سورة الإسراء | الآية ٧٥

عرض السورة
التَّفسير

ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
هَذَيْنِ بِكُمْ مَنْ تَكِلُونَ أُمُورَكُمْ إِلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ فِي صرف ذلك عنكم. وأَمْ فِي أَمْ أَمِنْتُمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، وَالْهَمْزَةُ أَيْ بَلْ أَمِنْتُمْ وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ عَائِدٌ عَلَى الْبَحْرِ، وَانْتَصَبَ تَارَةً عَلَى الظَّرْفِ أَيْ وَقْتًا غَيْرَ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، وَالْبَاءُ فِي بِما كَفَرْتُمْ سَبَبِيَّةٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السَّابِقِ مِنْكُمْ، وَالْوَقْتُ الْأَوَّلُ الَّذِي نَجَّاكُمْ فِيهِ أَوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هُوَ دَأْبُكُمْ دَائِمًا. وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكُمْ، إِذْ هُوَ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ وَهُوَ نَتِيجَةُ الْإِرْسَالِ. وَقِيلَ عَائِدٌ عَلَى الْإِرْسَالِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا فَيَكُونُ كَاسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمَعْنَى بِمَا وَقَعَ مِنَ الْإِرْسَالِ وَالْإِغْرَاقِ. وَالتَّبِيعُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّصِيرُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ:
طَالِبُ الثَّأْرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُطَالِبُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ يُتْبِعُ بِالْإِنْكَارِ مَا نَزَلَ بِكُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها «١»
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ».
وَقَالَ الشَّمَّاخُ:
كَمَا لَاذَ الْغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ وَيُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ تَبِيعٌ، أَيْ مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطَالِبٌ بِهِ. وَأَنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
غَدَوْا وَغَدَتْ غِزْلَانُهُمْ فَكَأَنَّهَاضوامن غرم لدهن تَبِيعُ
أَيْ مُطَالِبٌ بِحَقِّهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عُمَرَ: وَنَخْسِفُ وَأَوْ نُرْسِلُ وَأَنْ نُعِيدَكُمْ وَفَنُرْسِلُ وَفَنُغْرِقُكُمْ خَمْسَتُهَا بِالنُّونِ، وَبَاقِي الْقُرَّاءِ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو جعفر فتغرقكم بناء الْخِطَابِ مُسْنَدًا إِلَى الرِّيحِ وَالْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ فَيُغْرِقَكُمْ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ وَفَتْحِ الْغَيْنَ وَشَدِّ الرَّاءِ، عَدَّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، وَالْمُقْرِي لِأَبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَإِدْغَامِ الْقَافِ فِي الْكَافِ، وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَابْنِ مُحَيْصِنٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مِنَ الرِّيحِ بِالْإِفْرَادِ وَأَبُو جَعْفَرٍ مِنَ الرِّيَاحِ جَمْعًا.

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٧]

وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤)
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧)
(١) سورة الشمس: ٩١/ ١٥.
— 83 —
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ إِزْجَاءِ الْفُلْكِ فِي الْبَحْرِ وَمِنْ تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ، تَمَّمَ ذِكْرَ الْمِنَّةِ بِذِكْرِ تَكْرِمَتِهِمْ وَرِزْقِهِمْ وَتَفْضِيلِهِمْ، أَوْ لَمَّا هَدَّدَهُمْ بِمَا هَدَّدَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْغَرَقِ وَأَنَّهُمْ كَافِرُو نِعْمَتَهُ ذَكَرَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَتَذَكَّرُوا فَيَشْكُرُوا نِعَمَهُ وَيُقْلِعُوا عَنْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَيُطِيعُوهُ تَعَالَى، وَفِي ذِكْرِ النِّعَمِ وَتَعْدَادِهَا هَزٌّ لِشُكْرِهَا وَكَرَّمَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ مِنْ كَرُمَ أَيْ جَعَلْنَاهُمْ ذَوِي كَرَمٍ بِمَعْنَى الشَّرَفِ وَالْمَحَاسِنِ الْجَمَّةِ، كَمَا تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ وَفَرَسٌ كَرِيمٌ أَيْ جَامِعٌ لِلْمَحَاسِنِ. وَلَيْسَ مِنْ كَرَمِ الْمَالِ. وَمَا جَاءَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنْ تَكْرِيمِهِمْ وَتَفْضِيلِهِمْ بِأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالْعَقْلِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ بِالنُّطْقِ. وَعَنْ عَطَاءٍ بِتَعْدِيلِ الْقَامَةِ وَامْتِدَادِهَا، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِالْمَطَاعِمِ وَاللَّذَّاتِ، وَعَنْ يَمَانٍ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وَعَنْ
— 84 —
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِجَعْلِ مُحَمَّدٍ عِلْيَهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْهُمْ. وَعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِالتَّسْلِيطِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَتَسْخِيرِهِ لَهُ. وَقِيلَ: بِالْخَطِّ. وَقِيلَ: بِاللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ وَالذُّؤَابَةِ لِلْمَرْأَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِأَكْلِهِ بِيَدِهِ وَغَيْرِهِ بِفَمِهِ. وَقِيلَ: بِتَدْبِيرِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. وَقِيلَ: بِخَلْقِ اللَّهِ آدَمَ بِيَدِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مِنَ الْحَيَوَانِ مَا يَفْضُلُ بِنَوْعٍ مَا ابْنَ آدَمَ كَجَرْيِ الْفَرَسِ وَسَمْعِهِ وَإِبْصَارِهِ، وَقُوَّةِ الْفِيلِ، وَشَجَاعَةِ الْأَسَدِ، وَكَرَمِ الدِّيكِ. قَالَ: وَإِنَّمَا التَّكْرِيمُ وَالتَّفْضِيلُ بِالْعَقْلِ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ الْحَيَوَانُ كُلُّهُ وَبِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيُفْهَمُ كَلَامُهُ وَيُوصَلُ إِلَى نَعِيمِهِ انْتَهَى.
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ تَكْرِيمِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْبَرِّ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ، وَفِي الْبَحْرِ عَلَى السُّفُنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى أَكْبَادٍ رَطْبَةٍ وَأَعْوَادٍ يَابِسَةٍ. والطَّيِّباتِ كَمَا تَقَدَّمَ الْحَلَالُ أَوِ الْمُسْتَلَذُّ وَلَا يَتَّسِعُ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ فِي الرِّزْقِ اتِّسَاعَهُ لِأَنَّهُ يَكْتَسِبُ الْمَالَ وَيَلْبَسُ الثِّيَابَ وَيَأْكُلُ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْتَسِبُ وَلَا يَلْبَسُ وَلَا يَأْكُلُ غَالِبًا إِلَّا لَحْمًا نَيِّئًا وَطَعَامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ، وَالظَّاهِرُ أَنُّ كَثِيرًا بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ غَيْرَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ وَأَشْبَاهِهِمْ وَهَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَكِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْحَيَوَانُ وَالْجِنُّ هُوَ الْكَثِيرُ الْمَفْضُولُ وَالْمَلَائِكَةُ هُمُ الْخَارِجُونَ عَنِ الْكَثِيرِ الْمَفْضُولِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْإِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُمْ الْمُسْتَثْنَوْنَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
«١» وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ مِنَ الْآيَةِ، بَلِ التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الْآيَةُ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ وَيُحْتَمَلُ التَّسَاوِي، وَإِنَّمَا يَصِحُّ تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنَ الشَّرْعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا هُوَ مَا سِوَى الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَحَسْبُ بَنِي آدَمَ تَفْضِيلًا أَنْ تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ هُمْ وَمَنْزِلَتُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَتُهُمْ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْمُجْبِرَةِ كَيْفَ عَكَسُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَكَابَرُوا حَتَّى جَسَرَتْهُمُ الْمُكَابَرَةُ عَلَى الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ تَفْضِيلُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْمَلَكِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَشْنِيعًا أَقْذَعَ فِيهِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ. وَقِيلَ: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ بِالْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ. وَقِيلَ: بِالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَمْ تَتَعَرَّضِ الْآيَةُ لِلتَّفْضِيلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ.
(١) سورة النساء: ٤/ ١٧٢. [.....]
— 85 —
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَثِيرٍ مَجَازُهُ وَهُوَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، والعرب تفعل ذلك وهذا الْقَوْلُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هُنَا لِأَنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ جَمِيعًا كَانَ بِكَثِيرٍ، فَقُلْتُ عَلَى جَمِيعٍ مِمَّنْ خَلَقَنَا لَكَانَ نَائِيًا عَنِ الْفَصَاحَةِ، وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ كَلَامٌ فِي تَكْرِيمِ ابْنِ آدَمَ وَتَفْضِيلِهِ مُسْتَمَدٌّ مِنْ كَلَامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ حُكَمَاءَ يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ إِذْ هُوَ جَارٍ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي كَلَامِهَا.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنْوَاعًا مِنْ كَرَامَاتِ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ فقال: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَامِلِ فِي يَوْمَ. فَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَتَى هُوَ. وَقِيلَ: فَتَسْتَجِيبُونَ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهَا صَفْحًا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ ظَرْفٌ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ انْتَصَبَ عَلَى الظَّرْفِ وَالْعَامِلُ فِيهِ اذْكُرْ وَعَلَى تَقْدِيرِ اذْكُرْ لَا يَكُونُ ظَرْفًا بَلْ هُوَ مَفْعُولٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ ظَرْفٌ: وَالْعَامِلُ فِيهِ اذْكُرْ أَوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلا يُظْلَمُونَ، وَحَكَاهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَقَدَّرَهُ وَلا يُظْلَمُونَ يَوْمَ نَدْعُو.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَيْضًا: وَيَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ وَفَضَّلْناهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ فَضْلَ الْبَشَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانِ بَيِّنٌ لِأَنَّهُمُ الْمُنَعَّمُونَ الْمُكَلَّفُونَ الْمُحَاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ الْقَدْرُ إِلَّا أَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْمَئِذٍ أَخْسَرُ مَنْ كُلِّ حَيَوَانٍ، إِذْ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَيْضًا: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ مَنْصُوبًا عَلَى الْبِنَاءِ لَمَّا أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وَيَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ فِي التَّقْسِيمِ الَّذِي أَتَى بَعْدُ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَمَنْ كانَ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ مَنْصُوبًا عَلَى الْبِنَاءِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَبْنِيًّا عَلَى الْفَتْحِ، وَقَوْلُهُ: لَمَّا أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الَّذِي يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَمَكِّنٍ وَغَيْرِ مُتَمَكِّنٍ هُوَ الِاسْمُ لَا الْفِعْلُ، وَهَذَا أُضِيفَ إِلَى فِعْلٍ مُضَارِعٍ وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى فِعْلٍ مُضَارِعٍ مُعْرَبٍ لَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: والخبر في التقسيم فالتقسيم عَارٍ مِنْ رَابِطٍ لِهَذِهِ الجملة التقسيمية بالمبتدأ لا إِنْ قَدَّرَ مَحْذُوفًا، فَقَدْ يُمْكِنُ أَيْ مِمَّنْ أُوتِيَ كِتابَهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ وَهُوَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ.
وَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: الْعَامِلُ فِيهِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ وَفَضَّلْناهُمْ بِالثَّوَابِ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ قَبْلُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ ثُمَّ لَا تَجِدُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ نُعِيدُكُمْ مُضْمَرَةٌ أَيْ نُعِيدُكُمْ يَوْمَ نَدْعُوا وَالْأَقْرَبُ
— 86 —
مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ بِاذْكُرْ مُضْمَرَةً. وَقَرَأَ الجمهور: نَدْعُوا بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَمُجَاهِدٌ يَدْعُو بِيَاءِ الْغَيْبَةِ أَيْ يَدْعُو اللَّهَ، وَالْحَسَنُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ يُدْعَى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كُلَّ مَرْفُوعٌ بِهِ، وَفِيمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ يَدْعُو بِالْوَاوِ وَخُرِّجَ عَلَى إِبْدَالِ الْأَلِفِ وَاوًا عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: أَفْعُو فِي الْوَقْفِ عَلَى أَفْعَى، وَإِجْرَاءُ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ وَكُلُّ مَرْفُوعٌ بِهِ، وَعَلَى أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ ضَمِيرًا مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَصْلُهُ يَدْعُونَ فَحُذِفَتِ النُّونُ كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِهِ:
أَبِيتُ أُسَرِّي وَتَبِيتِي تُدَلِّكِيوَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الزَّكِيِّ
أَيْ تَبِيتِينَ تَدْلُكِينَ وَكُلُّ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ الضَّمِيرِ. وأُناسٍ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْبَاءُ فِي بِإِمامِهِمْ الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِنَدْعُو، أَيْ بِاسْمِ إِمَامِهِمْ. وَقِيلَ: هِيَ بَاءُ الْحَالِ أَيْ مَصْحُوبِينَ بِإِمامِهِمْ. وَالْإِمَامُ هُنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ كِتَابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أَعْمَالُهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: كِتَابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: نَبِيُّهُمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْإِمَامُ يَعُمُّ هَذَا كُلَّهُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤْتَمُ بِهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
إِمَامُهُمْ مَنِ ائتموا به من نَبِيٌّ أَوْ مُقَدَّمٌ فِي الدِّينِ أَوْ كِتَابٌ أَوْ دِينٌ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ دِينِ كَذَا وَكِتَابِ كَذَا. وَقِيلَ: بِكِتَابِ أَعْمَالِهِمْ يَا أَصْحَابَ كِتَابِ الْخَيْرِ وَيَا أَصْحَابَ كِتَابِ الشَّرِّ. وَفِي قِرَاءَةِ الْحَسَنِ بِكِتَابِهِمْ وَمِنْ بِدَعِ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْإِمَامَ جَمْعُ أُمٍّ وَأَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأُمَّهَاتِهِمْ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الدُّعَاءِ بِالْأُمَّهَاتِ دُونَ الْآبَاءِ رِعَايَةَ حَقِّ عِيسَى وَشَرَفِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ.
وَأَنْ لَا يَفْتَضِحَ أَوْلَادُ الزِّنَا وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّهُمَا أَبْدَعُ أَصِحَّةُ لَفْظِهِ أَمْ بَهَاءُ حِكْمَتِهِ انْتَهَى. وَإِيتَاءُ الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْتَاهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَإِيتَاؤُهُ بِالْيَمِينِ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاةِ الطَّائِعِ وَخَلَاصِ الْفَاسِقِ مِنَ النَّارِ إِنْ دَخَلَهَا وَبِشَارَتِهِ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِيهَا فَأُولئِكَ جَاءَ جَمْعًا عَلَى مَعْنَى مَنْ إِذْ قَدْ حُمِلَ عَلَى اللَّفْظِ أَوَّلًا فَأُفْرِدَ فِي قَوْلِهِ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وَقِرَاءَتُهُمْ كُتُبَهُمْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهَا مِنَ الْبِشَارَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمُوا مِنْ حَيْثُ إِيِتَاؤُهُمْ إِيَّاهَا بِالْيَمِينِ أَنَّهُمْ مَنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمِنْ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ يَقُولُ الْبَارِي لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ «١» وَلَمْ يَأْتِ هُنَا قَسِيمُ مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ مَنْ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَى فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَلْ جَاءَ قَسِيمُهُ قَوْلُهُ.
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُقَابِلُهُ لِأَنَّ مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
(١) سورة الحاقة: ٦٩/ ١٩.
— 87 —
هُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى هُمْ أَهْلُ الشَّقَاوَةِ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْ لَا يَنْقُصُونَ أَدْنَى شَيْءٍ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْفَتِيلِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ:
فِي هذِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ أَيْ: مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَعْمَى عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَعِبَرِهِ وَالْإِيمَانِ بِأَنْبِيَائِهِ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِي شَأْنِ الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى معنى أنه خبر إن لَا يَتَوَجَّهَ لَهُ صَوَابٌ وَلَا يَلُوحَ لَهُ نُجْحٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَعْمَى فِي الْآخِرَةِ عَنْ حُجَجِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ النِّعَمُ يُشِيرُ إِلَى نِعَمِ التَّكْرِيمِ وَالتَّفْضِيلِ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ وَلَمْ تُعَايِنْ أَعْمى. وَقِيلَ: وَمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا ضَالًّا كَافِرًا فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ لَا تُقْبَلُ وَفِي الدُّنْيَا يَهْتَدِي إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْآفَاتِ، وَفِي الْآخِرَةِ لَا يَهْتَدِي إِلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. وَقِيلَ: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: أَعْمَى الْبَصَرِ كَمَا قَالَ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً «١» وَقَوْلُهُ: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً «٢». وَقِيلَ: مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَعْمَى عَنْ إِبْصَارِ الْحَقِّ وَالِاعْتِبَارِ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى عَنِ الِاعْتِذَارِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذِهِ إِلَى الدُّنْيَا أَيْ مَنْ كَانَ فِي دُنْيَاهُ هذِهِ وَقْتَ إِدْرَاكِهِ وَفَهْمِهِ أَعْمى عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ فَهُوَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ حَيْرَةً وَعَمًى لِأَنَّهُ قَدْ بَاشَرَ الْخَيْبَةَ وَرَأَى مَخَائِلَ الْعَذَابِ، وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ تَكُونُ مُعَادِلَةً الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ ذِكْرِ مَنْ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. وَإِذَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ فِي الْآخِرَةِ بِمَعْنَى فِي شَأْنِ الْآخِرَةِ لَمْ تَطَّرِدِ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْأَعْمَى مُسْتَعَارٌ مِمَّنْ لَا يُدْرِكُ الْمُبْصَرَاتِ لِفَسَادِ حَاسَّتِهِ لِمَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِفَقْدِ النَّظَرِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاهْتِدَاءُ إِلَيْهِ وَقَدْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ. وَمِنْ ثَمَّ قَرَأَ أَبُو عمر الأول مما لا وَالثَّانِي مُفَخَّمًا لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمَامُهُ بِمِنْ فَكَانَتْ أَلِفُهُ فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ أَعْمالُكُمْ «٣» وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ فَكَانَتْ أَلِفُهُ وَاقِعَةً فِي الطَّرَفِ مُعَرَّضَةً لِلْإِمَالَةِ انْتَهَى. وَتَعْلِيلُهُ تَرْكُ إِمَالَةِ أَعْمَى الثَّانِي أَخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ:
لِأَنَّ الْإِمَالَةَ إِنَّمَا تَحْسُنُ في الأواخر، وأَعْمى لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ أَعْمى من كذا
(١) سورة الإسراء: ١٧/ ٩٧.
(٢) سورة طه: ٢٠/ ١٢٥.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ١٣٩ وغيرها.
— 88 —
فَلَيْسَ يَتِمُّ إِلَّا فِي قَوْلِنَا مِنْ كَذَا فَهُوَ إِذَنْ لَيْسَ بِآخِرٍ، وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ عَطْفُ وَأَضَلُّ سَبِيلًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الدُّنْيَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُوَ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهُوَ أَضَلُّ سَبِيلًا وَأَشَدُّ حَيْرَةً وأقرب إلى العذاب، وأَعْمى هُنَا مِنْ عَمَى الْقَلْبِ لَا مِنْ عَمَى الْبَصَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِيهِ التَّفَاضُلُ لَا هَذَا.
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا.
الضَّمِيرُ فِي وَإِنْ كادُوا قِيلَ لِقُرَيْشٍ. وَقِيلَ لِثَقِيفٍ، وَذَكَرُوا أَسْبَابَ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةً وَفِي بَعْضِهَا مَا لَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيُوقَفُ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالتَّحْرِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ إِيتَاءِ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمِنْ عَمَى أَهْلِ الشَّقَاوَةِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا يَهُمُّ بِهِ الْأَشْقِيَاءَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ وَالتَّلْبِيسِ عَلَى سَيِّدِ أَهْلِ السَّعَادَةِ الْمَقْطُوعِ لَهُ بِالْعِصْمَةِ، وَمَعْنَى لَيَفْتِنُونَكَ لَيَخْدَعُونَكَ وَذَلِكَ فِي ظَنِّهِمْ لَا أَنَّهُمْ قَارَبُوا ذَلِكَ إِذْ هُوَ مَعْصُومٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُقَارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، وَتِلْكَ الْمُقَارَبَةُ فِي زَعْمِهِمْ سَبَبُهَا رَجَاؤُهُمْ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ تَبْدِيلِ الْوَعْدِ وَعِيدًا أَوِ الْوَعِيدِ وَعْدًا، وَمَا اقْتَرَحَتْهُ ثَقِيفٌ مِنْ أَنْ يُضِيفَ إِلَى اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ عليه وإِنْ هَذِهِ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلِيَتْهَا الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ وَهِيَ كادُوا لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ وَإِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الْأَفْعَالِ عَلَى النَّوَاسِخِ الَّتِي لِلْإِثْبَاتِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَاللَّامُ فِي لَيَفْتِنُونَكَ هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ إِنْ هَذِهِ وَإِنِ النَّافِيَةِ وَإِذاً حَرْفُ جَوَابٍ وَجَزَاءٍ، وَيُقَدَّرُ قَسَمٌ هُنَا تَكُونُ لَاتَّخَذُوكَ جَوَابًا لَهُ، وَالتَّقْدِيرُ وَاللَّهِ إِذاً أَيْ إِنِ افْتُتِنْتَ وَافْتَرَيْتَ لَاتَّخَذُوكَ ولا اتخذوك فِي مَعْنَى لَيَتَّخِذُونَكَ كَقَوْلِهِ وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا «١» أَيْ لَيَظَلُّنَّ لِأَنَّ إِذاً تَقْتَضِي الِاسْتِقْبَالَ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى جزءا فَيُقَدَّرُ مَوْضِعُهَا بِأَدَاةِ الشَّرْطِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ أَيْ وَلَوِ اتَّبَعْتَ مُرَادَهُمْ لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا
(١) سورة الروم: ٣٠/ ٥١.
— 89 —
وَلَكُنْتَ لَهُمْ وَلِيًّا، وَلَخَرَجْتَ مِنْ وِلَايَتِي انْتَهَى. وَهُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لَا أن لَاتَّخَذُوكَ جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفَةً. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ ولو تَثْبِيتُنَا لَكَ وَعِصْمَتُنَا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ لَقَارَبْتَ أَنْ تَمِيلَ إِلَى خُدَعِهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَهَذَا تَهْيِيجٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ وَفَضْلُ تَثْبِيتٍ، وَفِي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِذَنْ لَوْ قَارَبْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ أَدْنَى رَكْنَةٍ لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أَيْ لَأَذَقْناكَ عَذَابَ الْآخِرَةِ وَعَذَابَ الْقَبْرِ مُضَاعَفَيْنِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامِ؟ قُلْتُ: أَصْلُهُ لَأَذَقْناكَ عَذَابَ الْحَيَاةِ وَعَذَابَ الْمَمَاتِ لِأَنَّ الْعَذَابَ عَذَابَانِ، عَذَابٌ فِي الْمَمَاتِ وَهُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ، وَعَذَابٌ فِي حَيَاةِ الْآخِرَةِ وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ، وَالضِّعْفُ يُوصَفُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ «١» يَعْنِي مُضَاعَفًا، فَكَانَ أَصْلُ الْكَلَامِ لَأَذَقْناكَ عَذَابًا ضِعْفًا فِي الْحَيَاةِ، وَعَذَابًا ضِعْفًا فِي الْمَمَاتِ، ثُمَّ حُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَهُ وَهُوَ الضِّعْفُ، ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِضَافَةَ الْمَوْصُوفِ، فَقِيلَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ كَمَا لو قِيلَ لَأَذَقْناكَ أَلِيمَ الْحَيَاةِ وَأَلِيمَ الْمَمَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِضِعْفِ الْحَيَاةِ عَذَابُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبِضِعْفِ الْمَمَاتِ مَا يَعْقُبُ الْمَوْتَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَالْمَعْنَى لَضَاعَفْنَا لَكَ الْعَذَابَ الْمُعَجَّلَ لِلْعُصَاةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَمَا نُؤَخِّرُهُ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ انْتَهَى.
