سورة الأنبياء | الآية ٤٣

عرض السورة
التَّفسير

ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
«فتبهتهم» أى: فتدهشهم وتحيرهم، والبهت: الانقطاع والحيرة.
«فلا يستطيعون ردها» أى: فلا يستطيعون دفع الساعة أوردها عنهم وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أى: ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة.
ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة بتسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم عما أصابه من هؤلاء المشركين، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ. ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
أى: ولقد استهزئ- أيها الرسول الكريم- برسل كثيرين من قبلك، فنزل بهؤلاء المشركين المستهزئين برسلهم، العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا، ويستعجلون رسلهم في نزوله.
وصدرت الآية الكريمة بلام القسم وقد، لزيادة تحقيق مضمونها وتأكيده، وتنوين الرسل:
للتفخيم والتكثير، أى: والله لقد استهزئ برسل كثيرين ذوى شأن خطير كائنين في زمان قبل زمانك.
وعبر- سبحانه- بالفعل حاق، لأن هذه المادة تستعمل في إحاطة المكروه، فلا يقال:
فلان حاق به الخير، ولأنها تدل على الشمول واللزوم.
أى: فنزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا نزولا شاملا، أحاط بهم من كل جهة إحاطة تامة.
وبذلك تكون الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من سنن الله- تعالى- في خلقه، وحكت بعض الأفعال القبيحة التي كان المشركون يفعلونها مع النبي صلّى الله عليه وسلّم وهددتهم عليها تهديدا شديدا، وسلّت النبي صلّى الله عليه وسلّم عما ارتكبوه في حقه.
ثم أمر- سبحانه- رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يذكّر هؤلاء الجاحدين بنعمه- تعالى- وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا في كفرهم، فقال- عز وجل-:

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٧]

قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦)
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
— 212 —
وقوله- تعالى-: يَكْلَؤُكُمْ أى: يرعاكم ويحفظكم. يقال: فلان كلأ فلانا كلأ وكلاءة- بالكسر- إذا حرسه، واكتلأ فلان من غيره، إذا احترس منه.
والاستفهام للإنكار والتقريع.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك: قل لهم من الذي يحرسكم ويحفظكم «بالليل» وأنتم نائمون «والنهار» وأنتم متيقظون «من الرحمن» أى: من عذاب الرحمن وبأسه إذا أراد أن يهلككم بسبب عكوفكم على كفركم وشرككم.
وتقديم الليل على النهار، لما أن الدواهي فيه أكثر، والأخذ فيه أشد، واختار- سبحانه- لفظ الرحمن، للإشعار بأنهم يعيشون في خيره ورحمته. ومع ذلك لا يشكرونه- تعالى- على نعمه.
ولذا- أخبر- سبحانه- عنهم بقوله: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أى: بل هم بعد كل هذا الإنكار عليهم، والتنبيه لهم عن ذكر ربهم وكتابه الذي أنزله لهدايتهم، معرضون شاردون، لا يحاولون الانتفاع بتوجيهاته، ولا يستمعون إلى إرشاداته.
— 213 —
فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول صلّى الله عليه وسلّم إليهم من هدايات وعظات.
ثم وجه- سبحانه- إليهم سؤالا آخر فقال: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا.. ؟.
وأَمْ هنا هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، فهي مشتملة على معنى الإضراب والإنكار.
والمعنى: وسلهم- أيها الرسول الكريم- مرة أخرى: ألهؤلاء الجاحدين آلهة أخرى تستطيع أن تحرسهم وترعاهم سوانا نحن؟ كلا لبس لهم ذلك.
فالجملة الكريمة إضراب عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم على جهالاتهم بسبب اعتمادهم على آلهة لا تنفع ولا تضر.
وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ نفى على أبلغ وجه لأن تكون هناك آلهة ترعاهم سوى الله- تعالى- أى: كلا.. ليس لهم آلهة تمنعهم من عذابنا إن أردنا إنزاله بهم، فإن هؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن نصر غيرهم، ولا هم منا يصحبون، أى: يجارون ويمنعون من نزول الضر بهم.
قال ابن جرير: «وقوله يُصْحَبُونَ بمعنى يجارون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان. بمعنى أجيرك وأمنعك منه. وهؤلاء إذا لم يصحبوا بالجوار، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله، مع سخط الله عليهم، فلم يصحبوا بخير ولن ينصروا «١».
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله عليهم لم يحسنوا شكرها، فقال- تعالى-: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ...
أى: لا تلتفت- أيها الرسول الكريم- إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع، فإننا قد كلأناهم برعايتنا بالليل والنهار، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا، حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على الكفر. وسنأخذهم في الوقت الذي نريده أخذ عزيز مقتدر، فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم.
ثم يلفت- سبحانه- أنظارهم إلى الواقع المشاهد في هذه الحياة فيقول: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ.
(١) تفسير ابن جرير ج ١٧ ص ٢٣.
— 214 —
وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها: أن المراد بنقص الأرض من أطرافها:
إهلاك المشركين السابقين الذين كذبوا رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وهم يمرون على قرى بعض هؤلاء المكذبين، ويرون آثارهم وقد دمرت ديارهم.
والمعنى: أفلا ينظر هؤلاء المشركون الذين كذبوك يا محمد، فيرون بأعينهم ما حل بأمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلك. وكيف أننا طوينا الأرض بهم. وجعلناهم أثرا بعد عين.
والاستفهام في قوله: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ للإنكار.
أى: لم تكن الغلبة والعاقبة في يوم من الأيام لمن كذبوا رسل الله- تعالى- وإنما الغلبة والظفر وحسن العاقبة لمن آمن بالرسل وصدقهم واتبع ما جاءوا به من عند ربهم.
وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى بقوله: «أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين. ولهذا قال: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ.
يعنى: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون «١»
.
ومنها أن المراد بنقص الأرض من أطرافها: نقص أرض الكفر ودار الحرب، وتسليط المسلمين عليها وانتزاعها من أيديهم بدليل الاستفهام الإنكارى في قوله أَفَهُمُ الْغالِبُونَ أى: لا.. ليسوا هم الذين يغلبون جندنا، وإنما جندنا هم الغالبون.
وقد صدر الآلوسى تفسيره لهذا القول فقال: «أفلا يرون أنا تأتى الأرض» أى: أرض الكفرة «ننقصها من أطرافها» بتسليط المسلمين عليها، وحوز ما يحوزونه منها، ونظمه في سلك ملكهم.. «أفهم الغالبون» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين.
والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة بتسليط المؤمنين عليها، كأنه قيل: أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم، وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون فيها «٢».
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أى فائدة في قوله نَأْتِي الْأَرْضَ؟.
قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت
(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ٣٣٨.
(٢) تفسير الآلوسى ج ١٧ ص ٥٣. [.....]
— 215 —
تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها «١».
وهذان الرأيان مع وجاهتهما، إلا أن الرأى الأول الذي ذهب إليه ابن كثير أكثر شمولا، لأنه يتناول ما أصاب المكذبين للرسل السابقين من عقاب كما يشمل التهديد للمكذبين المعاصرين للعهد النبوي، بأنهم إذا استمروا في طغيانهم فسيحل بهم ما حل بمن سبقوهم.
وهناك من يرى أن المراد بنقص الأرض من أطرافها: موت العلماء، أو خرابها عند موت أهلها، أو نقص الأنفس والثمرات.. ولكن هذه الآراء ليس معها ما يرجحها.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يوجه إلى هؤلاء المشركين إنذارا حاسما، فقال- تعالى-: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ...
أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنى بعد أن بينت لكم ما بينت من هدايات وإرشادات أنذركم عن طريق الوحى الصادق، بأن الساعة آتية لا ريب فيها، فلا تستعجلوا ذلك فكل آت قريب، وسترون فيها ما ترون من أهوال وعذاب.
وقوله وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ توبيخ لهم وتجهيل.
أى: ولا يسمع الصم دعاء من يدعوهم إلى ما ينفعهم، ولا يلتفتون إلى إنذار من ينذرهم وذلك لكمال جهلهم، وشدة عنادهم، وانطماس بصائرهم.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما ينزل بهم شيء من العذاب فقال: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.
أى: ولئن أصاب هؤلاء المشركين شيء قليل من عذاب ربك يا محمد. ليقولن على سبيل التفجع والتحسر وإظهار الخضوع: يا ويلنا- أى يا هلاكنا- إنا كنا ظالمين، ولذلك نزل بنا هذا العذاب، وفي هذا التعبير ألوان من المبالغات منها: ذكر المس الذي يكفى في تحققه إيصال ما، ومنها: ما في النفح من النزارة والقلة، يقال: نفح فلان فلانا نفحة، إذا أعطاه شيئا قليلا ومنها. البناء الدال على المرة والواحدة كما يفيد ذلك التعبير بالنفحة. أى: نفحة واحدة من عذاب ربك، والمقصود من الآية الكريمة بيان سرعة تأثر هؤلاء المشركين، بأقل شيء من العذاب الذي كانوا يستعجلونه، وأنهم إذا ما نزل بهم شيء منه، أصيبوا بالهلع والجزع، وتنادوا بالويل والثبور والاعتراف بالظلم وتجاوز الحدود.
ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال: وَنَضَعُ
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٢٠.
— 216 —
الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً...
أى: ونحضر الموازين العادلة لمحاسبة الناس على أعمالهم يوم القيامة ولإعطاء كل واحد منهم ما يستحقه من ثواب أو عقاب، دون أن يظلم ربك أحدا من خلقه.
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ أى: وإن كانت الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا في نهاية الحقارة والقلة، أتينا بها في صحيفة عمله لتوزن، وكفى بنا عادّين ومحصين على الناس أعمالهم، إذ لا يخفى علينا شيء منها سواء أكان قليلا أم كثيرا.
قال ابن كثير: قوله: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الأكثر على أنه ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه «١».
وقال القرطبي: «الموازين: جمع ميزان، فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله.. وقيل: ذكر الميزان مثل وليس ثمّ ميزان وإنما هو العدل، والذي وردت به الأخبار، وعليه السواد الأعظم القول الأول. و «القسط» صفة الموازين ووحد لأنه مصدر.. «٢».
واللام في قوله لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قيل للتوقيت. أى للدلالة على الوقت، كقولهم: جاء فلان لخمس ليال بقين من الشهر. وقيل هي لام كي، أى: لأجل يوم القيامة، أو بمعنى في أى: في يوم القيامة.
وقوله- سبحانه- فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً بيان للعدل الإلهى، وأنه- سبحانه- لا يظلم أحدا شيئا مما له أو عليه، أى: فلا تظلم نفس شيئا من الظلم لا قليلا ولا كثيرا.
وقوله وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها تصوير لدقة الحساب، وعدم مغادرته لشيء من أعمال الناس، إذ الخردل حب في غاية الصغر والدقة. ومثقال الشيء: وزنه.
وأنث الضمير في قوله «بها» وهو راجع إلى المضاف الذي هو «مثقال» وهو مذكر.
لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذي هو «حبة من خردل».
وقوله- سبحانه-: وَكَفى بِنا حاسِبِينَ بيان لإحاطة الله- تعالى-: بعلم كل شيء. كما قال- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ «٣».
(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ٣٣٩.
(٢) تفسير القرطبي ج ١١ ص ٢٩٤.
(٣) سورة آل عمران الآية ٥.
— 217 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب