سورة الحج | الآية ٤٠

عرض السورة
التَّفسير

ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

تفسير الشعراوي
الشعراوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع(١) وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ( ٤٠ )﴾ :
فلو أنهم أخرجوا بحق كأن فعلوا شيئا يستدعي إخراجهم من ديارهم، كأن خدشوا الحياء، أو هددوا الأمن، أو أجرموا، أو خرجوا على قوانين قبائلهم لكان إخراجهم بحق.
إنما الواقع أنهم ما فعلوا شيئا، وليس لهم ذنب ﴿إلا أن يقولوا ربنا الله.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : هذه المقولة اعتبرها القوم ذنبا وجريمة تستحق أن يخرجوهم بها من ديارهم.
كما قال سبحانه في أهل الأخدود :﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ( ٨ )﴾
[ البروج ].
وفي آية أخرى :﴿هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله.. ( ٥٩ )﴾ [ المائدة ].
وفي قصة لوط عليه السلام :﴿قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ( ٥٦ )﴾ [ النمل ].
إذن : أخرجوهم، لا لأنهم أهل نجاسة ومعصية، إنما لأنهم أناس يتطهرون، فالطهارة والعفة جريمتهم التي يخرجون من أجلها، كما تقول : لا عيب في فلان إلا أنه كريم، أو تقول : لا كرامة في فلان إلا أنه لص. فهذه- إذن- صفة لا تمدح، وتلك صفة لا تذم.
لقد قلب هؤلاء الموازين، وخالفوا الطبيعة السوية بهذه الأحكام الفاسدة التي تدل على فساد الطباع، وأي فساد بعد أن قلبوا المعايير، فكرهوا ما يجب أن يحب، وأحبوا ما يجب أن يكره ؟ ولا أدل على فساد طبائعهم من عبادتهم لحجر، وتركهم عبادة خالق السماوات والأرض.
ثم يقول تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ].
وفي آية أخرى يبين الحق سبحانه نتيجة انعدام هذا التدافع :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.. ( ٢٥١ )﴾ [ البقرة ].
والفساد إن حدث بين الناس في حركة الحياة فيمكن أن يعوض ويتدارك، أما إن تعدى الفساد إلى مقومات اليقين الإيماني في الأرض فكره الناس ما يربطهم بالسماء، وهدموا أماكن العبادة، فهذه الطامة والفساد الذي لا صلاح بعده، فكأن الآيتين تصوران نوعا من الإيغال في الفساد، والاتضاع في الجرائم.
وتفسد الأرض حين ينعدم هذا التدافع، كيف ؟ هب أن ظالما مستبدا في بلد ما يستعبد الناس ويمتص خيراتهم بل ودماءهم دون أن يرده أحد، لا شك أن هذا سيحدث في المجتمع تهاونا وفوضى، ولن يجتهد أحد فوق طاقته، ولمن سيعمل وخيره لغيره، وهذا بداية الفساد في الأرض.
فإن قلنا : هذا فساد بين الناس في حركة حياتهم يمكن أن يصلح فيما بعد، فما بالك إن امتد الفساد إلى أماكن الطاعات والعبادات، وقطع بين الناس الرباط الذي يربطهم بالسماء ؟
إن كان الفساد الأول قابلا للإصلاح، ففساد الدين لا يصلح، لأنك خربت الموازين التي كانت تنظم حركة الحياة، فأصبح المجتمع بلا ميزان وبلا ضوابط يرجع إليها.
ونلحظ في قوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : جاءت قضية عامة لكل الناس، فلم يخص طائفة دون أخرى، فلم يقل مثلا : لولا دفع الله الكافرين بالمؤمنين، إنما قال مطلق الناس، لأنها قضية عامة يستوي فيها الجميع في كل المجتمعات.
كذلك جاءت كلمة ( بعض ) عامة، لتدل على أن كلا الطرفين صالح أن يكون مدفوعا مرة، ومدفوعا عنه أخرى، فهم لبعض بالمرصاد : من أفسد يتصدى له الآخر ليوقفه عند حده، فليس المراد أن طائفة تدفع طائفة على طول الخط.
ومثال ذلك قوله تعالى :﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.. ( ٣٢ )﴾ [ الزخرف ] : دون أن يحدد أيهما مرفوع، وأيهما مرفوع عليه، لأن كلا منهما مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر، ذلك لأن العباد كلهم عيال الله، لا يحابي منهم أحدا على أحد.
انظر الآن إلى قوة روسيا في الشرق وقوة أمريكا في الغرب، إنهما مثال لقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : فكل منهما تقف للأخرى بالمرصاد، ترقبها وترصد تحركاتها وتقدمها العسكري، وكأن الله تعالى جعلهما لحماية سلامة الآخرين أن تقف كل منهما موقف الحذر والخوف من الأخرى.
وهذا الخوف والترقب والإعداد هو الذي يمنع اندلاع الحرب بينهما، فما بالك لو قامت بينهما حرب أسفرت عن منتصر ومهزوم ؟ لا بد أن المنتصر سيعيث في الأرض فسادا ويستبد بالآخرين، ويستشري ظلمه لعدم وجود من يردعه.
