قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها﴾ عن المرأةِ ﴿العذاب﴾ الحدَّ؛ الرجمَ إن كان دخل بها أو أُحْصِنَت قبلَه، أو الجلد إن لم تكن محصنة١ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمنالكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ يعني: زوجها في قذفِه إيّاها، وذلك إذا ارتفعا إلى الإمام، وإن لم يرتفعا إلى الإمام فهي امرأته، وإن ارتفعا إلى الإمام وثَبَتَ على قَذْفِها قال أربع مرات عند الإمام: أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق. ثم يقول الخامسة: لعنة الله علَيَّ إن كنت من الكاذبين. وتقول هي أربع مرات: أشهد بالله إنّه لكاذب -يعني: زوجها-، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب. ثم تقول الخامسة: غضب الله عَلَيَّ إن كان من الصادقين، قال يحيى: ذكره حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال يحيى بن سلّام: ثم يُفَرَّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا٢
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: في سورة النور: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم﴾، واستثنى من ذلك فقال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآية، فإذا حَلفا فُرِّقَ بينهما، وإن لم يحلفا أُقِيم الحدُّ؛ الجلد أو الرجم١
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى قوله: ﴿إن كان من الكاذبين﴾، قال: إذا شهد الرجلُ خمسَ شهادات فقد برِئ كلُّ واحدٍ مِن الآخر، وعِدَّتُها إن كانت حاملًا أن تضع حملها، ولا يُجْلَد واحدٌ منهما، وإن لم تحلف أُقيم عليها الحدُّ والرجمُ١
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ قال: هو الرجل يرمي زوجته بالزِّنا، ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ يعني: ليس للرجل شهداء غيره أنّ امرأته قد زنت، فرفع ذلك إلى الحكام، ﴿فشهادة أحدهم﴾ يعني: الزوج؛ يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله، ويقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنّ فلانة -يعني: امرأته- زانية، ﴿والخامسة ان لعنة الله عليه﴾ يعني: على نفسه؛ ﴿إن كان من الكاذبين﴾ في قوله، ﴿ويدرأ﴾ يدفع الحكام عن المرأة ﴿العذاب﴾ يعني: الحدَّ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله أنه﴾ يعني: زوجها ﴿لمن الكاذبين﴾ فتقوم المرأةُ مقامَ زوجها، فتقول أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنِّي لست بزانية، وأن زوجي لمن الكاذبين، ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ يعني: على نفسها؛ ﴿إن كان﴾ زوجها ﴿من الصادقين﴾١
٥
عن عامر الشعبي -من طريق مغيرة- أنّه سُئِل عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، فجاءت بحمل، فانتفى منه. قال: فقال: يُلاعِن. قال: فقال الحارثُ: يا أبا عمرو، إنّ الله قال في كتابه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، أفتُراها له زوجة؟ قال: فقال الشَّعبيُّ: إنِّي لأستحي إذا رأيتُ الحقَّ أن لا أرجع إليه١
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- في قوله: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾، قال: وجَبَتْ١
٧
عن قتادة بن دعامة، ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾، قال: فإن هي اعْتَرَفَتْ رُجِمَت، وإن هي أبَتْ ﴿يدرأ عنها العذاب﴾ قال: عذاب الدنيا ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. ثم يُفَرَّق بينهما، وتعتد عِدَّة المُطَلَّقة١
٨
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يقول: يحجر عليها العذاب، ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ يعني: نفسها ﴿إن كان﴾ هلالُ ﴿من الصادقين﴾، ففرّق بينهما، فذلك قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾، ثم قامت المرأةُ حين قام زوجُها، فقالت: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إنّ زوجي لَمِن الكاذبين، وإنّ الحَبَل منه. ثم شهدت الثانية بالله الذي لا إله إلا هو: إنّ زوجي لمن الكاذبين، وما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن ريبة. ثم شهدت الثالثة بالله الذي لا إله الا هو: إن زوجي لمن الكاذبين. ثم شهدت الرابعة بالله الذي لا إله إلا هو: إن زوجي لمن الكاذبين١
