سورة البقرة | الآية ٢٣

عرض السورة
التَّفسير

ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
خارت عزيمته، وفترت همته.
هذا، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التي تدعو إلى توحيد الله، وتنهى عن الإشراك، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم عند الله؟ (قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك).
قال الإمام ابن كثير: وهذه الآية دالة على توحيده- تعالى- بالعبادة وحده لا شريك له، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل:
ما الدليل على وجود الله- تعالى-؟ فقال: يا سبحان الله!! إن البعر ليدل على البعير وإن أثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير) «١».
وبعد أن ساق- سبحانه- في هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة على وحدانية الله ونفى عقيدة الشرك، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر فقال- تعالى-:

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)
ففي هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزأى الإيمان، وهو صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم في رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو وحدانية الله- تعالى- وعظيم قدرته.
والمعنى: إن رتبتم أيها المشركون في شأن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد على مهل وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله في سمو الرتبة، وعلو الطبقة واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون، ليساعدوكم في مهمتكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم.
(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٥٨.
— 74 —
والمقصود بقوله:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنانفى الريب عن المنزل عليه وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم بنفيه عن المنزل وهو القرآن الكريم.
والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم هو الارتياب في شأنه، أو للتنبيه على أن كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند الله- تعالى-.
وعبر بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ولم يقل: وإن ارتبتم فيما نزلنا، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أى شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم.
وأتى بإن المفيدة للشك مع أن كونهم في ريب مما نزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد، وتوبيخا لهم على وضعهم الأمور في غير مواضعها.
ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.
وقال نَزَّلْنا دون أنزلنا، لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما في مدة تزيد على عشرين سنة.
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: لم قيل: (مما نزلنا) على لفظ التنزيل دون الإنزال؟
قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا القرآن من عند الله، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة، وآيات عقب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة... فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهاتوا نجما فردا من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفترقات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل) «١» اهـ ملخصا.
والمراد بالعبد في قوله- تعالى-: عَلى عَبْدِنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وفي إضافته إلى الله- تعالى- تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به.
وفي ذكره صلّى الله عليه وسلّم باسم العبودية، تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٩٧.
— 75 —
ألوهيته كما غالت بعض الفرق في تعظيم أنبيائها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم.
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات، والضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل وهو القرآن.
والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة.
وقيل: إن الضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل عليه القرآن، وهو النبي صلّى الله عليه وسلّم ولكن الرأى الأول أرجح.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه:
أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في سورة يونس من قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ...
وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن، لأنه قال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا.. فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى، وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله.
وثالثها: أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين، أما لو كان عائدا إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمى، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد. والقارئ لا يكون مثل الأمى، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.
ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن مما لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان هذا أولى) «١».
وقوله- تعالى-: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ معطوف على قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ.
وادعوا: من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى: نادوهم.
وشهداءكم: أى: آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم
(١) تفسير الفخر الرازي ج ١ ص ٢٢٢.
— 76 —
تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل: الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمى به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور.
ودون: بمعنى غير: وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أى: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل: زيد دون عمرو أى: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر.
قال الجمل: (والمعنى) : وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتى بمثله إلا الله.. ، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة «١»... ).
وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد، وفي تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، في كل ذلك أقوى ألوان التهكم، لكي يثير في نفوسهم من الألم ما قد يكون سببا لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم.
وقوله- تعالى-: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جملة معترضة في آخر الكلام وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة.
والمعنى: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجميع البشر ليعينوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.
وفي هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرض بعدم صدقهم، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.
ثم قال- تعالى-: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ.
المعنى: فإن لم تفعلوا أى: تعارضوا القرآن، وتبين لكم أن أحدا لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة».
والوقود: ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة: الأصنام التي كانوا
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٨.
— 77 —
يعبدونها من دون الله كما قال- تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ.
واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جيء ب «إذا» الذي للوجوب دون «ان» الذي للشك؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه:
إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به «١».
وقال: فإن لم تفعلوا، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله، لأن قوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا جار مجرى الكناية التي تعطى اختصارا ووجازة تغنى عن طول المكنى عنه، ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا. فيقال لك: نعم ما فعلت.
وجملة وَلَنْ تَفْعَلُوا جملة معترضة بين الشرط والجزاء، جيء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته. فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها في الحال.
قال الإمام الرازي: (فإن قيل: فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ قائما مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإنابة اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار) «٢».
ومعنى أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيئت لهم، لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين- أيضا لأنه يريد بذلك نارا مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال- تعالى- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ١٠١.
(٢) تفسير الفخر الرازي ج ١ ص ٢٢٤.
— 78 —
وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به، فكان معجزة) «١».
وقال بعض العلماء: (هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدى الكافرين بالتنزيل الكريم). وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة القصص:
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وقال في سورة الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وقال في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم أيضا في المدينة بهذه الآية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ.. إلخ. فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال... ومع هذا فلم يتصد لمعارضة القرآن منهم أحد، ولم ينهض- لمقدار سورة منه- ناهض من بلغائهم، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضارة والمضادة. وقد جرد لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم الحجة أولا، والسيف آخرا فلم يعارضوا إلا السيف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة، وبذلك يظهر أن في قوله- تعالى- وَلَنْ تَفْعَلُوا معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا....
وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر.... فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله «٢»...
وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من نعيم
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ١٠٢.
(٢) تفسير القاسمى ج ٢ ص ٧٧.
— 79 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب