سورة الأنبياء | الآية ٣١

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

بلاغة القرآن
* في الأنبياء (فِجَاجًا سُبُلًا) وفي نوح (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) : الفِجاج جمع فجّ وهو الطريق بين جبلين والسبيل هو الطريق الواضح. في سورة الأنبياء - الرواسي هي الجبال جعلها الله تعالى وثبّتها في الأرض لكي لا تميد بأهلها أي لا تنحرف وتتحرك وتتزلزل تحت أقدامهم، فالأولى أن يذكر فجاجًا قبل سُبلًا لأن الفجاج تتناسب مع الجبال لأنها الطرق بين الجبال والشبيه يقرّب من الشبيه في اللغة، فالتقديم من أجل التناسق. - لغوياً إذا ذكرت عدة صفات أقدم الأهم، ومع ذكر الجبال هنا ينبغي الحديث عن الفِجاج التي هي عبارة عن طُرُق داخل الجبال ثم وصفها بأنها في ذات الوقت سُبُل ممهّدة لأصحابها رغم أنها في جبال. في سورة نوح - السياق مختلف (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)) قال قبلها (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)) أي ممهدة مذللة، فناسبها تقديم كلمة (سُبُلًا) والسبيل هي طريق ممهدة. - قدم الأهم هنا (سُبُلًا) ووصفها بأن بعضًا منها يكون (فِجَاجًا) بين جبال. - وأيضًا اقتضت الفاصلة القرآنية الرائعة واقتضى التقديم لكلمة بساطًا.
مختصر لمسات بيانية
بلاغة القرآن
آية (31): * ما الفرق بين (جعلنا فى الأرض رواسي)و (ألقينا فيها رواسي) ؟ قال تعالى في سورة ق (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)) وفى سورة الأنبياء (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31))هذا سؤال يجب أن يُوجّه إلى المعنيين بالإعجاز العلمي. لكن الملاحظ أنه تعالى يقول أحياناً ألقينا وأحياناً يقول جعلنا في الكلام عن الجبال بمعنى أن التكوين ليس واحداً وقد درسنا أن بعض الجبال تُلقى إلقاء بالبراكين (جبال بركانية) والزلازل أو قد تأتي بها الأجرام المساوية على شكل كُتل، وهذا يدل والله أعلم على أن هناك أكثر من وسيلة لتكوين الجبال. وكينونة الجبال تختلف عن كينونة الأرض فالجبال ليست نوعاً واحداً ولا تتكون بطريقة واحدة هذا والله أعلم. من آيات الإعجاز العلمي: بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض . وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل ، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقةٍ لزجةٍ نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
* (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا (31) الأنبياء) (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) نوح) ما دلالة التقديم والتأخير؟ وما اللمسة البيانية فيه؟ ( د. محمد صافي المستغانمي) الآية الأولى في سورة الأنبياء (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)) الرواسي هي الجبال جعلها الله تعالى وثبّتها في الأرض لكي لا تميد بأهلها (تميد بمعنى تنحرف وتتحرك) ولا تتزلزل تحت أقدام أهلها. الفِجاج جمع فجّ (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج) الفَجّ هو الطريق بين جبلين والسبيل هو طريق وهي طريق - يقال هذا طريق وهذه طريق ولكن التأنيث أجمل والقرآن استعملها- (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ (108) يوسف). السبيل هو الطريق الواضح والفج هو الطريق بين جبلين وهنا في السياق (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) الأنبياء) الأولى أن يذكر فجاجاً قبل سُبلاً لأن الفجّ هو طريق بين السبيلين والشبيه يقرّب من الشبيه في اللغة وهذه من الكلمات المتصاحبة، الكلمات المتصاحبة في اللغة أن تستعمل كلمة تلك الكلمة تقتضي زميلتها، ونحن نقرأ الشعر العربي نقول أحياناً الشطر الأول يجيزه الثاني، هو يعلم ما يتوقع، توقع في محله من كثرة الكلام الفصيح. وهنا يقول (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا) الفجاج تتناسب مع الجبال، هذه الملاءمة وهي المناسبة وهي التناسق، التقديم من أجل التناسق. بينما في الآية الثانية (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) وردت في سورة نوح ونقرأ سياق السورة ما قبلها وما بعدها، كل آية تمسك بعنق الأخرى وهذا إحكام رباني، سيدنا نوح قال (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴿١٤﴾ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴿١٥﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿١٦﴾ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾) بساطاً ممهدة مذللة، سبلا فجاجاً لأن كلمة السبيل هي طريق ممهدة تناسبها كلمة بساطاً التي سبقت. كثير من علماء التفسير يقولون التقديم والتأخير من أجل مراعاة للفاصلة، صحيح أنه مطلوب ومراعي في القرآن لكن الجانب المعنوي مرعي أكثر، (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)) السبل مقدمة من أجل أن الأرض ممهدة منبسطة وفجاجاً مؤخرة لهذا السبب وللفاصلة القرآنية (نَبَاتًا - إِخْرَاجًا - بِسَاطًا - فِجَاجًا) وهذا هو الإيقاع القرآني. الضابط هو السياق ولا تتحكم الفاصلة وإنما تتحكم بالشعراء الذين تنقصهم الألفاظ أما القرآن الكريم فمنزّه وكلام رب العالمين محكم دقيق، الذي يتحكم هو المعنى ثم تراعى الفاصلة وتكون الكلمة أحسن ما تكون في موقعها. * (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) قال لتسلكوا منها وليس لتسلكوا فيها مع أنه ورد في القرآن الكريم (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ (32) القصص)؟ وما معنى سلك؟ سلك بمعنى أخذ طريقاً له، (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) يعني أدخلها في جيبك، أٌسلك يعني ادخل بين شيئين. (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) من بين سبلها، من بين طُرُقها. أما في سورة النحل جاء فعل اسلك متعدي (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً (69) النحل). الأفعال قد تكون لازمة وقد تكون متعدية سواء يكون التعدي بدون حرف جر ويكون التعدي بحرف من الحروف (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة) بدون حرف جر، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) الشورى) الفعل قد يعدى بحرف وقد يعدى بدون حرف لظروف معينة ولمعاني يقصدها القرآن. (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) علم النحو يقول هذا الكلام، سلك هنا متعد بغير حرف جر وهنا متعد بـ (من) وقد نجد (اسلك في) وهناك كتاب عظيم ضخم اسمه "تعدي الأفعال وتنوع الحروف". هناك من درس الفعل وتعديه في القرآن الكريم والغرض البلاغي منه، هناك كتاب ألفه دكتور مصري أزهري بعنوان "الأفعال وطريقة تعديها في القرآن الكريم" كتاب رائع جداً. والدكتور إبراهيم الشمسان كان له بحث رسالة دكتوراه في هذا الموضوع والذي فتح الباب هو الرماني في حروف المعاني وعلماء كثيرون والزمخشري في كشّافه وعبد القاهر الجرجاني في كتبه كلهم تحدثوا لكن من جمعه وأفرده قليل لكن موجود.. * إذا نظرنا إلى ترتيب (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا) و(لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) هل هما طريقان مختلفان؟ أو صفة؟ ولماذا لم يأت بالعطف والعطف يقتضي المغايرة؟ هل فجاجا وصف للسبل؟ (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) هنا الواضح لغوياً ونحوياً أنها صفة وليس فيها حرف عطف والعطف يفيد المغايرة والأولى أيضاً صفة ومن حق المتكلم البليغ أن يصف بما يشاء. أقول مثلاً "جاء إلى المدرسة محمد الشاعر الخطيب الكاتب"، في هذا السياق يهمني الصفة الأولى من صفات محمد وهي الشاعر، الصفة الأولى (بحسب قاعدة سيبويه العرب يقدمون من الكلام ما هم به أعنى) ثم إنه خطيب ثم إنه كاتب. وفي هذا السياق (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) سبلاً ووصف بأن بعضاً منها يكون فجاجاً بين جبال. في السياق الأول (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ (31) الأنبياء) والجبال من أهم وظائفها تثبيت الكرة الأرضية حتى لا تتزلزل تحت أقدام أهلها. فهنا ينبغي الحديث عن الفِجاج التي هي عبارة عن طُرُق داخل الحبال وهي بذات الوقت سُبُل ممهّدة لأصحابها ونحن بعيدون كل البعد عن العطف وهذا واضح من خلال الآية. * الفجّ طريق له وصف معين والسبيل طريق له وصف معين، فلماذا هذا الرابط؟ وأيهما يصف الآخر؟ هذا يصف هذا وهذا يصف هذا. في الموقع الأول السبيل يصف الفجّ رغم أنها كانت في جبال إلا أنها كانت ممهدة وقد تجد بين الجبال طرقاً. والثاني رغم أنها كانت سبلاً لكن كان بعض منها فجاج بين بعض الجبال، وأيضاً اقتضت الفاصلة القرآنية الرائعة واقتضى التقديم لكلمة بساطاً.
محمد صافي المستغانمي