سورة البقرة | الآية ٢٣

عرض السورة
التَّفسير

ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
ثناؤه عني بقوله:"وأنتم تعلمون" أحدَ الحزبين، بل مُخرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافةً لهم، لأنه تحدَّى الناس كلهم بقوله:"يا أيها الناس اعبدُوا ربكم" - أن يكون تأويلُهُ ما قاله ابنُ عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف، عالم بوحدانية الله (١)، وأنه لا شريكَ له في خلقه، يُشرِك معه في عبادته غيرَه، كائنًا من كان من الناس، عربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا أو أميًّا، وإن كان الخطابُ لكفار أهل الكتابِ الذين كانوا حَواليْ دَار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفاق منهم، وممن بينَ ظَهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النفاق بمقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾


قال أبو جعفر: وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه محمد ﷺ على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب وضُلالهم، الذين افتتح بقصَصهم قولَه جل ثناؤه:"إنّ الذين كفروا سَواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، وإياهم يخاطب بهذه الآيات، وضُرباءَهم يَعني بها (٢)، قال الله جلّ ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين، في شكٍّ -وهو الريب- مما نزّلنا على عبدنا محمد ﷺ من النور والبرهان وآيات الفرقان: أنه من عندي، وأنّي الذي أنزلته إليه، فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول، فأتوا بحجة تدفع حُجته، لأنكم تعلمون أن حجةَ كلّ ذي نبوّة على صدقه في دعوَاه النبوة: أن يأتي ببرهان يَعجز عن أن يأتيَ بمثله جَميعُ الخلق. ومن حجة محمد ﷺ على صدقه، وبُرْهانه على حقيقة نبوته (٣)، وأنّ ما جاء به من عندي - عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثله. وإذا عَجزتم عن ذلك -وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والذَّرابة (٤) - فقد علمتم أن غيركم عما عَجزتم عنه من ذلك أعْجزُ. كما كانَ برهانُ من سَلف من رُسلي وأنبيائي على صدْقه، وحُجتهُ على نبوته من الآيات، ما يَعجز عن الإتيان بمثله جميعُ خلقي. فيتقرر حينئذ عندكم أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه، لأنّ ذلك لو كان منه اختلافًا وتقوُّلا لم تعجزوا وجميع خلقي عن الإتيان بمثله. لأن محمدًا ﷺ لم يَعْدُ أن يكون بَشرًا مثلكم، وفي مثل حالكم في الجسم وبَسطة الخلق وذرَابة اللسان - فيمكن أن يُظنّ به اقتدارٌ على ما عَجزْتم عنه، أو يتوهم منكم عجزٌ عما اقتدر عليه.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"فأتوا بسورَة من مثله".
٤٩١- فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فأتوا بسورة من مثله"، يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب.
٤٩٢- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا
(١) في المخطوطة: "من أنه معنى بذلك.. "، وهما سواء.
(٢) في المطبوعة: "وأخبر بأهم نعوتها"، وهي في المخطوطة"+وحرناهم تعنى بها" غير منقوطة ولا بينة، فاختار المصححون لها قراءة لا تحمل معنى! والضرباء: جمع ضريب؛ فلان ضريب فلان: نظيره أو مثله.
(٣) في المطبوعة: "وبرهانه على نبوته".
(٤) في المطبوعة: "والدارية"، ولا معنى لها هنا، وستأتي بعد أسطر على الصواب. والذرابة: الحدة في كل شيء، وحدة اللسان وفصاحته ولدده. ذرب الرجل يذرب ذربًا وذرابة: فصح وصار حديد اللسان، فهو ذرب اللسان (بفتح الذال وكسر الراء).
— 373 —
مَعمر، عن قتادة في قوله:"فأتوا بسورة من مثله"، يقول: بسورة مثلِ هذا القرآن (١).
٤٩٣- حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد:"فأتوا بسورة من مثله"، مثلِ القرآن.
٤٩٤- حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٩٥- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"فأتوا بسورة مِنْ مثله"، قال:"مثله" مثلِ القرآن (٢).
فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما (٣) : أن الله جلّ ذكره قال لمن حاجَّه في نبيه محمد ﷺ من الكفار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.
وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله:"فأتُوا بسورة من مثله"، من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم (٤).
قال أبو جعفر: والتأويل الأول، الذي قاله مجاهد وقتادة، هو التأويل الصحيح. لأن الله جَل ثناؤه قال في سُورة أخرى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) [سورة يونس: ٣٨]، ومعلومٌ أنّ السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه، فيجوزُ أنْ يقال: فأتُوا بسورة مثل محمد.
فإن قال قائل: إنك ذكرتَ أن الله عني بقوله (٥) "، فأتوا بسورة من مثله"،
(١) الأثر ٤٩٢- في الدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠.
(٢) الآثار ٤٩٣ - ٤٩٥ في الدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠، وابن كثير ١: ١٠٨.
(٣) في المطبوعة: "اللذين ذكرنا عنهما".
(٤) يعني فأتوا بسورة من عند بشر مثل محمد.
(٥) في المطبوعة: "إنك ذكرت"، بغير فاء.
— 374 —
من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فيقال: ائتوا بسورة من مثله؟
قيل: إنه لم يعنِ به: ائتُوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باينَ بها سائرَ الكلام غيرَه، وإنما عنى: ائتوا بسورة من مثله في البيان، لأنّ القرآن أنزله الله بلسان عربيّ، فكلام العرب لا شك له مثلٌ في معنى العربية. فأمّا في المعنى الذي باين به القرآن سائرَ كلام المخلوقين، فلا مثلَ له من ذلك الوجه ولا نظيرَ ولا شبيه.
وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه عليهم لنبيه ﷺ بما احتج به لهُ عليهم من القرآن (١)، إذْ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان، إذْ كان القرآن بيانًا مثلَ بيانهم، وكلامًا نزل بلسانهم، فقال لهم جلّ ثناؤه: وإن كنتم في رَيب من أنّ ما أنزلتُ على عَبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية، إذْ كنتم عربًا، وهو بيانٌ نظيرُ بيانكم، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم. فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظيرُ اللسان الذي نزل به القرآن، فيقدِرُوا أن يقولُوا: كلفتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به، وإنا لا نقدر على الإتيان به لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به، فليس لك علينا بهذا حجة (٢). لأنا - وإن عَجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنّا لسنا من أهله (٣) - ففي الناس خلقٌ كثير من غير أهل لساننا يقدرُ على أن يأتيَ بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنكم (٤)، وأنتم - إن كان محمدٌ اختلقه وافتراه، إذا اجتمعتم وتظاهرتُم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم -
(١) في المطبوعة: "بما احتج له عليهم"، أسقط"به".
(٢) في المطبوعة: "حجة بهذا" على التأخير.
(٣) في المطبوعة: "لسنا بأهله".
(٤) في المطبوعة: "ألسنتكم".
— 375 —
أقدرُ على اختلاقه ورَصْفِه وتأليفه من محمد ﷺ (١)، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه، فلن تعجزوا -وأنتم جميعٌ- عما قدَر عليه محمدٌ من ذلك وهو وحيدٌ (٢)، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أنّ محمدًا افتراه واختلقه، وأنه من عند غيرِي.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾
فقال ابن عباس بما:
٤٩٦- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عباس:"وادعوا شُهداءكم من دون الله"، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، إن كنتم صادقين.
٤٩٧- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"وادعوا شُهداءكم"، ناس يَشهدون.
٤٩٨- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٩٩- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.
