عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ مَلَكًا بباب من أبواب السماء يقول: مَن يُقْرِضِ اللهَ اليومَ يُجْزَ غدًا. ومَلَكٌ بباب آخَر يُنادي: اللَّهُمَّ، أعْطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا. ومَلَكٌ بباب آخَر يُنادي: يا أيُّها الناس، هَلُمُّوا إلى ربكم، ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثُر وأَلْهى. ومَلَكٌ بباب آخَر يُنادِي: يا بني آدم، لِدُوا للموتِ، وابْنُوا للخرابِ»١
٢
عن ابن عُيَيْنَة، عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء، قال: إنّ الله أعطاكم الدنيا قَرْضًا، وسَألَكُمُوها قرْضًا، فإن أعطيتموها طَيِّبةً بها أنفسُكم ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمائة، إلى أكثر من ذلك، وإن أخذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتم وأحسنتم؛ كانت لكم الصلاةُ والرحمةُ، وأوجب لكم الهُدى١
٣
عن أنس، قال: غَلا السِّعْرُ، فقال الناس: يا رسول الله، سَعِّرْ لنا. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله هو المُسَعِّرُ القابضُ الباسِطُ الرازقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطالِبُني بمَظْلِمَةٍ من دم ولا مال»١
٤
عن أبي هريرة، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، سعِّرْ. قال: «بل أدْعُو». ثم جاءه رجلٌ، فقال: يا رسول الله، سعِّرْ. فقال: «بل الله يخفضُ ويرفعُ، وإنِّي لأرجو أن ألْقى اللهَ وليس لأحد عندي مَظْلِمَةٌ»١
٥
عن علي، قال: قيل: يا رسول الله، قَوِّمْ لنا السِّعرَ. قال: «إنّ غَلاءَ السِّعْرِ ورُخْصَه بِيَدِ الله، أريد أن ألْقى ربي وليس أحدٌ يطلُبُني بمَظْلِمَةٍ ظَلَمتُها إيّاه»١٢
تفسير
١٦ قولًا
١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَطَر الوَرّاق- في قوله: ﴿والله يقبض﴾ قال: يقبض الصدقة، ﴿ويبسط﴾١
٢
عن مقاتل بن سليمان: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسطُ﴾، يعني: يُقَتِّر، ويُوَسِّع١
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في الآية، قال: عَلِم اللهُ أنّ فيمَن يُقاتل في سبيله مَن لا يجد قُوَّة، وفيمن لا يقاتل في سبيله مَن يجد غِنًى، فندب هؤلاء إلى القَرْض؛ فقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط﴾. قال: يَبْسُطُ عليك وأنت ثقيلٌ عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يَطِيبُ نفسًا بالخروج ويَخِفُّ له، فقَوِّه مِمّا في يدك يَكُن لك في ذلك حَظٌّ١٢
٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإليه ترجعون﴾، قال: من التراب خَلَقهم، وإلى التراب يعودون١
٥
عن مقاتل بن سليمان: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيكم بأعمالكم١
٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: يستقرضكم ربُّكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد، ويستقرض عباده!١
٧
عن زيد بن أسلم -من طريق عبد العزيز بن محمد- في قوله: ﴿قرضا حسنا﴾، قال: النَّفقة على الأهل١
٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾، قال: هذا في سبيل الله١٢
٩
عن أبي حيّان، عن أبيه، عن شيخ لهم، أنّه كان إذا سمع السائل يقول: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾؛ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا القرض الحسنُ١
١٠
عن قتادة، قال: ذُكِر لنا: أنّ رجلًا على عهد النبي ﷺ لَمّا سَمِع هذه الآية قال: أنا أُقْرِضُ الله. فعمد إلى خيرِ ماله، فتصدَّق به١
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ طيبةً بها نفسه، مُحْتَسِبًا١
عن ابن عمر، قال: لَمّا نزلت: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة:٢٦١] إلى آخرها. قال رسول الله ﷺ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي». فنزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾. قال: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي». فنزلت: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:١٠]١
٢
عن سفيان، قال: لَمّا نزلت: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام:١٦٠]. قال: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي». فنزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ الآية. قال: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي». فنزلت: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ الآية [البقرة:٢٦١]. قال: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي». فنزلت: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:١٠] فانتهى١
٣
عن ابن مسعود، قال: لَمّا نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له﴾، قال أبو الدَّحْداحِ الأنصاري: يا رسول الله، وإنّ اللهَ لَيُرِيدُ مِنّا القرض؟! قال: «نعم، يا أبا الدَّحْداح». قال: أرِني يدَك، يا رسول الله. فناوله يدَه. قال: فإنِّي أقْرَضتُ ربِّي حائطي. وحائطٌ له فيه ستمائة نخلة، وأمُّ الدحداح فيه وعيالُها، فجاء أبو الدَّحْداح، فناداها: يا أُمَّ الدحداح. قالت: لبيكَ. قال: اخرجي؛ فقد أقرضتُه ربي عز و جل١
٤
عن زيد بن أسلم، قال: لَمّا نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ الآية؛ جاء ابن الدَّحْداحَة إلى النبي ﷺ، فقال: يا نبيَّ الله، ألا أرى ربَّنا يستقرضنا مِمّا أعطانا لأنفسنا، وإنّ لي أرْضَيْن؛ إحداهما بالعالية، والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلتُ خيرَهما صدقةً. وكان النبي ﷺ يقول: «كَم مِن عِذْق١ مُذَلَّل لابن الدَّحْداحَةِ في الجنة!»٢
عن أبي هريرة -من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وعن الأعرج- قال: لَمّا نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ قال ابنُ الدَّحْداح: يا رسول الله، لي حائطان؛ أحدهما بالسافِلة، والآخر بالعالِية، وقد أقرضتُ ربي أحدَهما. فقال النبي ﷺ: «قد قَبِله منك». فأعطاه النبيُّ ﷺ اليتامى الذين في حجره، فكان النبيُّ ﷺ يقول: «رُبَّ عِذْقٍ لابن الدَّحْداحِ مُدَلًّى في الجنة»١
٧
عن عبد الله بن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ الآية في ثابت بن الدَّحْداحَةِ حين تَصَدَّق بماله١
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أتَتِ اليهودُ محمدًا ﷺ حين أنزل الله إليه: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾. فقالوا: يا محمد، افتَقَرَ ربُّك؟! يسأل عباده؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ [آل عمران:١٨٢]١
٩
عن يحيى بن أبي كثير، قال: لَمّا نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ قال رسول الله ﷺ: «يا أهل الإسلام، أقْرِضوا الله من أموالكم يضاعفه لكم أضعافًا كثيرة». فقال له ابن الدَّحْداحَة: يا رسول الله، لي مالان؛ مالٌ بالعالية، ومال في بني ظَفَر، فابْعَثْ خارِصَك فلْيَقْبِضْ خيرَهما. فقال رسول الله ﷺ لفَرْوةَ بن عمرو: «انطَلِقْ، فانظر خيرَهما فدعْهُ، واقبض الآخر». فانطلق، فأخبره، فقال: ما كنتُ لِأُقْرِضَ ربي شرَّ ما أملك، ولكن أُقْرِضُ ربي خير ما أملك، إنِّي لا أخاف فقر الدنيا. فقال رسول الله ﷺ: «يا رُبَّ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لابن الدَّحْداحَة في الجنة»١
١٠
عن الشعبي، قال: استقرض رسول الله ﷺ من رجل تمرًا فلم يُقْرِضْه، وقال: لو كان هذا نبيًّا لم يَسْتَقْرِض. فأرسل إلى أبي الدَّحْداح فاستَقْرَضه، فقال: واللهِ، لَأنتَ أحقُّ بي وبمالي وولدي من نفسي، وإنّما هو مالُك، فخُذْ منه ما شئتَ، واترك لنا ما شئتَ. فلما تُوُفِّي ابنُ الدحداح قال رسول الله ﷺ: «رُبَّ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لابن الدَّحْداح في الجنة»١
١١
قال الحسن البصري: كان المشركون يَخْلِطون أموالهم بالحرام، حتى جاء الإسلام، فنزلت هذه الآية، فأُمِروا أن يتصدقوا من الحلال. ولَمّا نزلت قالت اليهود: هذا ربكم يستقرضكم، وإنما يستقرض الفقير؛ فهو فقير ونحن أغنياء. فأنزل الله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ [آل عمران:١٨١]١
