سورة البقرة | الآية ٢٤٥

عرض السورة
التَّفسير

ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

تفسير المنار
رشيد رضا
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
التفسير القيم
ابن القيم
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ٢٤٥﴾
القتال للدفاع عن الحق أو لحماية لحقيقة يتوقف على بذل المال لتجهيز المقاتلة ولغير ذلك، لا فصل في الحاجة إلى هذا بين البدو والحضر. فإذا كانت مقاتلة القبائل البدوية لا تكلف رئيسها أن يتولى تجهيزها بل يجهز كل واحد نفسه، فكل واحد مطالب ببذل المال لتجهيز نفسه وإعانة من يعجز عن ذلك من فقراء قومه، وأما دول الحضارة فهي تحتاج في الاستعداد للمدافعة والمهاجمة ما لا يحتاج إليه أهل البادية، وقد كثرت نفقات الدول الحربية اليوم بارتقاء الفنون العسكرية، وتوقف الحرب على علوم وفنون وصناعات كثيرة من قصر فيها كان عرضة لسقوط دولته.
لهذا قرن الله تعالى الأمر بالقتال، بالحث على بذل المال، فالمراد بالبذل هنا ما يعين على القتال، وما هو بمعناه من كل ما يعلي شأن الدين، ويصون الأمة ويمنعها من عدوان العادين، ويرفع مكانتها في العالمين.
وقد ذكر حكم هذا الإنفاق في سبيل الله بعبارة تستفز النفوس وأسلوب يحفز الهمم، ويبسط الأكف بالكرم، فقال ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة، والوجه في اختيار هذا الأسلوب هنا على ما قرره الأستاذ الإمام أن الداعية إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس الأكثرين، والرغبة فيه قليلة، إذ ليس فيه من اللذة والأريحية ما في البذل للأفراد، فاحتيج فيه للمبالغة في التأثير.
يدفع الغنيَّ إلى بذل شيء من فضل ماله لأفراد ممن يعيش معهم أمورٌ كثيرةٌ، منها : إزالة ألم النفس برؤية المعوزين والبائسين، ومنها اتقاء حسد الفقراء واكتفاء شر شرارهم والأمن من اعتدائهم، ومنها التلذذ برؤية يده العليا، وبما يتوقعه من ارتفاع المكانة في النفوس، وتعظيم من يبذل لهم وشكرهم وحبهم، فإن السخي محبب إلى جميع الناس من ينتفع منهم بسخائه ومن لا ينتفع، وإذا كان البذل إلى ذوي القربى أو الجيران فحظ النفس فيه أجلى، وشفاء ألم النفس به أقوى، فإن ألم جارك وقريبك ألم لك، ويتعذر على الإنسان أن يكون ناعما بين أهل البؤس والضراء، سعيدا بين الأشقياء، فكل هذه حظوظ للنفس في البذل للأفراد تسهل عليها امتثال أمر الله فيه وإن لم يكن مؤكدا. وقد يكون فيها من الرياء وحب السمعة ما ينافي كونها قربة وتعبدا.
وأما البذل الذي يراد هنا وهو البذل للدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله فليس فيه شيء من تلك الحظوظ التي تسهل على النفس مفارقة محبوبها ( المال ) إلا إذا كان تبرعا جهريا يتولى جمعه بعض الحكام والأمراء أو يجمع بأمر الملوك والسلاطين، ولذلك يقل في الناس من يبذل المال في المصالح العامة لوجه الله تعالى، فلهذا كان المقام يقتضي مزيد التأكيد، والمبالغة في الترغيب. وليس في الكلام ما يدرك شأو هذه الآية في تأثيرها ولاسيما موقعها هذا بعد بيان سنة الله تعالى في موت الأمم وحياتها.
حسبك أنه تعالى جعل هذا البذل بمثابة الإقراض له وهو الغني عن العالمين الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وإنما يقترض المحتاج، وأنه عبر عن طلبه بهذا الضرب من الاستفهام، المستعمل للإكبار والاستعظام، فإنه إنما يقال «من ذا الذي يفعل كذا ؟ » في الأمر الذي يندر أن يقدم عليه أحد. يقال من ذا الذي يتطاول إلى الملك فلان ؟ أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا ؟ إذا كان عظيما أو شاقا يقل من يتصدى له. قال تعالى ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ ( البقرة : ٢٥٥ ) وقال ﴿قل من ذا الذي يعصمكم من الله﴾ ( البقرة : ١٧ ) الآية.
ولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكأس المثلوجة، وهجير الصيف متقد، والسموم تلفح الوجوه ؟ وإنه لم يكتف بتسميته إقراضا وبالتعبير عنه بهذا الاستفهام حتى قال ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾. ذلك أن الإقراض هو أن تعطي إنسانا شيئا من المال على أن يرد إليك مثله، فالتعبير بالإقراض يقتضي أن القرض لا يضيع، وليس هذا بكاف في الترغيب الذي تقتضيه الحال هنا، فصرح بأنه لا يرد مثله، بل أضعاف أضعافه من غير تحديد، وقد قال في مقام آخر ﴿وما أنفقتم من شيء هو يخلفه﴾ ( سبأ : ٣٩ ) وهو كاف هناك لما علمت من الفصل بين المقامين، والتفاوت بين الناس في الحالين، وإنك لتجد الناس على هذا التأكيد في الترغيب قلما يجودون بأموالهم في المصالح العامة ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ( سبأ : ١٣ ).
قال الأستاذ الإمام : معلوم أن الله تعالى غني عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء لذاته، ولا هو عائل لجماعة معينين فيقترض له، فلا بد لهذا التعبير بالإقراض من وجه صحيح أي غير ما يعطيه الأسلوب من الترغيب فما هذا الوجه ؟ ورد في الحديث أن الفقراء عيال الله على الأغنياء(١)، لأن الحاجات التي تعرض لهم يقضيها الأغنياء. ومعنى كونهم عيال الله أن ما أصابهم من الفاقة والعوز إنما كان بالجري على سنن الله في أسباب الفقر، وللفقر أسباب كثيرة منها الضعف والعجز عن الكسب ومنها إخفاق السعي، ومنها البطالة والكسل، ومنها الجهل بالطرق الموصلة، ومنها ما تسوقه الأقدار من نحو حركات الرياح واضطراب البحار واحتباس الأمطار، وكساد التجارة ورخص الأسعار. والأغنياء متمكنون من إزالة بعض هذه الأسباب أو تدارك ضررها وإضعاف أثرها، كإزالة البطالة بإحداث أعمال ومصالح للفقراء، وإزالة الجهل بالإنفاق على التعليم والتربية تعليم طرق الكسب والتربية على العمل والاستقامة والصدق. وإذا كان فقر الفقير إنما هو بالجري على سنة من سنن الله فإزالة سبب فقره أو مساعدته عليه أو فيه إنما يجري على سنة من سننه تعالى أيضا كما أن غنى الغني كذلك. فالإنفاق لإحياء سنة الله ومساعدة من ينتسبون إلى الله تعالى على أنهم عياله ؛ إذ لا غنى لهم بكسبهم ولا حول لهم ولا قوة، ينزل منزلة الإقراض له تعالى، فالفقراء عيال والله يعولهم بأيدي الأغنياء، ويعول الأغنياء بتوفيقهم لأسباب الغنى.
( أقول ) : هكذا وجه العبارة رحمه الله تعالى بعد أن قال : إن البحث على الإنفاق في هذه الآية يراد به الإنفاق في المصلحة العامة لا مواساة الفقير، فكأنه أراد أن يبين صحة التعبير في نفسه حيثما ورد وإن استعمل في مقام آخر كقوله تعالى في سورة التغابن ﴿إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم﴾ ( التغابن : ١٧ ) ودخل فيما ذكره بعض المصالح العامة وهو ينطبق على سائرها، فإن القتال لحماية الدين وتأمين دعوته وللدفاع عن الأنفس والبلاد هو من سنن الله تعالى في الاجتماع البشري، فالإنفاق فيه يصح أن يسمى إقراضا لله تعالى باعتبار إقامة سنته به على وجه الحق الذي يرضيه جل شأنه. وقد كنت أزيد مثل هذا البحث فيما أكتبه وأسنده إليه في حياته اعتمادا على إجازته مع كونه مما يقتضيه قوله.
ثم قال روح الله روحه ما مثاله : والتعبير عن الإنفاق بالإقراض الذي يشعر بحاجة المستقرض إلى المقرض عادة جدير بأن يملك قلب المؤمن ويحيط بشعوره ويستغرق وجدانه حتى يسهل عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياء منه، فكيف وقد وعد برده مضاعفا أضعافا كثيرة ووعد الحق ؟ هذا التعبير بمثابة الهز والزلزال لقلوب المؤمنين، فقلب لا يلين له ويدفع به إلى البذل قلب لم يمسه الإيمان ولم تصبه نفحة من نفحات الرحمن. قلب خاو من الخير. فائض بالخبث والشر. أي لطف من عظيم يداني هذا اللطف من الله تعالى بعباده ؟ جبار السموات والأرض رب كل شيء ومليكه الغني عن العالمين الفعال لما يريد، المقلب لقلوب العبيد، يرشد عباده الذين أنعم عليهم بفضل من المال واختصهم بشيء من النعمة، إلى مواساة إخوانهم بما فيه سعادة لهم أنفسهم ولمن يعيش معهم، ويهديهم إلى بذل شيء من فضول أموالهم في المصالح العامة التي فيها صلاح حالهم، وحفظ شرفهم واستقلالهم، فيبرز هذا الهدي والإرشاد في صورة الاستفهام، دون صيغة الأمر والإلزام، ويسمي نفسه مقترضا ليشعر قلب الغني بمعنى الحاجة التي ربما تصيبه يوما من الأيام، ثم هو يعده، بمضاعفة ذلك العطاء أيكون هذا اللطف كله منه بعبده الذي غمره بنعمته، وفضله على كثير من خلقه، ثم يجمد قلب هذا العبد وتنقبض يده لا يستحي من ربه، ولا يثق بوعده، ويقال مع هذا إنه مؤمن به، وبأن ما أصابه من الخير فهو من عنده ؟ كلا. مثل في نفسك ملكا من ملوك الدنيا يريد أن يجمع إعانة للفقراء أو لمصلحة من مصالح الدولة، وقد خاطبك بمثل هذا الخطاب، في التلطف والاستعطاف، ومثل في خيالك موقع قوله من قلبك، وأثر كلامه في يديك.
أما كون القرض حسنا فالمراد به ما حل محله ووافق المصلحة، لا ما وضع موضع الفخفخة وقصد به الرياء والسمعة، نعم إن ما أنفق في المصالح العامة حسن وإن أريد به الشهرة، ولكنه لا يكون دالا على إيمان المنفق وثقته بربه، وابتغائه مرضاته. ولا على حبه الخير لذاته، لارتقاء نفسه، وعلو همته، بما استفاد من فضائل الدين وحسن التهذيب، فلا يكون له حظ من نفقته يقربه إلى ربه زلفى بل يكون كل جزائه تلك السمعة الحسنة ( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (٢). ومن الناس من ينفق في المصالح بنية حسنة ولكن بغير بصيرة تريه مواطن النفقة بنفقته، فيبني مسجدا حيث تكثر المساجد فيكون سببا في زيادة تفرق الجماعة وذلك لحكمة الشرع، أو يبني مدرسة ولا يحسن اختيار المعلمين لها، أو يفرض لها من النفقة ما لا يكفي لدوامها، فيسرع إليها الخراب، أو يضع فيها معلمين فاسدي الاعتقاد أو الآداب، فيفسدون ولا يصلحون، فمثل هذا كله لا يقال له قرض حسن، وإنما يكون الإنفاق قرضا حسنا مستحقا للمضاعفة الكثيرة، إذا وضع موضعه مع البصيرة وحسن النية، ليكون على الوجه المشروع من إقامة الدين وحفظ مصالح المسلمين. أو منفعة جميع الأنام، من الطريق الذي أشرعه الإسلام.
وأما هذه المضاعفة إلى أضعاف كثيرة وسيأتي في آية أخرى بلوغها سبعمائة ضعف والمراد الكثرة فهي تكون في الدنيا والآخرة. ذلك بأن المراد بأن المنفق لإعلاء كلمة الله ولتعزيز الأمة وللمدافعة عن الحق والحقيقة، يكون مدافعا عن نفسه ومعززا لها وحافظا لحقوقها، لأن اعتداء المعتدين على الأمة إنما يكون بالاعتداء على أفرادها، فضعف الأمة وإذلالها وضياع حقوقها لا يتحقق إلا بما يقع على أفرادها وهو منهم، والبلاء يكون عاما ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ( الأنفال : ٢٥ ) ثم إن الأمة التي يبذل أغنياؤها المال، وتقوم بفريضة التعاون على الأعمال، فيكفل غنيها فقيرها، ويحمي قويها ضعيفها، تتسع دائرة مصالحها ومنافعها، وتكثر مرافقها وتتوفر سعادتها، وتدوم على أفرادها النعمة، ما استقاموا على البذل والتعاون في المصالح العامة، ثم إنهم يكونون بذلك مستحقين لسعادة الآخرة ومضاعفة الثواب فيها.
( وأقول ) : لو سرنا في الأرض وسبرنا أحوال الأمم الحاضرة، وعرفنا تاريخ الأمم الغابرة، لرأينا كيف ماتت الأمم التي قصرت في هذه الفريضة أو استعبدت، وكيف عزت الأمم التي شمرت فيها وسعدت، وهذه المضاعفة الدنيوية، تكون لكل أمة أقامت هذه السنة الإلهية في حفظ بيضتها، وإعزاز سلطانها، سواء أكان المنفقون فيها يبتغون الأجر عند الله تعالى أم لا، وإن
١ هكذا قال الإمام وهو يشير إلى الحديث المتداول (الفقراء عيال الله وأحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله) وقد رواه أبو يعلي في مسنده والبزار من حديث أنس والطبراني من حديث ابن مسعود بلفظ (الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) كذا من كنز العمال. وقال الجلال في الأحاديث المشهورة رواه البيهقي في الشعب وأبو يعلي من حديث أنس وسنده ضعيف وابن عدي من حديث ابن مسعود. أقول ورواه الخطيب عن ابن عباس بلفظ "فأحب الناس إلى الله تعالى من أحسن إلى عياله ـ والديلمي عن أبي هريرة بزيادة ـ وأبغض الخلق إلى الله من ضيق على عياله وتقرير الأستاذ الإمام يتفق مع الرواية كما هو ظاهر على أن للفظة أصلا في هذا المقام وهو ما رواه ابن جرير عن علي كرم الله وجهه: مات غنيان وفقيران فقال الله تبارك وتعالى لأحد الغنيين ما قدمت لنفسك وما تركت لعيالك ؟ فيقول يا رب خلقتني وإياهم سواء، تكلفت برزق كل دابة وقلت ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعف له﴾ وعلمت إنك ترزق عيالي من بعدي، فيقول اذهب فلو تعلم ما لك عندي لضحكت كثيرا ولبكيت قليلا الخ. (المؤلف)..
٢ لفظ الحديث: (إن كانت هجرته إلى دنيا أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) أخرجي البخاري في بدء الوحي باب ١، والإيمان باب ٤١، ومناقب الأنصار باب ٤٥، والنكاح باب ٥، والإيمان باب ٢٣، والحيل باب ١، ومسلم في الإمارة حديث ١٥٥، وأبو داود في الطلاق باب ١١، الترمذي في فضائل الجهاد باب ١٦، والنسائي في الطهارة باب ٥٩، والطلاق باب ٢٤، والإيمان باب ١٩، وابن ماجه في الزهد باب ٢٦، وأحمد في المسند ١/٢٥، ٤٣..

تفسير المنار

رشيد رضا

عرض الكتاب