سورة الإسراء | الآية ٤٢

عرض السورة
التَّفسير

ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا وَنَظِيرًا نَبَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ الْوَلَدَ وَعَلَى كَمَالِ جَهْلِ هَذِهِ الْفِرْقَةِ، وَهِيَ أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْوَلَدَ قِسْمَانِ، فَأَشْرَفُ الْقِسْمَيْنِ الْبَنُونَ، وَأَخَسُّهُمَا الْبَنَاتُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْبَنِينَ لِأَنْفُسِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنِهَايَةِ عَجْزِهِمْ وَنَقْصِهِمْ وَأَثْبَتُوا الْبَنَاتَ لِلَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ وَالْجَلَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ جَهْلِ الْقَائِلِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطُّورِ: ٣٩] وَقَوْلُهُ: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى [النَّجْمِ: ٢١] وَقَوْلُهُ: أَفَأَصْفاكُمْ يُقَالُ أَصْفَاهُ بِالشَّيْءِ إِذَا آثَرَ بِهِ، وَيُقَالُ لِلضِّيَاعِ التي يستخصها السلطان بخاصية الصَّوَافِي. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: أَفَأَصْفاكُمْ أَفَخَصَّكُمْ، وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: أَخْلَصَكُمْ. قَالَ النَّحْوِيُّونَ هَذِهِ الْهَمْزَةُ هَمْزَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى صِيغَةِ السُّؤَالِ عَنْ مَذْهَبٍ ظَاهِرِ الْفَسَادِ لَا جَوَابَ لِصَاحِبِهِ إِلَّا بِمَا فِيهِ أَعْظَمُ الْفَضِيحَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً وَبَيَانُ هَذَا التَّعْظِيمِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَلَدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعَالَى مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ قَدِيمًا وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ. وَذَلِكَ عَظِيمٌ مِنَ الْقَوْلِ وَمُنْكَرٌ مِنَ الْكَلَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْوَلَدِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ أَشْرَفَ الْقِسْمَيْنِ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ لله. وهذا أيضا جهل عظيم.

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤١ الى ٤٤]

وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ] اعْلَمْ أَنَّ التَّصْرِيفَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، نَحْوَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَتَصْرِيفِ الْأُمُورِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ، ثُمَّ جَعَلَ لَفْظَ التَّصْرِيفِ كِنَايَةً عَنِ التَّبْيِينِ، لِأَنَّ مَنْ حَاوَلَ بَيَانَ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَصْرِفُ كَلَامَهُ مِنْ نَوْعٍ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ وَمِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ آخَرَ لِيُكْمِلَ الْإِيضَاحَ وَيُقَوِّيَ الْبَيَانَ فَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ صَرَّفْنا أَيْ بَيَّنَّا وَمَفْعُولُ التَّصْرِيفِ مَحْذُوفٌ وَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ ضُرُوبًا مِنْ كُلِّ مَثَلٍ. وَثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ لَفْظَةُ «فِي» زَائِدَةً كَقَوْلِهِ: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الْأَحْقَافِ: ١٥] أَيْ أَصْلِحْ لِي ذَرِّيَّتِي. أَمَّا قَوْلُهُ:
لِيَذَّكَّرُوا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ الْجُمْهُورُ لِيَذَّكَّرُوا بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْكَافِ وَتَشْدِيدِهِمَا، وَالْمَعْنَى: لِيَتَذَكَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لِيَذَّكَّرُوا سَاكِنَةَ الذَّالِ مَضْمُومَةَ الْكَافِ، وَفِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ مِثْلُهُ مِنَ الذِّكْرِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: والتذكر هاهنا أَشْبَهُ مِنَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الذِّكْرَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ النِّسْيَانِ. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ فَفِيهَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الذِّكْرَ قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى التَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [الْبَقَرَةِ: ٦٣] وَالْمَعْنَى: وَافْهَمُوا مَا فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى صَرَّفْنَا هَذِهِ الدَّلَائِلَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذْكُرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَإِنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَأَثُّرِ الْقَلْبِ بِمَعْنَاهُ.
— 345 —
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْجُبَّائِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا أَكْثَرَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الدَّلَائِلِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ مِنْهُمْ فَهْمَهَا وَالْإِيمَانَ بِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكُلِّ سَوَاءٌ آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْأَصَمُّ: شَبَّهَهُمْ بِالدَّوَابِّ النَّافِرَةِ، أَيْ مَا ازْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ إِلَّا بُعْدًا وَهُوَ كَقَوْلِهِ:
فَزادَتْهُمْ رِجْساً [التَّوْبَةِ: ١٢٥].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَا أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَنَّ تَصْرِيفَ الْقُرْآنِ لَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا، فَلَوْ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنْهُمْ لَمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مَا يَزِيدُهُمْ نَفْرَةً وَنَبْوَةً عَنْهُ، لِأَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا أَرَادَ تَحْصِيلَ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَعَلِمَ أَنَّ الْفِعْلَ الْفُلَانِيَّ يَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ النَّفْرَةِ وَالنَّبْوَةِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ عند ما يُحَاوِلُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ يَحْتَرِزُ عَمَّا يُوجِبُ مَزِيدَ النَّفْرَةِ وَالنَّبْوَةِ فَلَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا التَّصْرِيفَ يَزِيدُهُمْ نُفُورًا، عَلِمْنَا أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنْهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهَانِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلُهُ: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا هُوَ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لَغَلَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى دَلِيلِ التَّمَانُعِ وَقَدْ شَرَحْنَاهُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلُهُ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣]، فَقَالَ اللَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ كَمَا تَقُولُونَ مِنْ أَنَّهَا تُقَرِّبُكُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى لَطَلَبَتْ لِأَنْفُسِهَا أَيْضًا قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسَبِيلًا إِلَيْهِ وَلَطَلَبَتْ لِأَنْفُسِهَا الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ، وَالدَّرَجَاتِ الشَّرِيفَةَ مِنَ الْأَحْوَالِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمَّا لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَتَّخِذَ لِأَنْفُسِهَا سَبِيلًا إِلَى اللَّهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ تُقَرِّبَكُمْ إِلَى اللَّهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قرأ ابن كثير كَما يَقُولُونَ وعَمَّا يَقُولُونَ ويسبح بِالْيَاءِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَالْمَعْنَى كَمَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ إِثْبَاتِ الْآلِهَةِ مِنْ دُونِهِ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٢] وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ كُلَّهَا بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِالْيَاءِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَوَّلَيْنِ بِالْيَاءِ، وَالْأَخِيرَ بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ بِالتَّاءِ وَالْأَوْسَطَ بِالْيَاءِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَمَّا أَقَامَ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكَاءِ وَعَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ الْآلِهَةِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، أَرْدَفَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ الْبَاطِلِ فَقَالَ: سُبْحانَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّسْبِيحَ عِبَارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَتَعالى وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا التَّعَالِي الِارْتِفَاعُ وَهُوَ الْعُلُوُّ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ
— 346 —
هَذَا التَّعَالِي لَيْسَ هُوَ التَّعَالِي فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ، لِأَنَّ التَّعَالِيَ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ وَالنَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّعَالِي بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ لَفْظَ التَّعَالِي فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُفَسَّرٍ بِالْعُلُوِّ بِحَسَبِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: جَعَلَ الْعُلُوَّ مَصْدَرَ التَّعَالِي فَقَالَ تَعَالَى: عُلُوًّا كَبِيراً وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ تَعَالَى تَعَالِيًا كَبِيرًا إِلَّا أَنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نُوحٍ: ١٧].
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي وَصْفِ ذَلِكَ الْعُلُوِّ بِالْكَبِيرِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَبَيْنَ ثُبُوتِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَالشُّرَكَاءِ وَالْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ مُنَافَاةٌ بَلَغَتْ فِي الْقُوَّةِ وَالْكَمَالِ إِلَى حَيْثُ لَا تُعْقَلُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ الْوَاجِبِ/ لِذَاتِهِ وَالْمُمْكِنِ لِذَاتِهِ، وَبَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ، وَبَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْمُحْتَاجِ مُنَافَاةٌ لَا تُعْقَلُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا فَلِهَذَا السَّبَبِ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْعُلُوَّ بِالْكَبِيرِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ الْحَيَّ الْمُكَلَّفَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: بِالْقَوْلِ كَقَوْلِهِ بِاللِّسَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: بِدَلَالَةِ أَحْوَالِهِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيسِهِ وَعِزَّتِهِ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا مِثْلَ الْبَهَائِمِ، وَمَنْ لَا يَكُونُ حَيًّا مِثْلَ الْجَمَادَاتِ فَهِيَ إِنَّمَا تُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالطَّرِيقِ الثَّانِي، لِأَنَّ التَّسْبِيحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ وَالْإِدْرَاكِ وَالنُّطْقِ وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الْجَمَادِ مُحَالٌ، فَلَمْ يَبْقَ حُصُولُ التَّسْبِيحِ فِي حَقِّهِ إِلَّا بِالطَّرِيقِ الثَّانِي.
وَاعْلَمْ أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا فِي الْجَمَادِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا لَعَجَزْنَا عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِكَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا قَادِرًا عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا وَحِينَئِذٍ يَفْسَدُ عَلَيْنَا بَابُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ حَيًّا وَذَلِكَ كُفْرٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِذَا جَازَ فِي الْجَمَادَاتِ أَنْ تَكُونَ عَالِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَتُسَبِّحُهُ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَحْيَاءٍ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ عَالِمًا قَادِرًا مُتَكَلِّمًا كَوْنُهُ حَيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا قَادِرًا كَوْنُهُ حَيًّا وَذَلِكَ جَهْلٌ وَكُفْرٌ، لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِحَيٍّ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا قَادِرًا مُتَكَلِّمًا، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَيْهِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْجَمَادَاتِ وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ كُلَّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى، وَاحْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأَنْ قَالُوا: دَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى كَوْنِهَا مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذَا التَّسْبِيحِ بِكَوْنِهَا دَلَائِلَ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا وَدَلَالَتُهَا عَلَى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ مَعْلُومٌ، وَالْمَعْلُومُ مُغَايِرٌ لِمَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَنَّ تَسْبِيحَهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُغَايِرًا لِكَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّكَ إِذَا أَخَذْتَ تُفَّاحَةً وَاحِدَةً فَتِلْكَ التُّفَّاحَةُ مُرَكَّبَةٌ مَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ دَلِيلٌ تَامٌّ مُسْتَقِلٌّ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ صِفَاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الطَّبْعِ وَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ وَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ، وَاخْتِصَاصُ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ بِتِلْكَ الصفة
— 347 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب