) وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر من طرق عن ابن عباس..
١١ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١٥٣)..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه ص ١٠، البحر المحيط ٦/٢٦، الدر المصون ٤/٣٨٦..
٤ ينظر: البحر ٦/٦٨، الدر المصون ٤/٣٨٦..
٥ ينظر: المحتسب ٢/١٨، والكشاف ٢/٦٥٨، والقرطبي ١/١٥٩ والبحر ٦/٢٦، والشواذ ٧٦، والدر المصون ٤/٣٨٦، ونسبها الفراء في معاني القرآن ٢/١٢٢ إلى عاصم، وقال القرطبي: ورويت عن عاصم..
٦ ينظر: الإملاء : ٢/٩٠..
٧ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٥٥..
٨ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٥٦..
٩ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/١٥٣..
١٠ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" ص ١٦ رقم (٢٣) والطبري في "تفسيره" (٨/٦٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣١١) وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر من طرق عن ابن عباس..
١١ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١٥٣)..