(١) يقول: "وأنتم... أقدر على اختلاقه.. "، مبتدأ وخبر، وما بينهما فصل. وفي المطبوعة مكان"ورصفه"، "ووضعه". والرصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه وإحكامه حتى يستوي. ومنه: كلام رصيف: أي محكم لا اختلاف فيه.
(٢) في المطبوعة"وهو وحده"، وهذه أجود.
— 376 —
٥٠٠- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"وادعوا شهداءكم"، قال: ناس يشهدون. قال ابن جُريج:"شهداءكم" عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه، مثل القرآن (١).
وذلك قول الله لمن شكّ من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله"فادعوا"، يعني: استنصروا واستغيثوا (٢)، كما قال الشاعر:
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ... دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ (٣)
يعني بقوله:"دعوْا يالكعب"، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (٤).
وأما الشهداء، فإنها جمعُ شهيد، كما الشركاء جمع شريك (٥)، والخطباء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهدُ على الشيء لغيره بما يحقِّق دَعواه. وقد يسمَّى به المشاهِدُ للشيء، كما يقال: فلان جليسُ فلان -يعني به مُجالسَه، ونديمه - يعني به مُنادِمَه، وكذلك يقال: شهيده - يعني به مُشاهِدَه.
فإذا كانت"الشهداء" محتملةً أن تكون جمعَ"الشهيد" الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفتُ، فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم، إن كنتم مُحقّين في جُحودكم أنّ ما جاءكم به محمد ﷺ اختلاق وافتراء، لتمتحنوا أنفسكم وغيرَكم: هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من
(١) الآثار ٤٩٦ - ٥٠٠: في ابن كثير ١: ١٠٨ بعضها، والدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠، وفي المخطوطة في بعض المواضع: "أناس" مكان"ناس"، وهما سواء.
(٢) في المطبوعة: "واستعينوا"، وهما متقاربتان، والأولى أجود، وهي كذلك في معاني القرآن للفراء ١: ١٩.
(٣) البيت للراعي النميري، اللسان (عزا). واعتزي: انتسب، ودعا في الحرب بمثل قوله: يا لفلان، أو يا للمهاجرين، أو يا للأنصار، والاسم العزاء والعزوة، وهي دعوى المستغيث.
(٤) في المطبوعة: "واستعانوا"، كما سلف في أختها قبل.
(٥) في المطبوعة: "كالشركاء".
— 377 —
مثله، فيقدرَ محمد على أن يأتي بجميعه من قِبَل نَفسه اختلاقًا؟
وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك، فلا وجه له. لأن القوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهلَ نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به، لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين (١). فأما أهلُ النفاق والكفر، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم (٢)، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن (٣) ؟
ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [سورة الإسراء: ٨٨]، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى:"وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين". يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة
(١) قوله"من المؤمنين" متعلق بقوله آنفًا "أن لهم شهداء.. "، يعني شهداء من المؤمنين. ثم فصل، لأن قوله"على حقيقة ما كانوا يأتون به.. " متعلق أيضًا، بشهداء.
(٢) في المطبوعة: "لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم". وتترع إلى الشيء: تسرع إليه، يقال في التسرع إلى الشر وما لا ينبغي. وما في المخطوطة"تتارعوا" صحيح في اشتقاق العربية، وإن لم تذكره المعاجم، وهو مثل تسرع وتسارع، سواء.
(٣) في المطبوعة"فمن أي الفرق.. "، وكلام الطبري استفهام واستنكار. لأن من المحال أن يشهد المؤمنون على هذا الباطل، والكفار وأهل النفاق يتسرعون إلى الشهادة بالباطل لإبطال الحق، فكان محالا أن يكون معنى"الشهداء" هنا: الذين يشهدون لهم، أن ما جاءوا به نظير ما جاء به رسول الله ﷺ من عند الله تعالى. وصار حتما أن يكون معنى"الشهداء": الذين يظاهرونهم ويعاونونهم، كما جاء في الآية التالية.
— 378 —

جامع البيان في تأويل آي القرآن

الطبري

عرض الكتاب