وَجَوَابُ لَوْلا يَقْتَضِي إِذَا كَانَ مُثْبَتًا امْتِنَاعَهُ لِوُجُودِ مَا قَبْلَهُ، فَمُقَارَبَةُ الرُّكُونِ لَمْ تَقَعْ مِنْهُ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ وَالْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وُجُودُ تَثْبِيتِ اللَّهِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنُ مُصَرِّفٍ: تَرْكَنُ بِضَمِّ الْكَافِ مُضَارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِهَا وَانْتَصَبَ شَيْئاً عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: يُرِيدُ ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ عَذَابِ الْمَمَاتِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ أَذْنَبَ مِنْ عُقُوبَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُنَّا نُضَعِّفُهُ. وَذَهَبَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَقَدْ كَادَ أَنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أَنَّكَ رَكَنْتَ إِلَى قَوْلِهِمْ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ إِلَيْهِ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أَيْ كَادَ النَّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ مَا فَعَلْتَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومًا
، وَلَكِنَّ هَذَا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ لِئَلَّا يَرْكَنَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَرَائِعِهِ انْتَهَى. وَاللَّامُ فِي لَأَذَقْناكَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ إِذاً أَيْ وَاللَّهِ إِنْ حَصَلَ رُكُونٌ لَيَكُونَنَّ كَذَا، وَالْقَوْلُ فِي لَأَذَقْناكَ كَالْقَوْلِ فِي لَاتَّخَذُوكَ مِنْ وُقُوعِ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ الدَّاخِلِ عليه
(١) سورة الأعراف: ٧/ ٣٨.
— 90 —
اللَّامُ وَالنُّونُ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لَاتَّخَذُوكَ ولَأَذَقْناكَ هِيَ لَامُ الْقَسَمِ الْحَوْفِيُّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِي ذِكْرِ الْكَيْدُودَةِ وَتَعْلِيلِهَا مَعَ إِتْبَاعِهَا الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالْعَذَابِ الْمُضَاعَفِ فِي الدَّارَيْنِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الْقَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدَارِ عِظَمِ شَأْنِ فَاعِلِهِ وَارْتِفَاعِ مَنْزِلَتِهِ انْتَهَى. وَمِنْ ذَلِكَ يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ «١» الْآيَةَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِيهِ أَدْنَى مُدَاهَنَةٍ لِلْغُوَاةِ مُضَادَّةٌ لِلَّهِ وَخُرُوجٌ عَنْ وِلَايَتِهِ، وَسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ وَنَكَالِهِ انْتَهَى.
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ».
قَالَ حَضْرَمِيٌّ: الضَّمِيرُ فِي وَإِنْ كادُوا لِيَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَاحِيَتِهَا كَحُيِّي بْنِ أَخْطَبَ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى الْمَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَيْسَتْ بِأَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا أَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ الشَّامُ، وَلَكِنَّكَ تَخَافُ الرُّومَ فَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيَحْمِيكَ كَمَا حَمَى غَيْرَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَنَزَلَتْ
، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهُمْ بَعْدُ إِلَّا قَلِيلًا.
وَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وَعَسْكَرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ أَصْحَابَهُ فَنَزَلَتْ وَرَجَعَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ فِي سِيرَةٍ وَلَا فِي كِتَابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَذُو الْحُلَيْفَةِ لَيْسَ فِي طَرِيقِ الشَّامِ مِنَ الْمَدِينَةِ انْتَهَى.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، وَاسْتِفْزَازُهُمْ هُوَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ إِخْرَاجِهِ مِنْ مَكَّةَ كَمَا ذَهَبُوا إِلَى حَصْرِهِ فِي الشِّعْبِ، وَوَقَعَ اسْتِفْزَازُهُمْ هَذَا بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ وَاتَّبَعُوهُ إِلَى الْغَارِ وَنَفَذَ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدُ فِي أن لم يلبثوا خلفه إِلَّا قَلِيلًا يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ حَاكِيًا أَنَّ اسْتِفْزَازَهُمْ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي دَارِ النَّدْوَةِ مِنْ قَتْلِهِ وَالْأَرْضُ عَلَى هَذَا الدُّنْيَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إِلَى هَذَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ تَعَالَى اسْتِبْقَاءَ قريش وأن لا يستأصلهما أَذِنَ لِرَسُولِهِ فِي الْهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإِذْنِهِ لَا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، وَاسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ لِيُسْلِمَ مِنْهَا وَمِنْ أَعْقَابِهَا مَنْ أَسْلَمَ قَالَ: وَلَوْ أَخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا. ذَهَبَ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَلْبَثُونَ لِجَمِيعِهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيَسْتَفِزُّونَكَ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ رَأْيِكَ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: لَيُزْعِجُونَكَ وَيَسْتَخِفُّونَكَ. وَأَنْشَدَ:
يُطِيعُ سَفِيهَ الْقَوْمِ إِذْ يَسْتَفِزُّهُوَيَعْصِي حَلِيمًا شَيَّبَتْهُ الْهَزَاهِزُ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى مُقَارَبَةِ اسْتِفْزَازِهِ لِأَنْ يُخْرِجُوهُ، فَمَا وَقَعَ الِاسْتِفْزَازُ وَلَا إخراجهم
(١) سورة الأحزاب: ٣٣/ ٣٠.
— 91 —
إِيَّاهُ الْمُعَلَّلُ بِهِ الِاسْتِفْزَازُ، ثُمَّ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ «١» أَيْ أَخْرَجَكَ أَهْلُهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيهَا جَذَعًا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قَالَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ» ؟
الْحَدِيثَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ. لَكِنَّ الْإِخْرَاجَ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ لِلِاسْتِفْزَازِ لَمْ يَقَعْ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَالْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: مَا خَرَجَ بِسَبَبِ إِخْرَاجِهِمْ وَإِنَّمَا خَرَجَ بِأَمْرِ اللَّهِ فَزَالَ التَّنَاقُضُ انْتَهَى.
وَلَا يَلْبَثُونَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَاللَّهِ إِنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ لَا يَلْبَثُونَ وَلِذَلِكَ لَمْ تَعْمَلْ إِذاً لِأَنَّهَا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وَالْفِعْلِ فَلَا يَلْبَثُونَ لَيْسَتْ مُنْصَبَّةً عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْإِعْرَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَا يَلْبَثُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى تقديره، وهم إِذاً لَا يَلْبَثُونَ فَوَقَعَتْ إِذًا بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ فَأُلْغِيَتْ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا بِحَذْفِ النُّونِ أَعْمَلَ إِذًا فَنَصَبَ بِهَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَبِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَهَا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَكَذَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْذُوفَةُ النُّونِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ الْقِرَاءَتَيْنِ؟ قُلْتُ: أَمَّا الشَّائِعَةُ فَقَدْ عَطَفَ فِيهَا الْفِعْلَ عَلَى الْفِعْلِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كَادَ، وَالْفِعْلُ فِي خَبَرِ كَادَ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ فَفِيهَا الْجُمْلَةُ بِرَأْسِهَا الَّتِي هِيَ وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ انْتَهَى. وَقَرَأَ عَطَاءٌ لَا يَلْبَثُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَالْبَاءِ مُشَدَّدَةٍ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ كَسَرَ الْبَاءَ. وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ خِلافَكَ وَبَاقِي السَّبْعَةِ خَلْفَكَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
عَفَتِ الدِّيَارُ خِلَافَهُمْ فَكَأَنَّمَابَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
وَهَذَا كَقَوْلِهِ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ «٢» خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ. وَقَرَأَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: بَعْدَكَ مَكَانَ خَلْفِكَ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لِخَلْفِكَ لَا قِرَاءَةً لِأَنَّهَا لَا تُخَالِفُ سَوَادَ الْمُصْحَفِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ خَلْفَكَ هُنَا لَيْسَتْ ظَرْفَ مَكَانٍ وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِيهَا فَاسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ زَمَانٍ بِمَعْنَى بَعْدَكَ. وَهَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي هِيَ قَبْلُ وَبَعْدُ وَنَحْوُهُمَا اطَّرَدَ إِضَافَتُهَا إِلَى أَسْمَاءِ الْأَعْيَانِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، فِي نَحْوِ خَلْفِكَ أَيْ خَلْفَ إِخْرَاجِكَ، وَجَاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو أَيْ قَبْلَ مَجِيءِ عَمْرٍو، وَضَحِكَ بَكْرٌ بَعْدَ خَالِدٍ أَيْ بَعْدَ ضَحِكِ خَالِدٍ. وَانْتَصَبَ سُنَّةَ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكَّدِ أَيْ سنّ الله سنة،
(١) سورة محمد: ٤٧/ ١٣.
(٢) سورة التوبة: ٩/ ٨١.
— 92 —

البحر المحيط في التفسير

أبو حيان الأندلسي

عرض الكتاب