١٢
عن سعيد بن أبي هلال، قال: بلَغَنِي: أنّ الله لما أنزل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ قال المنافقون: استقرض الغنيُّ من الفقير! إنما يستقرض الفقيرُ من الغني. فأنزل الله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ [آل عمران:١٨١]١
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾... نزلت فى أبي الدَّحْداح -اسمه: عمر بن الدَّحْداح الأَنصارِيّ- وذلك أنّ النبي ﷺ قال: «مَن تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة». قال أبو الدَّحْداح: إن تصدقتُ بحديقتي فلي مثلُها في الجنة؟ قال: «نعم». قال: وأُمُّ الدحداح معي؟ قال: «نعم». قال: والصِّبْيَة. قال: «نعم». وكان له حديقتان، فتصدق بأفضلهما -واسمها: الجُنَيْنَة-، فضاعف الله عز وجل صدقتَه ألفي ألف ضِعف، فذلك قوله عز وجل: ﴿أضعافا كثيرة﴾... فرجع أبو الدَّحْداح إلى حديقته، فوجد أُمَّ الدَّحْداح والصِّبْيَةَ في الحديقة التي جعلها صدقة، فقام على باب الحديقة، وتحَرَّج أن يدخلها، وقال: يا أُمَّ الدَّحْداح. قالت له: لَبَّيْك، يا أبا الدَّحْداح. قال: إنِّي قد جعلتُ حديقتي هذه صدقةً، واشترطتُ مثلها في الجنة، وأمُّ الدحداح معي، والصِّبْيَةُ معي. قالت: بارك الله لك فيما اشتريتَ. فخرجوا منها، وسلَّم الحديقة إلى النبي ﷺ، فقال: «كم مِن نخلة مُدَلًّى عُذُوقُها لأبي الدَّحْداح في الجنة، لَوِ اجتمع على عِذْق منها أهل مِنى أن يُقِلُّوه١ ما أقَلُّوه»٢
تفسير الآية
٨ أقوال
١
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، قال: «ألْفَيْ ألْف ضعف»١
٢
عن أبي عثمان النَّهْدِيّ، قال: بَلَغَنِي عن أبي هريرة حديث أنه قال: إنَّ الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فحججتُ ذلك العام، ولم أكن أريد أن أحُجَّ إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقِيتُ أبا هريرة، فقلتُ له، فقال: ليس هذا قلتُ، ولم يحفظ الذي حَدَّثك، إنما قلتُ: إن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألْفَيْ ألف حسنة. ثم قال أبو هريرة: أو ليس تجدون هذا في كتاب الله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، فالكثيرة عند الله أكثر من ألفِ ألفٍ وألْفَي ألفٍ، والذي نفسي بيده لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يضاعفُ الحسنةَ ألْفَيْ ألفِ حسنة»١
٣
عن كعب، أنّ رجلًا قال له: سمعتُ رجلًا يقول: مَن قرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ مَرَّة واحدة بنى الله له عشرة آلافِ ألفِ غُرْفَةٍ مِن دُرٍّ وياقوت في الجنة. أفأُصَدِّقُ بذلك؟ قال: نعم، أوَعَجِبْتَ من ذلك؟! وعشرين ألفَ ألفٍ، وثلاثين ألفَ ألفٍ، وما لا يُحْصى. ثم قرأ: ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، فالكثير من الله ما لا يُحْصى١
٤
عن الحسن البصري -من طريق مُحْرِز بن عمرو- قال: إنّ الله -وله الحمد، لا شريك له- رَفَع عن هذه الأمةِ الخطأَ، والنسيان، وما اسْتُكْرِهوا عليه، وما لا يُطِيقون، وأَحَلَّ لهم في حال الضرورة كثيرًا مِمّا حُرِّم عليهم، وأعطاهم خمسًا: أعطاهم الدنيا قَرْضًا، وسألهم إياها قرضًا، فما أعطوه عن طيب نفس منهم فلهم به الأضعاف الكثيرة، من العشرة إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يعلم علمَه إلا اللهُ تبارك وتعالى، وذلك قوله عز وجل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾...١
٥
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، قال: هذا التَّضْعيفُ لا يعلمُ أحدٌ ما هو١٢
قال مقاتل بن سليمان:... وكان له [أي: لأبي الدَّحْداح] حديقتان، فتصَدَّق بأفضلهما -واسمها: الجُنَيْنَة-، فضاعف الله عز وجل صدقتَه ألْفَيْ ألفِ ضِعْفٍ، فذلك قوله عز وجل: ﴿أضعافا كثيرة﴾١
٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، قال: بالواحد سبعمئة ضعف١