ومن رحمة الله بالمؤمنين أن يكيد الظالمين بالظالمين بكل ألوانهم وفنونهم، ويؤدب الظالم بمن هو أشد منه ظلما، ليظل أهل الخير بعيدين عن هذه المعركة، لا يدخلون طرفا فيها، لأن الأخيار لا يصمدون أمام هذه العمليات، لأنهم قوم رقاق القلوب، لا تناسبهم هذه القسوة وهذه الغلظة في الانتقام.
اقرأ قول الله تعالى :﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ( ١٢٩ )﴾ [ الأنعام ] : وهكذا يوفر الله أهل الخير، ويحقن دماءهم، ويريح أولياءه من مثل هذه الصراعات الباطلة.
لذلك لما دخل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مكة دخول المنتصر، بعد أن أخرجه قومه منها، وبعد أن فعلوا به وبأصحابه الأفاعيل، كيف دخلها وهو القائد المنتصر الذي تمكن من رقاب أعدائه ؟
دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مكة مطأطئ الرأس، حتى لتكاد رأسه تلمس قربوس(٢) السرج الذي يجلس عليه، تواضعا منه ( صلى الله عليه وسلم )، ومع ذلك قال أبو سفيان لما رأى رسول الله في هذا الموقف، قال للعباس : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما(٣).
وبعد أن تمكن رسول الله من كفار مكة، وكان باستطاعته القضاء عليهم جميعهم، قال : " يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم، قال : فاذهبوا فأنتم الطلقاء " (٤).
فأي رحمة هذه ؟ وأي لين هذا الذي جعله الله في قلوب المؤمنين ؟ وهل مثل هذا الدين يعارض وينصرف عنه ؟.
إذن : يسلط الحق- تبارك وتعالى- الأشرار بعضهم على بعض، وهذه آية نراها في الظالمين في كل زمان ومكان، ويجلس الأخيار يرقبون مثل هذه الصراعات التي يهلك الله فيها الظالمين بالظالمين.
ثم يقول سبحانه وتعالى :﴿لهدمت صوامع وبيع.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : صوامع جمع صومعة، وهي مكان خاص للعبادة عند النصارى، وعندهم متعبد عام يدخله الجميع هو الكنائس، أما الصومعة فهي مكان خاص لينفرد فيه صاحبه وينقطع للعبادة، ولا تكون الصومعة في حضر، إنما تكون في الجبال والأودية، بعيدا عن العمران لينقطع فيها الراهب عن حركة حياة الناس، وهي التي يسمونها الأديرة وتوجد في الأماكن البعيدة.
وقد حرم الإسلام الرهبانية بهذا المعنى، لأنها رهبانية ما شرعها الله، كما قال سبحانه :﴿ورهبانية(٥) ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها.. ( ٢٧ )﴾ [ الحديد ].
ومعنى :﴿وبيع.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : البيع هي الكنائس.
فالحق- سبحانه وتعالى- ما نعى عليهم الانقطاع للعبادة، لكن نعى عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة، وأسباب العيش، لذلك قال :﴿فما رعوها(٦) حق رعايتها.. ( ٢٧ )﴾ [ الحديد ].
وقد أباح الإسلام أيضا الترهب والانقطاع للعبادة، لكن شريطة أن تكون في جلوة يعني : بين الناس، لا تعتزل حركة الحياة، إنما تعبد الله في كل حركة من حركات حياتك، وتجعل الله تعالى دائما في بالك ونصب عينيك في كل ما تأتي، وفي كل ما تدع، إذن : هناك فرق بين من يعبد الله في خلوته، ومن يعبد الله في جلوته.
لذلك سيدنا عمر- رضي الله عنه- قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفل به وينفق عليه، قال : أخوه أعبد منه. كيف ؟.
قالوا : لأنك تستطيع أن تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة، حين تخلص النية فيها لله عز وجل. ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر، كلاهما يعمل ويجتهد ليقوت نفسه وأهل بيته، ويحيا الحياة الكريمة، وهذا هدف الجميع من العمل، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماما.
إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره، المؤمن يفعل على قدر طاقته، لا على قدر حاجته، ثم يأخذ ما يحتاج إليه وينفق من الباقي ويتصدق على من لا يقدر على الحركة الحياتية.
لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :﴿قد أفلح المؤمنون ( ١ ) الذين هم في صلاتهم خاشعون ( ٢ ) والذين هم عن اللغو معرضون ( ٣ ) والذين هم للزكاة فاعلون ( ٤ )﴾ [ المؤمنون ] : هل يعني : مؤدون فقط ؟ لا، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى، وفي نيته من لا يقدر على السعي والعمل، فكأنه يقبل على العمل ويجتهد فيه، وفي نيته أن يعمل شيئا لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يميز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر.
وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا الشيخ الحافظ التيجاني، وكان مريضا- رحمه الله ورضي الله عنه- وكان يسكن في حارة، وفضلنا أن نأخذ ( تاكسي ) يوصلنا بدل أن نمشي في وحل الشتاء، وعند مدخل الحارة رفض سائق ( التاكسي ) الدخول وقال : إن أجرة التوصيل لا تكفي لغسيل السيارة وتنظيفها من هذا الوحل، وبعد إلحاح وافق وأوصلنا إلى حيث نريد، فأعطيناه ضعف أجرته، لكني قبل أن أنصرف قلت له : أنت لماذا تعمل على هذا ( التاكسي ) ولماذا تتعب ؟ قال : من أجل مصالحي ومصالح أولادي، فقلت له : وما يضيرك إن زدت على ذلك وجعلت في نيتك أن تيسر بعملك هذا على الناس ؟ فاهتم الرجل ولبسته الكلمة فقال : والله لا أرد راكبا أبدا.
ومعنى :﴿والذين هم للزكاة فاعلون ( ٣ )﴾ [ المؤمنون ] : لم يقل مؤدون، لأن ﴿فاعلون ( ٤ )﴾ [ المؤمنون ] : تعني : أن نيتهم في الفعل أن يفعلوا على قدر طاقتهم ويجتهدوا لتوفير شيء بعد نفقاتهم يتصدقون منه.
إذن : حرم الإسلام الرهبانية التي تحرم المجتمع من مشاركة الإنسان فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا رهبانية في الإسلام " (٧) لأنه اعتبر كل حركة مقصود منها صالح المجتمع كله حركة إيمانية عبادية، ومن هنا كان العمل عبادة.
وقد وضع العلماء شروطا لمن أراد الانقطاع للعبادة : أولها : ألا يأخذ نفقته من أحد، بمعنى أن يعمل أولا ليوفر احتياجاته طوال فترة انقطاعه، وصدق ( إقبال ) حين قال :
ليس زهدا تصوف من تقي* فر من غمرة الحياة بدين
إنما يعرف التصوف في ال* سوق بمال ومطمع وفتون
ثم يقول تعالى :﴿وصلوات.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : وهذه لليهود يسمون مكان التعبد : صالوتا. لكن، لماذا لم يرتبها القرآن ترتيبا زمنيا، فيقول : لهدمت صلوات وصوامع وبيع ؟ قالوا : لأن القرآن يؤرخ للقريب منه فالأبعد.
﴿ومساجد.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : وهذه للمسلمين ﴿يذكر فيها اسم الله كثيرا.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ].
وما دام الحق سبحانه ذكر المساجد بعد الفعل ﴿لهدمت.. ( ٤٠ )﴾ [ الحج ] : فهذا دليل على أنه لا بد أن يكون للمسلمين مكان يحكر للعبادة، وإن جعلت الأرض كلها لهم مسجدا وطهورا، ومعنى ذلك أن تصلي في أي بقعة من الأرض، وإن عدم الماء تتطهر بترابها، وبذلك تكون الأرض محلا للعبادة ومحلا لحركة الحياة وللعمل وللسعي، فيمكنك أن تباشر عملك في مصنعك مثلا وتصلي فيه، لكن الحق سبحانه يريد منا أن نخصص بعض أرضه ليكون بيتا له تنقطع منه حركة الحياة كلها، ويوقف فقط لأمور العباد
١ - البيعة: كنيسة النصارى، والجمع بيع، قاله ابن عباس فيما أخرجه عنه عبد بن حميد وابن جرير. وقال أيضا: الصوامع: التي تكون فيها الرهبان، والبيع: مساجد اليهود. وصلوات: كنائس النصارى، والمساجد: مساجد المسلمين. [الدر المنثور للسيوطي ٦/٥٩]..
٢ - القربوس: حنو السرج. وحنو كل شيء: اعوجاجه. فحنو الرحل والسرج: كل عود معوج من عيدانه. [لسان العرب- مادتا: قربس، حنا]. وقد ذكر ابن هشام في السيرة النبوية (٤/٤٠٥) "أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه (طرف لحيته) ليكاد يمس واسطة الرحل"..
٣ - قال أبو سفيان حين مرت أمامه جيوش المسلمين يوم فتح مكة: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قال العباس: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن..
٤ - قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قام في خطابه على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، إلى أن قال: ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء" [السيرة النبوية لابن هشام ٤/٤١٢]..
٥ - الترهب: التعبد، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذها والزهد فيها، والعزلة عن أهلها وتعهد مشاقها، حتى إن منهم من كان يخصى نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب، والراهب: هو المتعبد في الصومعة. [لسان العرب- مادة: رهب]..
٦ - أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل. قاله ابن كثير في تفسيره (٤/٣١٥)..
٧ - قال العجلوني في كشف الخفاء (٣١٥٤): "قال ابن حجر: لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي "إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة". وقد أخرج أحمد في مسنده (٦/٢٢٦) من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إن الرهبانية لم تكتب علينا"..

تفسير الشعراوي

الشعراوي

عرض الكتاب