سورة المؤمنون | الآية ٦٨

عرض السورة
التَّفسير

ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»
(٢٩: الجاثية) وكما يقول جل شأنه: «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً» (١٣:
الإسراء).
فكل ما يعمله الإنسان، مسطور فى هذا الكتاب، ناطق بكل صغيرة وكبيرة.. دون أن يكون هناك خطأ أو نسيان.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فليكتب الإنسان فى كتابه هذا ما يحبّ أن يراه، ويسعد به.
ولا تكتب فى كتابك غير شىء يسرّك فى القيامة أن تراه
الآيات: (٦٣- ٧٤) [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٣ الى ٧٤]
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧)
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)
— 1151 —
التفسير:
قوله تعالى:
«بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ»..
الضمير فى قلوبهم، يراد به المشركون من أهل مكة، ومن حولها.. وهم وإن لم يجر لهم ذكر فيما سبق من آيات، فإنهم- فى الواقع- مذكورون فى كل آية، إذ كان هذا القرآن كلّه هو كتابهم، وهو رسالة رسول الله فيهم.
- فقوله تعالى: «بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا» هو نخسة موجعة لهؤلاء المشركين الذين يستمعون إلى هذه الآيات، وكأنها لا تعنيهم، ولا تتحدّث إليهم.. على حين أنها إنما هى مسوقة لهم، أولا، ثم هى للناس جميعا، بعد هذا..
والإشارة «هذا» مشاربها إلى هذا الحديث الذي تحدثت به الآيات السابقة، عن الذين يؤمنون بالله، ويخشونه، ويشفقون من لقائه..
فالمشركون قلوبهم «فى غمرة»، أي فى شغل، وغفلة وضلال، عن هذا الحديث وما يحمل إليهم من عظات.
وخصت القلوب، لأنها موطن المشاعر فى الإنسان، ومستقرّ المعتقدات الصالحة أو الفاسدة.
وقوله تعالى: «وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ.. هُمْ لَها عامِلُونَ» أي أن لهؤلاء المشركين الغافلين عن هذا الحديث، مشغلا بأمور أخرى، فى مستوى غير هذا
— 1152 —
المستوي الرفيع، الذي تحدث به الآيات.. أنهم فى شغل بما هم فيه من صلات مع آلهتهم.. والمشغول- كما يقولون- لا يشغل! وفى تسمية هذه الصلات التي بين المشركين وبين معبوداتهم- بالأعمال، إشارة إلى أنها مجرد حركات، ورسوم، لا تتصل بالعقل أو القلب.. إنها حركات وصور مرسومة، توارثها القوم عن آبائهم، فكانت أشبه شىء بالعمل الآلى الذي لا يتصل بعقل الإنسان أو قلبه..
- وفى قوله تعالى: «هُمْ لَها عامِلُونَ» تقريع وتوبيخ لهؤلاء المشركين، الذين يؤدون هذه الأعمال ويحتشدون لها، ويضيعون أوقاتهم وأعمارهم فيها.. على حين أنّها عبث ولغو، ولعب أشبه بلعب الأطفال! فهم وهذه الأعمال على سواء.. هى أعمال تافهة، يأتيها أناس تافهون! قوله تعالى:
«حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ».
الجأر، والجؤار: الصراخ.
والمعنى: أن هؤلاء المشركين الغافلين عن آيات الله، المشغولين بهذا العبث الذي هم فيه مع معبوداتهم- سيظلون على ما هم فيه من غفلة، حتى إذا جاء وقت الحساب والجزاء، وسيقوا إلى جهنم- فزعوا، وعلا صياحهم، وارتفع صراخهم، من هذا الهول الذي هم فيه..
وفى اختصاص المترفين من المشركين بالذكر، عرض لأبرز مثل فيهم، وهم المنعمون من المشركين، أصحاب المال، والجاه.. فهؤلاء إذا أخذوا، وفعل بهم هذا البلاء، ولم يغن عنهم ما لهم ولم يشفع لهم جاههم- كان غيرهم ممن لا مال له ولا جاه، أشدّ خوفا من لقاء هذا العذاب، الذي ينتظره، وقد سبقه
— 1153 —
إليه من كانوا على الشرك مثله، ولم يشفع لهم مال أو سلطان.. فكيف بمن لا مال له ولا سلطان؟
قوله تعالى:
«لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ».
هذا هو الردّ على هذا الصراخ، الذي يتعاوى به المترفون من المشركين، وهم فى العذاب المهين.. «لا تَجْأَرُوا» فإنه لا فائدة ترجى من وراء هذا الصّراخ.. إنه لا يسمع أحد لكم، ولا يخفّ أحد لنجدتكم.. «إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ».. فليس لأحد قدرة على أن يدفع عنكم هذا العذاب الذي حكم الله به عليكم..
قوله تعالى:
«قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ».
أي لا تلوموا إلا أنفسكم، فقد كانت النجاة من هذا البلاء بين أيديكم، لو أنكم استمعتم إلى آياتي وآمنتم بها. ولكنكم كنتم إذا وقع إلى آذانكم شىء منها نفرتم كما ينفر الحيوان الوحشىّ حين يرى وجه إنسان.. فرجعتم على أعقابكم، فى حركة منكوسة، وعيونكم إلى مصدر هذا الصوت الذي يسمعكم ما سمعتم من آيات الله، تنظرون إليه فى حذر وخوف، كما ينظر العدو إلى عدوه..!
بل وأكثر من هذا.. فإنكم كنتم تتخذون مما تسمعون من آيات الله، مادة للسّمر فى أنديتكم، ومجالا للسخرية والاستهزاء بها فيما بينكم.. «مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ.. سامِراً تَهْجُرُونَ»..
— 1154 —
والضمير فى «به» يعود إلى ما يتلى عليهم من آيات الله، وما يسمعون من كلماته.. وقد عدّى الفعل «استكبر» بحرف الجرّ الباء، لتضمنه معنى الاستهزاء..
أي أنكم لاستكباركم تلقون ما تسمعون من آيات الله، باستهزاء وسخرية..
فهى سخرية المستكبر، واستهزاء المتعالي..
«والسامر» مجتمع القوم للسمر.
ونصب «سامِراً» على أنه مفعول له.. أي لأجل السامر تهجرون مجلس الاستماع إلى القرآن.. «سامِراً تَهْجُرُونَ».. لأن السامر يحمل معنى السّمر، وسمر القوم هو عبث ولهو، فكأن المعنى: لهوا ولعبا تهجرون الاستماع إلى كلام الله.. والجملة حال أخرى- من فاعل «تَنْكِصُونَ».. ويجوز أن يكون «تَهْجُرُونَ» من الهجر، وهو الفحش فى القول.. ويكون «سامِراً» منصوبا على الحال من الضمير المستكن فى «مُسْتَكْبِرِينَ» ويكون السامر بمعنى الاجتماع..
وجملة «تهجرون» حال من الضمير فى السامر بمعنى الاجتماع..
بمعنى أنكم كنتم تنكصون على أعقابكم عند الاستماع إلى آيات الله، وقد اشتملت عليكم أكثر من حال.. إذ تنكصون.. مستهزئين، سامرين، متفحشين..
قوله تعالى:
«أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ».
لقد ترك القوم المشركون يصرخون ويتعاوون فى جهنم، بعد أن أجيب على صراخهم وجؤارهم بهذا التقريع العنيف.. «لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ.. إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ».
ثم كان لمن يرون هذا المشهد الذي تنخلع له القلوب، وما يعانى المشركون
— 1155 —
فيه من بلاء ونكال- كان لهم تساؤلات عن هؤلاء المعذبين، وعن جنايتهم التي جنوها فى حق الله، وفى حق الرسول المرسل إليهم من عند الله.
وكان من تساؤلات السائلين، ما ذكره القرآن الكريم هنا:
- «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ؟».
أن ألأنهم لم يحسنوا الاستماع، والنظر، والتدبر فيما جاءهم به الرسول- لم يعرفوا وجه الحق، ولم يروا الطريق إلى الله على ضوء هذا النور الذي بين يدى الرسول- ومن أجل هذا ظلوا فى ضلالهم وشركهم، فكانت جهنم مأواهم. والعذاب جزاؤهم.. أهذا لهذا؟ قد يكون! - «أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ؟».
أي ألأنهم لم يدّبروا القول فضلّوا؟ أم لأن هذا الذي جاءهم به رسول الله، هو شىء غريب لم يكن لآبائهم شىء منه؟.. فهم لهذا ينكرونه، وينكرون ما معه، لأنهم مأسورون فى قيد ما ورثوا عن آبائهم من عادات وتقاليد.. ؟
أهذا لهذا؟ قد يكون!.
- «أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ.. فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؟».
أي أهذا، أم أن الرسول الذي جاءهم غير معروف عندهم بنسبه، وباسمه، وبصفته- فهم لهذا ينكرونه، وينكرون مقامه فيهم، ويرمونه بما لم يعرفوا منه من سحر أو شعر أو جنون؟.
- «أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ؟» أي أهذا الذي حجزهم عن اتباع الرسول.. أم هو هذا الرأى الذي رأوه فيه، وأنه مجنون، يخاطب عقلاء، وما كان للعقلاء أن يستجيبوا لدعوة مجنون؟
قد يكون!
— 1156 —
وفى هذه التساؤلات، نجد الثلاثة الأولى منها اتهاما لهم.. فالتساؤل الأول، يرميهم بنقص فى التفكير، وضعف فى الإدراك، وقصور عن فهم آيات الله، وتدبرها..
والثاني، يتهمهم بأنهم أسرى التقليد الأعمى، وأنهم لا يخرجون من هذا الأسر ولو ماتوا فيه اختناقا بهذا الهواء الفاسد الذي يتنفسون فيه، دون أن يفتحوا نافذة تملأ عيونهم نورا، وصدورهم هواء نقيا، منعشا! إن من تهم الرسول عندهم أنه جاءهم بما لم يعرفه آباؤهم الأولون، حيث لم يأتهم من قبل رسول من عند الله، كما أتى الأمم الأخرى..
وفى هذا يقول الله تعالى: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (٤٦: القصص).
ويقول سبحانه: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ» (٦: يس).
والقوم فى هذا الموقف مهددون بالفناء، إذ قيدوا أنفسهم بهذا القيد الثقيل ووقفوا حيث يقف آباؤهم منذ زمن بعيد.. فهم، والأمر كذلك، يأخذون من الحياة موقفا واحدا لا يتحولون عنه.. والحياة متحركة متحولة.. ومن شأن كل حىّ أن يأخذ مكانه فى دورة الفلك، وأن يعيش الليل ليلا والنهار نهارا، والصيف صيفا، والشتاء شتاء.. وإلا هلك..
فكيف ينكر القوم على الحياة أن تأتيهم بجديد لم يأت آباءهم الأولين؟
إن الحياة ولود لكل جديد فى كل زمان ومكان.. وأنه إذا كان للإنسان أن يتوقف أمام كل جديد، فإن من السفاهة والحمق أن يرفضه ابتداء بحكم أنه جديد، دون أن يعرضه على عقله، وينظر فيما يمكن أن يكون فيه من خير ونفع.
والتساؤل الثالث، ينكر على القوم هذه التهم التي يرمون بها الرّسول،
— 1157 —
فيكذبون على أنفسهم، ويزيفون الحقّ، ويلبسونه ثوب الباطل، حتى يخدعوا به عقولهم، ويريدوها على قبوله والتسليم به..
فهم يقولون فى الرسول.. إنه مجنون.. وإنه شاعر.. وإنه ساحر.. وإنه كذاب مفتر- يقولون هذا، وهم على معرفة كاملة بالرسول، من مولده، ومن قبل مولده، إلى أن جاءهم برسالة ربه.. فما عرفوا فيه شيئا مما يتهمونه به زورا وبهتانا.. بل لقد عرفوه العاقل الرشيد، والصادق الأمين، والطاهر العفّ.. وأنه كان فى صباه يتحلّى بأحسن ما يتحلّى به الرجال، من حكمة ورويّة، ورشاد.. وأنه ما كذب قط، ولا قال هجرا قط، ولا نطق بشعر أبدا، ولا طاف بصنم أبدا..
أما قولهم عن الرسول: «بِهِ جِنَّةٌ» فهو أشنع تهمة يتهم بها القوم فى تفكيرهم، وتقديرهم..
وقد يكون سائغا منهم أنهم لم يتدبروا القول، فكثير من الناس لا يتدبرون القول، ولا يحسنون الفهم..!
وقد يكون مقبولا أيضا أن يحمدوا على ما هم عليه من عادات موروثة..
فإن كثيرا من الناس يعيشون فى عادات وتقاليد، كما تعيش الحيوانات الرّخوة فى أصدافها وقواقعها..!
وقد يمكن أن يساغ- ولو بمرارة ووقاحة- إنكار الحقائق الثابتة، والتعامي عن الواقع المحسوس..!
فكثير من الناس يكابرون فى الحق، ويمارون فى الواقع، ولا تعلو وجوههم صفرة الخجل، ولا تندى جباههم بقطرة حياء! أما الذي لا تتسع له المكابرة، ولا يحتمله التبجّح، فهو الكذب الصّراح،
— 1158 —
الذي لا يدارى بتمويه أو خداع، بل يعرض هكذا سافرا بكل مشخصاته، ثم يقال عنه: هذا هو الحقّ! فذلك إن وجد مساغا عند أهله، فإنه لا يجد له موجها من القبول عند أحد، ممن يمكن أن يخدع ويضلّل..
فإذا قال سفهاء قريش فى النبىّ إنه شاعر.. فأين هو الوجه الذي يقبل به هذا القول عند من يريدون قبوله منه؟ وقد يكون لهذا الكذب مدخل إلى بعض العقول لو أنهم اصطنعوا شعرا ثم نسبوه إلى النبىّ. فيكون أمرا محتملا للنظر والجدل.. وقد يأخذ به البعض من غير بحث أو نظر..! ولكنهم لم يفعلوا ولم ينتحلوا للنبىّ شعرا، بل قالوا عنه إنه شاعر، دون أن يأتوا على هذا القول بشاهد من مفترياتهم وأكاذيبهم.. وهذا معجزة من معجزات الرسول الكريم..
وإذا قال سفهاء قريش فى النبىّ إنه مجنون.. أو به جنّة.. فقد كان عليهم لكى يغطّوا وجه هذا الكذب بشىء من التمويه- أن يقيموا شهودا من الزور يشهدون بأنهم رأوا من النبىّ كذا، وكذا، من هذيان المجانين..
ولكنهم لم يفعلوا..
نعم، إنهم لم يفعلوا هذا، أو ذاك، وما كان فى استطاعتهم أن يفعلوا..
إذ كان أمر النبىّ فيما اتهموه به، أبعد من أن يدخل عليه زيف، أو تعلق به شائبة من تمويه..
وهذا من معجزات الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والتي هى بعض ما عصمه الله سبحانه وتعالى به من الناس، كما يقول سبحانه: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ».. وإنها لعصمة تحفظ- فيما تحفظ- ذاته ومشخصاته، وصفاته، من أن يعلق بسمائها الصافية المشرقة شىء من هذا الغبار الذي تثيره أفواه النافحين فى الجبال الراسيات.
— 1159 —
قوله تعالى:
«بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ» هو الردّ السماوىّ، على كل ما اتهم به المشركون النبىّ فى شخصه، وفى الكتاب الذي معه..
فالرسول صادق أمين، والذي جاء به هو الحقّ من ربّ العالمين..
وإنهم ليعرفون أنه الحقّ من ربّ العالمين.. وإنهم ليعرفون أنه الحقّ، ولكن أكثرهم كارهون لهذا الحقّ، ومن ثمّ كان منهم هذا العمى عنه، وهذا الإنكار له، وهذا الرمي الأحمق الطائش، الذي لا يصيب إلا الرماة فى مقاتلهم! قوله تعالى:
«وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ».
أي هؤلاء المشركون، إذ يكرهون الحق، ويكرهون التعامل به، فإنهم يتعاملون بما تمليه عليهم أهواؤهم من سفاهات وضلالات..
والحقّ، هو مركز الدائرة الذي يدور عليه هذا الوجود، وهو النظام الممسك بكل ذرة من ذراته..
وإن الحقّ هو هذه السنن الكونية التي قام عليها نظام كل موجود.
إنه الأسباب والمسببات.. وإن أي خروج على الأسباب يفضى إلى فساد المسببات واضطرابها..
وإن ما يمسك به العلم والعلماء من أسرار الكون، هو الحقّ الذي إن
— 1160 —
أخطأهم كله أو بعضه، أفلت من أيديهم هذا السرّ، الذي يفتحون به مغالق الحياة، ويذللون به ما تأبّى عليهم منها..
فالحق، هو هذا المحيط العام الذي تصب فيه روافد الحقائق التي يقوم عليها نظام الوجود، والموجودات جميعا..
- وفى قوله تعالى: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ».
إشارة إلى أن أىّ اختلال يدخل على الحق، فى أي موقع من مواقعه، وفى أي ذرة من ذرات الوجود كله، من شأنه أن يفسد نظام هذا الوجود فى أرضه وسمائه، وفيما فى أرضه وسمائه..
ذلك أن الحق- كما قلنا- كيان واحد.. إنه أسباب ومسببات يأخذ بعضها برقاب بعض.. من الذرة إلى النجوم والكواكب.. فكل سبب يقوم على سبب، ويقوم عليه سبب، وهكذا فى سلسلة متصلة الحلقات، وقطع أي حلقة، هو قطع لهذا الشريان، الذي يغذى كيان الحق، ويحكم نسجه..
فلو أنه دخل على الحق، بعض ما فى نفوس هؤلاء المشركين من هوى وضلال، ثم صار هذا الهوى قوة عاملة فى الوجود، لأدخل الخلل على نظام الوجود كله، ولفسدت السموات والأرض ومن فيهن!! قوله تعالى:
- «بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ».
أي أن الحق لم يتبع أهواء هؤلاء المشركين، ولم يجئهم الرسول بما تشتهى أنفسهم، بل جاءهم بالحق، الذي فيه ذكرهم.. أي رفع قدرهم، وعلوّ إنسانيتهم، لو أنهم اتبعوه، واستقاموا عليه..
— 1161 —
- وفى قوله تعالى: «فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ» تسفيه لهم، وتحميق لعقولهم، إذ ليس أبعد فى السفاهة، ولا أوغل فى الحمق، ممن يدعى إلى ما فيه خيره، وعزّه، ورفعته، ثم يأباه، ويؤثر الإسفاف والتدلّى إلى منازل الهوان والضياع!..
قوله تعالى:
«أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».
الخرج: الأجر، وهو فى الأصل ما يخرج من الأرض من ثمرات، ومنه الخراج..
وفى الآية تعريض بالمشركين، وبما ركبهم من سفه وجهل.. إن الخير الذي يبذل لهم، وثوب المجد الذي ينسج ليتحلّوا به- إنما يقدم لهم من غير ثمن، ومع هذا فهم يرفضونه، ويأبون إلا أن يمشوا فى الناس عراة مهازيل! قوله تعالى:
«وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» هو تأكيد لهذا الخير الذي يحمل إلى هؤلاء المشركين، على يد الرسول الكريم.. إنهم إنما يدعون بهذا الكتاب الذي يحمله الرسول إليهم- إلى صراط مستقيم، إذا هم ساروا عليه أمنوا الزّلل والعثار، وانتهوا به إلى غايات العزة، والسيادة، والفلاح.. فى الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ» هو تهديد للمشركين، بأنهم إذا هم لم يسيروا على هذا الصراط المستقيم الذي يدعوهم إليه الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لم يكن أمامهم إلا طرق الضلال، يركبونها إلى حيث تهوى بهم فى قرار الجحيم.
والصراط هنا، هو الصراط الأخروى، الذي يصل بالمؤمنين إلى الجنة،
— 1162 —

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

عرض الكتاب