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ بالزِّنا، ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم﴾ يعني: الزوج ﴿أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ويدرؤا عنها العذاب﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعدُ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان﴾ زوجُها ﴿من الصادقين﴾ في قوله١
أحكام متعلقة بالآية
٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع-: أنّ رسول الله ﷺ فرَّق بين المتلاعنَينِ، وألحق الولدَ بالأُمِّ١
٢
عن عمر بن الخطاب -من طريق إبراهيم- قال: لا يجتمع المتلاعنان أبدًا١
٣
عن علي [بن أبي طالب]-من طريق زر بن حبيش-، وابن مسعود -من طريق شقيق بن سلمة-، مثله١
٤
عن عطاء -من طريق الحجاج بن أرطاة-: إن أكْذَبَ نفسَه قبل أن يفرغا مِن الملاعنة جُلِد حدُّ القاذف ثمانين، وهي امرأته١
٥
قال مقاتل بن سليمان: والملاعنان يفترقان، فلا يجتمعان أبدًا، وإن صدَّقَت زوجَها لم يتلاعنا، فإن كان زوجُها جامعها بعد الدخول بها رُجِمَت، ويرثها زوجُها، وإن كان لم يُجامعها جُلِدَت مائة، وهي امرأته، وإن كان الزوجُ رجع عن قوله قبل أن يفرغا مِن الملاعنة جُلِد ثمانين جلدة، وكانت امرأتُه كما هي١
٦
قال يحيى بن سلّام: وإن كان لاعنها في إنكار ولدها أُلْحِق الولدُ بها، وهي عَصَبَتُه وعَصَبَتُها بعدها. وإن أكذب نفسَه، وقد بقي من الملاعنة شيءٌ؛ جُلِد حدُّ القذف، وهي امرأتُه، والولد له. وإن أكذب نفسه بعد اللعان جُلِد، ولا سبيل له عليها. قال بعضهم: ويلحق الولد به، أبو بكر بن عياش، عن المغيرة، عن إبراهيم [النخعي]، قال: إذا لاعن الرجلُ امرأتَه، ثم أكذبَ نفسَه؛ جُلِد، ورُدَّ إليه ولدُه. ولا يلاعن الرجل امرأتَه الأمة، ولا اليهودية، ولا النصرانية. وإن أنكر الرجلُ ولدَه من اليهودية أو النصرانية لزمه الولد، وإن أنكر ولده مِن الأمة -بعد ما أقرَّ به مرةً واحدة- لزمه الولد. وإذا قذف الرجلُ امرأته الحُرَّة قبل أن يدخل بها، ثم ارتفعا إلى السلطان؛ تلاعنا. وإذا طلق الرجل امرأته الحُرَّة واحدة أو اثنتين، ثم قذفها؛ تلاعنا ما كانت في العدة إن ارتفعا إلى السلطان١
آثار متعلقة بالآية
٦ أقوال
١
عن أبي هريرة، قال: لَمّا نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة: لو أنِّي لو رأيتُ أهلي ومعها رجل أنتظر حتى آتي بأربعة؟! قال رسول الله ﷺ: «نعم». قال: والذي بعثك بالحقِّ، لو رأيتُه لعاجلتُه بالسيف. فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، اسمعوا ما يقولُ سيِّدُكم! إنّ سعدًا لَغيور، وأنا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ مِنِّي»١
٢
عن أبي هريرة، أنّه سمِع رسولَ الله ﷺ يقول حين نزلت آيةُ الملاعنة: «أيما امرأةٍ أدْخَلَتْ على قوم ما ليس منهم فليست مِن الله في شيء، ولن يُدخلها اللهُ جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجَبَ اللهُ منه يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين»١
٣
عن جابر بن عبد الله، قال: ما نزلت آية التَّلاعُنِ إلا لكثرة السؤال١
٤
عن سعيد بن المسيب -من طريق داود بن أبي هند- قال: وجَبَتِ اللعنةُ على أكذبهما١
٥
عن عامر الشعبي -من طريق بيان- قال: اللِّعانُ أعظمُ مِن الرَّجْم١
٦
قال محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مالك-: فكانت تلك سُنَّة المتلاعنَيْن١
نزول الآية
١٦ قولًا
١
عن سهل بن سعد، قال: جاء عُوَيْمِر إلى عاصم بن عدِيٍّ، فقال: سَل رسول الله ﷺ: أرأيتَ رجلًا وجَد معَ امرأته رجلًا، فقتله، أيُقْتَل به، أم كيف يُصْنَع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ، فعاب رسول الله ﷺ المسائل، فلقيه عُوَيْمِر، فقال: ما صنعت؟ قال: إنك لم تأتني بخير؛ سألتُ رسول الله ﷺ، فعاب المسائل. فقال عويمر: واللهِ، لآتينَّ رسول الله ﷺ، ولأسألنه. فأتاه، فوجده قد أُنزِل عليه، فدعا بهما، فلاعن بينهما، قال عُوَيْمِر: إن انطلقت بها -يا رسول الله- لقد كذبت عليها. ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ، فصارت سُنَّة المتلاعنَين، فقال رسولُ الله ﷺ: «أبصِروها؛ فإن جاءت به أسْحَم١، أدعَج العينين٢، عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أُحَيْمِر، كأنّه وحَرة٣، فلا أراه إلا كاذبًا». فجاءت به على النعت المكروه٤
٢
عن أنس، قال: لَأولُ لعانٍ كان في الإسلام أنّ شريك بن سَحْماء قذفه هلالُ بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أربعة شهود، وإلا فحَدٌّ في ظهرك». فقال: يا رسول الله، إنّ الله ليعلم أنِّي لصادق، ولَيُنزِلَنَّ الله ما يُبَرِّىء به ظهري مِن الجلد. فأنزل الله آية اللعان: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى آخر الآية. فدعاه النبيُّ ﷺ، فقال: «اشهد بالله أنّك لَمِن الصادقين فيما رميتها به مِن الزِّنا». فشهد بذلك أربعَ شهادات بالله، ثم قال له في الخامسة: «ولعنة الله عليك إن كنت مِن الكاذبين فيما رميتها به مِن الزنا». ففعل، ثم دعاها رسول الله ﷺ، فقال: «قُومي، فاشهدي بالله أنّه لمن الكاذبين فيما رماك به مِن الزنا». فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: «وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به مِن الزنا». فقالت، فلما كان في الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائرَ اليوم. فمَضَت على القول، ففَرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما، وقال: «انظروا؛ فإن جاءت به جَعْدًا، حَمْشَ الساقين١؛ فهو لشريك بن سَحْماء، وإن جاءت به أبيض، سبطًا، قَضِيء العينين٢؛ فهو لهلال بن أمية». فجاءت به آدم، جعدًا، حمش الساقين، فقال رسول الله ﷺ: «لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن»٣
٣
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنّ رجلًا مِن الأنصار مِن بني زريق قذف امرأتَه، فأتى النبيَّ ﷺ، فرَدَّد ذلك عليه أربع مرات، فأنزل الله آيةَ الملاعنة، فقال رسول الله ﷺ: «أين السائل؟ قد نزل مِن الله أمر عظيم». فأبى الرجلُ إلا أن يلاعنها، وأبت إلا أن تَدْرَأَ عن نفسها العذاب، فتلاعنا، فقال رسول الله ﷺ: «إمّا تجيء به أُصَيْفِر، أحْمَش، مفتول العظام؛ فهو للمُلاعِن، وإما تجيء به أسود، كالجمل الأوَرْق١؛ فهو لغيره». فجاءت به أسود كالجمل الأورق، فدعا به رسولُ الله ﷺ، فجعله لعَصَبَة أمه، وقال: «لولا الأيمان التي مَضَتْ لكان فيه كذا وكذا»٢
٤
عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «لو رأيتَ مع أمِّ رَوْمان رجلًا ما كنتَ فاعلًا به؟». قال: كنت -واللهِ- فاعلًا به شَرًّا. قال: «فأنت، يا عمر؟». قال: كنت -واللهِ- قاتلَه. فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾١
٥
عن حذيفة بن اليمان -من هذا الطريق- نحوه، وزاد بعد قوله: كنت قاتلَه. قال: «فأنتَ، يا سهيل ابن بيضاء». قال: كنت أقول: لعن الله الأبعدَ؛ فهو خبيث، ولعن الله البُعْدى؛ فهي خبيثة، ولعن الله أولَ الثلاثة أخبرَ بهذا. فقال رسول الله ﷺ: «تأولتَ القرآن، يا ابن بيضاء: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾»١
٦
عن زيد بن يُثيع، أنّ النبي ﷺ قال لأبي بكر: «أرأيتَ لو وجدت مع أهلك رجلًا كيف كنت صانعًا؟» قال: إذن لقتلته. ثم قال لعمر، فقال مثل ذلك، ثم تتابع القومُ على قول أبي بكر وعمر، ثم قال لسهيل ابن البيضاء، قال: كنت أقول: لعنكِ الله؛ فأنت خبيثة، ولعنكَ الله؛ فأنت خبيث، ولعن الله أولَ الثلاثةِ مِنّا يُخرج هذا الحديث. فقال رسول الله ﷺ: «تأولت القرآن، يا ابن البيضاء، لو قتله قُتِل به، ولو قذفه جُلِد، ولو قذفها لاعنها»١
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: لَمّا نزلت ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ قال سعد بن عبادة: الله! إن أنا رأيت لَكاع مُتَفَخِّذها رجلٌ، فقلتُ بما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة، قد ذهب؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيِّدُكم؟». قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمْهُ. وذكروا مِن غيرته: فما تَزَوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجع فيها أحدٌ مِنّا. فقال رسول الله ﷺ: «فإنّ الله يأبى إلا ذاك». فقال: صدق اللهُ ورسوله. قال: فلم يلبثوا أن جاء ابنُ عمٍّ له، فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال: لا، واللهِ، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنتُ، ولقد استسْمعَتُ حتى استشْفَيتُ. قال: فأنزل اللهُ القرآنَ باللِّعان، فقيل له: احلِف. فحلف، قال: «قِفوه عند الخامسة؛ فإنّها مُوجِبة». فقال: لا يُدْخِلُه اللهُ النارَ بهذا أبدًا، كما درأ عنه جَلْدَ ثمانين؛ لقد نظرتُ حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيتُ. فحلف، ثم قيل لها: احلفي. فحلفت، ثم قال: «قفوها عند الخامسة؛ فإنها موجبة». فقيل لها: إنها مُوجِبة. فتَلَكَّأت ساعة، ثم قالت: لا أُخْزِي قومي. فحلفت، فقال رسول الله ﷺ: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للَّذي قيل فيه ما قيل». قال: فجاءت به غلامًا كأنّه جملٌ أوْرَق، فكان بعدُ أميرًا بمصر، لا يُعْرَف نسبُه، أو لا يُدْرى مَن أبوه١
٨
قال مقاتل بن سليمان: قرأ النبيُّ ﷺ هاتين الآيتين١ في خطبة يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري للنبي ﷺ: جعلني الله فداك، لو أنّ رجلًا مِنّا وجد على بطن امرأته رجلًا، فتكلَّم جُلِد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة في المسلمين أبدًا، ويسميه المسلمون فاسقًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فقد فرغ الرجلُ من حاجته. فأنزل الله عز وجل في قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ إلى ثلاث آيات. فابتلى الله عز وجل عاصمًا بذلك في يوم الجمعة الأخرى، فأتاه ابنُ عمِّه عُوَيْمِر الأنصاري من بني العجلان بن عمرو بن عوف، وتحته ابنة عمه أخي أبيه، فرماها بابنِ عمِّه شريك بن السحماء، والخليل والزوج والمرأة كلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم عاصم، فقال: يا عاصم، لقد رأيت شَرِيكًا على بطن امرأتي. فاسترجع عاصِم، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: أرأيتَ سؤالي عن هذه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، فقد ابتُلِيت بها في أهل بيتي. فقال النبيُّ ﷺ: «وما ذاك، يا عاصم؟». فقال: أتاني ابنُ عمِّي، فأخبرني أنّه وجد ابنَ عمٍّ لنا على بطن امرأته. فأرسل النبيُّ ﷺ إلى الزوج والخليل والمرأة، فأتوه، فقال النبي ﷺ لزوجها عويمر: «ويحكَ! اتَّقِ الله عز وجل في خليلتك وابنةِ عمِّك أن تقذفها بالزنا». فقال الزوج: أقسم لك بالله عز وجل أنِّي رأيته معها على بطنها، وإنها لَحُبْلى منه، وما قربتها منذُ أربعة أشهر. فقال النبيُّ ﷺ للمرأة -خولة بنت قيس الأنصارية-: «ويحكِ! ما يقولُ زوجُكِ؟». قالت: أحلف بالله إنه لكاذب، ولكنه غار، ولقد رآني معه نُطِيل السَّمَر بالليل، والجلوس بالنهار، فما رأيت ذلك في وجهه، وما نهاني عنه قطُّ. فقال النبيُّ ﷺ للخليل: «ويحكَ! ما يقول ابنُ عمِّك؟». فحدَّثه مثلَ قولها، فقال النبيُّ ﷺ للزوج والمرأة: «قوما، فاحلفا بالله عز وجل». فقام الزوج عند المنبر دُبُرَ صلاة العصر يوم الجمعة، وهو عويمر بن أُمَيَّة، فقال: أشهد بالله أنّ فلانة زانية -يعني: امرأته خولة-، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثانية: أشهد بالله أن فلانة زانية، ولقد رأيت شريكًا على بطنها، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثالثة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وإنها لَحُبلى من غيري، وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وما قربتها منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين. ثم قال الخامسة: لعنة الله على عويمر، إن كان من الكاذبين عليها في قوله. ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾. ثم قامت خولة بنت قيس الأنصاري مقام زوجها، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الثانية: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى شريكًا على بطني، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الثالثة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإني لَحُبلى منه، وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت الرابعة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن رِيبَة ولا فاحشة، وإنّ زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الخامسة: غضِب اللهُ على خولة إن كان عويمرًا مِن الصادقين في قوله. ففرَّق النبيُّ بينهما، فذلك قوله عز وجل: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعد ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان﴾ زوجها ﴿من الصادقين﴾ في قوله، وكان الخليلُ رجلًا أسود ابن حبشية، فقال النبي ﷺ: «إذا ولَدَتْ فلا تُرضِع ولدَها حتى تأتوني به». فأتوه بولدها، فإذا هو أشبه الناس بالخليل، فقال النبيُّ ﷺ: «لولا الأيمان لكان لي فيهما أمْر»٢٣
