سورة البقرة | الآية ٢٦٠

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

تفسير الشعراوي
الشعراوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
التقييد الكبير للبسيلي
البسيلي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
إن إبراهيم عليه السلام يسأل: كيف تُحيي الموتى؟ أي أنه يطلب الحال التي تقع عليها عملية الإحياء. فإبراهيم عليه السلام لا يتكلم في الإحياء، وإنما كان شكه عليه السلام في أن الله سبحانه قد يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى؟ ولنضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد والمثل لتقريب المسألة من العقول؛ لأن الله مُنزه عن أي تشبيه.
إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلي مُحْدَث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا.
ولنعلم أولا ما معنى: عقيدة؟. إن العقيدة هي: أمر معقود، وإذا كان هذا فكيف يقول: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئناً؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمناً، ولكنه يريد أن يزداد اطمئناناً، لأنه أدار بفكره الكيفية التي تكون عليها عملية الإحياء، لكنه لا يعرف على أية صورة تكون.
— 1139 —
إذن فالاطمئنان جاء لمراد في كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات متصورة ومتخيلة، ومادمت تريد الكيفية، وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام. بل لابد أن تكون تجربة عملية واقعية، ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. و «صرهن» أي أملهن واضممهن إليك لتتأكد من ذوات الطير، ومن شكل كل طير، حتى لا تتوهم أنه قد جاء لك طير آخر.
وقال المفسرون: إن الأربعة من الطير هي: الغراب، الطاووس، الديك، الحمامة، وهكذا كان كل طائر له شكلية مختلفة.
﴿ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾، فهل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أو اكتفى بأن شرح الله له الكيفية؟ إن القرآن لم يتعرض لهذه الحكاية، فإما أن يكون الله قد قال له الكيفية، فإن أراد أن يتأكد منها فليفعل، وإما أنه قد تيقن دون أن يجري تلك العملية. إن القرآن لم يقل لنا هل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أم لا؟ والحق يقول مخاطبا إبراهيم بخطوات التجربة: ﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ وكان المفروض أن يقول: يأتينك طيرانا. فكيف تسعى الطيور؟ إن الطير يطير في السماء وفي الجو. لكن الحق أراد بذلك ألا يدع أي مجال لاختلاط الأمر فقال: «سعيا» أي أن الطير سيأتي أمامه سائرا، لقد نقل الحق الأمر من الطيران إلى السعي كي يتأكد منها سيدنا إبراهيم، إذن فلكي تتأكد يا إبراهيم ويزداد اطمئنانك جئنا بها من طيور مختلفة وأنت الذي قطعتها، وأنت الذي جعلت على كل جبل جزءا، ثم أنت الذي دعوت الطير فجاءتك سعيا.
وهنا ملحظية في طلاقة القدرة، وفي الفرق بين القدرة الواجبة لواجب الوجود، وهو الحق سبحانه وتعالى، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو الله سبحانه لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان، هذا له قدرة، وذاك له قدرة؛ إن قدرة الله هي قدرة واجبة، وقدرة الإنسان هي قدرة ممكنة، وقدرة الله لا ينزعها منه أحد، وقدرة الإنسان ينزعها الله منه؛ فالإنسان من البشر، والبشر تتفاوت قدراتهم؛ فحين
— 1140 —
تكون لأحدهم قدرة فهناك آخر لا قدرة له، أي عاجز. ويستطيع القادر من البشر أن يعدي أثر قدرته إلى العاجز؛ فقد يحمل القادر كرسيا ليجلس عليه من لا يقدر على حمله. لكن قدرة الحق تختلف.
كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا أعدي من قدرتي إلى من لا يقدر فيقدر، أنا أقول للضعيف: كن قادراً، فيكون. وهذا ما نفهمه من قوله سبحانه لإبراهيم: ﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾. إن إبراهيم كواحد من البشر عاجز عن كيفية الإحياء، ولكن الحق يعطيه القدرة على أن ينادي الطير، فيأتي الطير سعيا.
إن الحق يعطي القدرة لإبراهيم أن يدعو الطير فيأتي الطير سعيا. وهذا هو الفرق بين القدرة الواجبة، وبين القدرة الممكنة. إن قدرة الممكن لا يعديها أحدٌ لخالٍ منها، ولكن قدرة وجب الوجود تُعديها إلى من لا يقدر فيقدر، ولذلك يأتي القول الحكيم بخصائص عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]
إن خصائص عيسى ابن مريم لا تكون إلا بإذن من الله، فقدرة عيسى عليه السلام أن يصنع من الطين ما هو على هيئة الطير، وإذا نفخ فيه بإذن الله لأصبح طيرا، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، إن ذلك كله بإذن ممن؟ بإذن من الله.
وكذلك كان الأمر في تجربة سيدنا إبراهيم، لذلك قال له الحق: ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. إن الله عزيز أي لا يغلبه أحد. وهو حكيم أي يضع كل شيء في موقعه.
— 1141 —
وكذلك يبسط الحق قصة الحياة وقصة الموت في تجربة مادية؛ ليطمئن قلب سيدنا إبراهيم، وقد جاءت قصة الحياة والموت؛ لأن الشك عند الذين عاصروا الدعوة المحمدية كان في مسألة البعث من الموت، وكل كلامهم يؤدي إلى ذلك، فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر: ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]
وفي قول آخر: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾
[يس: ٧٨ - ٧٩]
لقد أمر الحق سبحانه محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليجيب على ذلك: قل يا محمد: يحييها الذي أنشأها أول مرة؛ فقد خلقها من عدم ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ [الروم: ٢٧]
إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى مقاييس اعتقاد من يظن أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه؛ فالله له مطلق القدرة في خلقه، وهو الغالب في ملكه، وهو الحكيم في فعله وتقديره.
إن الذي يعيد إنما يعيد من موجود، أما الذي بدأ فمن معدوم. فالأهون هو الإعادة، أما الابتداء فهو ابتداء من معدوم، وكلاهما من قدرة الحق سبحانه
— 1142 —
وتعالى. إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدي فإن استقر في القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التي تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى.
إن الإنسان حينما يفهم أن هناك حسابا وهناك جزاءً، وهناك بعثا، فهو يعرف أنه لم ينطلق في هذا العالم، ولم يفلت من الإله الواحد القهار، إن للإنسان عودة، فالذي يغتر بما آتاه الله نقول له: لا، إنك لن تفلت من يد الله، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث. وإذا ما استقرت في أذهان المسلمين تلك العودة، فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة.
وبعد أن استقر الأمر في شأن الحياة والموت أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجيء بشيء هو ثمرة الحياة في الكائن الحي وأول مظهر من مظاهر الحياة هو الحس والحركة. والحركة في الوجود أرادها الله للإنسان؛ لأنه وهو الحق قد أراد الإنسان للخلافة في الأرض. والخلافة في الأرض تقتضي أن يعمر الإنسان الأرض، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا﴾ [هود: ٦١]
إن خلافة الإنسان في الأرض تقتضي أن يتحرك ويعمر الأرض. وحين يريد الله منا أن نتحرك ونعمر الأرض فلا بد من أعمال تنظم هذه الحركة، ولا بد من فنون متعددة تقوم على العمارة. ويوزع الله الطاقات الفاعلة لهذه الفنون المتعددة ويجعلها مواهب مفكرة ومخططة في البشر. إن الحق سبحانه لم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب، بل نثر الله المواهب على الخلق، وكل واحد أخذ موهبة ما.
لماذا؟ لأن الله قد أراد أن يتكامل العالم ولا يتكرر؛ فالتكامل يوحي بالاندماج فإذا كنت أنت تعرف شيئاً خاضعا لموهبتك، وأنا لا أعرفه فأنا مضطر أن ألتحم بك، وأنا أيضا قد أعرف شيئا وأنت لا تعرفه، لذلك تضطر أنت أن تلتحم بي.
وهذا اللون من الالتحام ليس التحام تفضل، إنما هو التحام تعايش ضروري.
— 1143 —
لكن لو أن كل واحد صار مجمع مواهب، لاستغنى عن غيره من البشر وأقام وحده بمفرده، وينتهي احتياجه للمجتمع الإنساني. فكأن الله حين وزع أسباب الفضل على الخلق يريد منهم أن يتكاملوا ويلتحم بعضهم ببعض لا التحام فضل، ولكن التحام تعايش ضروري؛ لأن واحداً يريد ما ينتجه الآخر بموهبته، والآخر يريد من إنسان غيره ما هو موهوب فيه. ولذلك فالناس بخير ما تباينوا؛ لأن كلا منهم يحتاج إلى الآخر.
ولذلك لا نجد أي تقدم في مجتمع إلا إذا كانت المواهب في هذا المجتمع مختلفة ومتآزرة. أما حين يوجد قوم لهم مواهب متحدة فلابد أن يقاتل بعضهم بعضا لكن عندما يكون كل واحد في حاجة لموهبة الآخر، فهم يتعايشون؛ لأن الحياة لا تسير إلا بالكل، ولذلك إذا استوت جماعة في المواهب فلا بد أن يتفانوا لأنهم يتنافسون فيها ويريد كل واحد منهم أن يستأثر بها لنفسه، لكن لا أحد في المواهب المتكاملة يقول: لماذا يكون فلان أفضل مني، لأنه يعرف أنه من الضروري أن يوجد المهندس والطبيب والصانع، ولذلك تجد الوجود منظما بذاته التنظيم الطبيعي الذي يُوجد قاعدة ويُوجد قمة، فالقمة الصغيرة تحملها القاعدة الكبيرة. ولو عكست الهرم لصارت مشكلة؛ لأن الأمر في هذه الحالة سَيَجِّدُ به جوانب كثيرة ليس لها أساس ولا ترتكز على شيء، ولذلك فمن الحكمة إذا رأيت في المجتمع واحداً قد ذهب إلى القمة فأعنه على أن يستمر متفوقا، ولا تصطرع معه فتسقطوا جميعا، فلابد من التفاضل كي ينشأ التكامل.
والحق سبحانه وتعالى يعرض لنا هذه القضية عرضا اجتماعيا وعرضا اقتصاديا؛ ليبين لنا أن أصل الوجود يجب أن ينشأ على أمر اجتماعي وأمر اقتصادي، لماذا؟ لأن الإنسان مشغول أولا باستبقاء حياته، ثم باستبقاء نوعه. واستبقاء حياة الإنسان بالقوت، واستبقاء نوعه بالزواج. واستبقاء الحياة بالقوت يحتاج إلى حركة في الحياة، والحق يحترم ثمرتها، وعندما يريد الحق أن يرقق قلب المتحرك على أخيه العاجز فهو يقول: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥]
— 1144 —
كما ضربنا المثل من قبل ولله المثل الأعلى وقلنا: إن الإنسان يعطي أولاده مصروفا، وكل واحد منهم يضعه في حصالته، فهب أن واحداً من الأولاد اضطر إلى شيء عاجل كإجراء جراحة، هنا يذهب الرجل إلى أولاده ويقول لهم: أقرضوني ما في حصالاتكم لأن أخاكم يحتاج إلى عملية، وسأرده لكم بعد ذلك مضاعفا. إن الأب لم يرجع في هبته ليقول إن ما في الحصالات هو مالي وسآخذه. لا، هو مالكم، لكنه سيكون دينا عندي.
كذلك يصنع الله مع الخلق فيوضح: بعضكم عاجز وبعضكم قادر، وسأتكفل أنا بالعاجز، واقترض من القادر.
وكان ضروريا أن يكون بعضنا عاجزاً، حتى لا يظن أحد أن القوة ذاتية في النفس البشرية. لا، إن القوة موهوبة؛ ويستطيع من وهبها أن يسلبها. وحتى يعرف صاحب القوة أن القوة ليست ذاتية فيه، ويجد بجانبه إنساناً آخر عاجزاً. لكن هذا العاجز الذي سيلفت القوي إلى أن القوة ليست ذاتية، ما ذنبه؟
إنّ الله قد جعله وسيلة إيضاح في الكون وكأن الحق يقول: سنضمن لك أيها العاجز المستوى اللائق من الحياة من أثر قدرة القادر، وما دام من أثر قدرة القادر، فهل سيتحرك القادر في الكون على قدر «حاجته» أو على قدر «طاقته» ؟ لابد أن يتحرك على قدر طاقته؛ لأنه لو تحرك على قدر حاجته فلن يجد ما يعطيه للعاجز.
ويتكلم الحق سبحانه وتعالى عن تلك القضية المهمة في البناء الاجتماعي والبناء الاقتصادي بعد إثبات قضية البعث والإحياء والإماتة لكي تكون ماثلة أمامنا وينتقل بنا الحق سبحانه وتعالى كي يعطينا الكيان الإسلامي الاقتصادي الاجتماعي فيقول جل شأنه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾
— 1145 —

تفسير الشعراوي

الشعراوي

عرض الكتاب