٩
عن عبد الله بن مسعود، قال: كُنّا جلوسًا عَشِيَّة الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ! واللهِ، لَئِن أصبحتُ صالِحًا لأسألنَّ رسول الله ﷺ. فسأله، فقال: يا رسول الله، أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ! اللهُمَّ، احكم. فنزلت آيةُ اللعان، فكان ذلك الرجل أول مَن ابتُلِي به١
١٠
عن عاصم بن عدي -من طريق الشعبي- قال: لَمّا نزلت: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية؛ قُلتُ: يا رسول الله، إلى أن يأتي الرجلُ بأربعة شهداء قد خرج الرجل! فلم ألبث إلا أيامًا فإذا ابنُ عمٍّ لي معه امرأتُه ومعها ابنٌ، وهي تقول: منك. وهو يقول: ليس مِنِّي. فنزلت آيةُ اللعان. قال عاصم: فأنا أولُ مَن تكلَّم به، وأول مَن ابتُلِي به١
١١
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنّ عاصم بن عدي لما نزلت: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾؛ قال: يا رسول الله، أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه١
١٢
عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية؛ قال سعد بن عبادة -وهو سيِّد الأنصار-: أهكذا أُنزِلت، يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيِّدُكم؟!». قالوا: يا رسول الله، لا تُلْمُه؛ فإنّه رجل غيور، واللهِ، ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكْرًا، وما طلَّق امرأةً له قطُّ فاجترأ رجلٌ مِنّا على أن يتزوجها مِن شدة غيرته. فقال سعد: واللهِ، يا رسول الله، إنِّي لأعلم أنها حقُّ، وأنّها من الله، ولكني تعجبتُ أنِّي لو وجدت لَكاعًا١ قد تَفَخَّذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيجه ولا أُحَرِّكه حتى آتي بأربعة شهداء! فواللهِ، لا آتي بهم حتى يقضي حاجتَه. قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء مِن أرضه عِشاءً، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينه، وسمع بأذنيه، فلم يُهِجْه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني جئتُ أهلي عِشاءً، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني. فكَرِه رسول الله ﷺ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلِينا بما قال سعدُ بن عبادة، الآن يضرب رسولُ الله ﷺ هلالَ بنَ أمية، وتَبْطُل شهادتُه في المسلمين. فقال هلال: واللهِ، إنِّي لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أرى ما اشْتَدَّ عليك مِمّا جئت بهُ، واللهُ يعلمُ أنّي لَصادق. فواللهِ، إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله ﷺ الوحيُ، وكان إذا نزل عليه الوحيُ عرفوا ذلك في تَرَبُّد٢ جلده، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية، فسُرِّي عن رسول الله ﷺ، فقال: «أبشِرْ، يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا». فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربِّي. فقال رسول الله ﷺ: «أرسلوا إليها». فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكَّرهما، وأخبرهما أنّ عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: واللهِ، يا رسول الله، لقد صدقتُ عليها. فقالت: كَذَب. فقال رسول الله ﷺ: «لاعِنوا بينهما». فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل لهلال: اتَّقِ الله، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، وإنّ هذه المُوجِبَة التي تُوجِب عليك العذاب. فقال: واللهِ، لا يُعَذِّبني اللهُ عليها كما لم يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي. فشهدتْ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت في الخامسة قيل لها: اتَّقي الله، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإنّ هذه المُوجِبة التي تُوجِب عليك العذاب. فتَلَكَّأتْ ساعةً، وقالت: واللهِ، لا أفضح قومي. فشهدت في الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما، وقضى أنّه لا يُدعى لأبٍ، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدها مِن أجل الشهادات الخمس، وقضى رسول الله ﷺ أنّه ليس لها قوت ولا سكنى ولا عِدَّة؛ من أجل أنّهما تَفَرَّقا مِن غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها٣
١٣
عن ابن عباس: أنّ هلال بن أمية قذَفَ امرأته عند النبيِّ ﷺ بشَرِيك بن سَحْماء، فقال النبيُّ ﷺ: «البَيِّنة، وإلا حَدٌّ في ظهرك». فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة! فجعل رسول الله ﷺ يقول: «البينة، وإلا حدٌّ في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحقِّ، إنِّي لَصادق، وليُنزِلَنَّ اللهُ ما يبرىء ظهري من الحد. فنزل جبريل، فأنزل الله عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ: ﴿إن كان من الصادقين﴾. فانصرف النبيُّ ﷺ، فأرسل إليهما، فجاء هلال، فشهد، والنبي ﷺ يقول: «الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟». ثم قامت، فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنّها مُوجِبة. فتَلَكَّأَتْ ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائِرَ اليوم. فمضت، فقال النبيُّ ﷺ: «أبصِروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين، سابِغ الألْيَتَيْن١، خَدَلَّج٢ الساقين فهو لِشريك بن سَحْماء». فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: «لولا ما مضى مِن كتاب الله لكان لي ولها شأن»٣
١٤
عن عبد الله بن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فرمى امرأته برجل، فكَرِه ذلك رسولُ الله ﷺ، فلم يزل يُرَدِّده حتى أنزل الله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾، حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما، فدعاهما، فقال: «إنّ الله قد أنزل فيكما». فدعا الرجلَ، فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فِيه، فوعظه، فقال له: «كل شيء أهون عليك مِن لعنة الله». ثم أرسله، فقال: لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين. ثم دعا بها، فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين. ثم أمر بها فأمسك على فيها، فوعظها، وقال: «ويحكِ! كلُّ شيء أهونُ عليك مِن غضب الله». ثم أُرسِلَتْ، فقالت: غضب الله عليها إن كان مِن الصادقين١
١٥
عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، فقال: إنّ امرأتي زَنَتْ. وسكتَ رسولُ الله ﷺ كأنّه مُنَكَّس في الأرض، ثم رفع رأسَه، فقال: «قد أنزل اللهُ فيك وفي صاحبتِكَ، فائْتِ بها». فجاءت، فقال: «قم فاشهد أربع شهادات». فقام، فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فقال له: «ويلك -أو: ويحك-؛ إنّها مُوجِبة». فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قامت امرأته فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، ثم قال: «ويلك -أو: ويحك-؛ إنها موجبة». فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم قال له: «اذهب، لا سبيل لك عليها». فقال: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مال لك؛ إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ مِن فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها»١
١٦
عن سعيد بن جبير، قال: سُئِلت عن المتلاعنَينِ أيُفَرِّق بينهما؟ فما دَرَيْتُ ما أقول، فقُمْت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيُفَرَّق بينهما؟ فقال: سبحان الله! نعم، إنّ أول مَن سأل عن ذلك فلانُ بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ يرى امرأته على فاحشة، فإن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك! فسكت فلم يُجِبه، فلمّا كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيت به. فأنزل اللهُ هذه الآية في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. فبدأ بالرجل، فوَعَظَه وذَكَّره، وأخبره أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق، ما كَذَبْتُك. ثم ثَنّى بالمرأة، فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ، إنّه لَكاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله أنه لَمِن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهِدت أربع شهادات بالله أنّه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين١