سورة الشعراء | الآية ١٧٧

عرض السورة
التَّفسير

ﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

التفسير المنير
وهبة الزحيلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
فأجاب الله دعاءه، ونجاه وأهل بيته ومن آمن معه أجمعين من العقاب الأليم الذي أنزله بهم، إلا امرأته العجوز بقيت في عذاب الله تعالى.
وكان العقاب الدنيوي هو الإهلاك بالخسف والحصب، أي بالزلزال والبركان، فأمطر الله عليهم الحجارة، بأن خسف جبريل عليه السلام بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة.
إن في ذلك لآية وأي آية، والعاقل من اتعظ بغيره، ولم يكن من قوم لوط مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه، والله قادر على الانتقام من أعدائه، وهو في الوقت نفسه رحيم بأوليائه المؤمنين.
القصة السابعة قصة شعيب عليه السلام مع قومه

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٧٦ الى ١٩١]

كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)
وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)
— 209 —
الإعراب:
الْأَيْكَةِ معرّف بالألف واللام، ومجرور بالإضافة، يقرأ بالهمزة وبتخفيفها، وهو الوجه ويقرأ بلام أصلية مفردة «ليكة» بالنصب: اسم بلد، على أنه ممنوع من الصرف للتعريف (العلمية) والتأنيث، ووزنه «فعلة». والواقع أن أصل: «ليكة» : الأيكة، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام تخفيفا ثم حذفت، فاستغني عن همزة الوصل، وصارت الكلمة «ليكة». وكتبت هنا وفي سورة «ص» بغير ألف اتباعا للفظ.
البلاغة:
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ إطناب لأن وفاء الكيل نهي عن الخسران.
المفردات اللغوية:
الْأَيْكَةِ غيضة شجر كثير ناعم ملتف، قرب مدين، بعث الله إلى أهلها شعيبا عليه السلام، كما بعث إلى مدين، ولم يكن منهم نسبا، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قال: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ولم يقل «أخوهم».
جاء في الحديث: «إن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم، وإلى أصحاب الأيكة».
أَوْفُوا الْكَيْلَ أتموه مِنَ الْمُخْسِرِينَ الناقصين حقوق الناس بالتطفيف.
بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ الميزان السوي أو العدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ لا تنقصوهم من حقهم شيئا وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي لا تفسدوا أشد الإفساد بالقتل والغارة وقطع الطريق، يقال: عثا في الأرض: أفسد فيها، ومُفْسِدِينَ حال مؤكدة لمعنى عاملها وَالْجِبِلَّةَ أي ذوي الجبلة، أي الخلقة والطبيعة، يقال: جبل فلان على كذا، أي خلق، والمراد: أنهم كانوا على خلقة عظيمة الْأَوَّلِينَ من تقدمهم من الخلائق الْمُسَحَّرِينَ المغلوبين على عقولهم بكثرة السحر.
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين متنافيين للرسالة، مبالغة في تكذيبه، أي المسحور البشر وَإِنْ نَظُنُّكَ إِنْ مخففة من الثقيلة، واسمها
— 210 —
محذوف، أي إنه لَمِنَ الْكاذِبِينَ في دعواك كِسَفاً جمع كسفة أي قطعة (وزنا ومعنى) والمراد قطع عذاب. الظُّلَّةِ السحابة التي أظلتهم بعد حر شديد أصابهم، فاجتمعوا تحتها، ثم أمطرتهم نارا فاحترقوا جميعا.
إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إلى قوله الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ هي مقالة الأنبياء السابقين نفسها.
المناسبة:
هذا آخر القصص السبع المذكورة في هذه السورة باختصار، تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم عما يلقاه من إعراض قومه، فيغتم ويحزن، وتهديدا للمكذبين به، وإعلاما باطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له استهزاء وعدم مبالاة به.
وهي قصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ومع أهل الأيكة، وهم قوم كانوا أصحاب غيضة وشجر وزرع وثمر، بعثه الله إليهم، لإصلاح الوضع الاجتماعي المتردي فيهم، وهو بخس الكيل والميزان وتطفيفه، والإفساد الشديد في الأرض، فنصحهم بإيفاء الكيل والميزان، وألا يعثوا في الأرض مفسدين، فكذبوه، فأهلكهم الله بعذاب يوم الظلة.
التفسير والبيان:
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أي كذب أصحاب الغيضة وهي الشجر الكثير الملتفّ، وكانت قرب مدين، وقال ابن كثير: «أصحاب الأيكة: هم أصحاب مدين على الصحيح» «١». كذبوا رسولهم الذي بعث إليهم، وهو شعيب عليه السلام.
(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤٥.
— 211 —
كذبوه حين قال لهم شعيب: ألا تتقون عذاب الله؟! بالإيمان به وبرسوله وبالامتناع عن معاصيه. ولم يقل «أخوهم شعيب» لأنه كما يرى الزمخشري والبيضاوي والرازي لم يكن منهم نسبا. ورأى ابن كثير أنه تعالى قطع نسب الأخوة بينه وبينهم، للمعنى الذي نسب إليهم وهو عبادة الأيكة وهي شجرة، وإن كان أخاهم نسبا.
وحثهم بإخلاص على اتباع رسالته مطمئنا لهم بصراحة أنه رسول إليهم مرسل من عند الله، أمين على تبليغ الرسالة بكاملها، فاتقوا الله وخافوه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وما أطلب منكم أجرا وجزاء ماديا أو معنويا كجاه أو سلطان أو رياسة على تبليغي الرسالة، فما جزائي إلا على الله الذي أرسلني إليكم.
نصحهم بهذه النصائح الأساسية في رسالته، ثم أمرهم بأشياء قائلا:
١- إيفاء الكيل والميزان: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ أي إذا بعتم فأتموا الكيل والميزان، ولا تكونوا ممن ينتقص الناس حقوقهم، وإذا اشتريتم فلا تزيدوا في الوزن والكيل طمعا بأموال الناس، كما لو بعتم، أي أن الواجب يقتضي المساواة في الأخذ والعطاء، فخذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون.
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ أي وزنوا بالميزان العادل السوي، ونظير الآية قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين ٨٣/ ١- ٤] فهذا نهي عن التطفيف في الكيل والوزن، يشمل المساواة في الأخذ والعطاء والبيع والشراء.
ثم نهاهم عن الظلم والبخس نهيا عاما في كل حق فقال:
— 212 —
٢- عدم إنقاص الحقوق: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي ولا تنقصوهم أموالهم أو حقوقهم في أي شيء مكيل أو موزون، مذروع أو معدود، فشمل كل المقادير، وأوجب العدل في المقاييس عامة، كيلا أو وزنا أو مساحة أو قدرا، كذلك شمل حقوقهم الأدبية والمعنوية كالحفاظ على الكرامة والعرض، قال الرازي: وهذا عام في كل حق يثبت لأحد ألا يهضم، وفي كل ملك ألا يغصب مالكه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا. ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض بجميع أنواعه فقال:
٣- عدم الإفساد: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي ولا تفسدوا أشد الإفساد في الأرض كقطع الطريق والغارة والنهب والسلب والقتل وإهلاك الزرع وغير ذلك من أنواع الفساد التي كانوا يفعلونها.
٤- تقوى الله: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ أي وخافوا بأس الله الذي تفضل عليكم بخلقكم وخلق من تقدمهم من ذوي الخلقة المتقدمين، من آبائهم الذين انحدروا منهم وكانوا في الظاهر سبب وجودهم وخلقهم، ومنهم أصحاب البأس والقوة والمال كقوم هود وقوم صالح. وهذا كما قال موسى عليه السلام سابقا: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء ٢٦/ ٢٦].
فأجابوه بالطعن في رسالته من ناحيتين، ثم بالاستخفاف بالوعيد والتهديد. أما الطعن فهو:
١- إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي ما أنت إلا رجل مسحور مغلوب على عقله، فلا يسمع لقولك، ولا يؤبه لنصحك. وهذا مثلما أجابت به ثمود رسولها، تشابهت قلوبهم، واتفقت منازع الكفر فيهم.
ثم قالوا له: إنك مثلنا بشر، فما الذي فضّلك علينا، وجعلك نبيا ورسولا دوننا؟!. وأتوا بالواو في قولهم وَما للتعبير عن قصدهم معنيين كلاهما مناف
— 213 —
للرسالة في تقديرهم: السحر والبشرية. وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا معنى واحدا، وهو كونه مسحرا، ثم قرروا كونه بشرا مثلهم.
٢- وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ أي ويغلب على ظننا أنك ممن تعمد الكذب فيما يقول، ولست ممن أرسلك الله إلينا.
وأما الاستخفاف بالتهديد فهو:
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي إن كنت صادقا في تهديدك ووعيدك بأننا سنعذب، فأنزل علينا قطعا من السحاب فيها نوازل العذاب. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب والعناد واستبعادهم وقوع العذاب. وبعبارة أخرى: إن كنت صادقا أنك نبي، فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء. والسماء: السحاب أو المظلة.
وهذا شبيه بما قالت قريش للنبي صلّى الله عليه وسلم فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى:
وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى أن قالوا: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء:
١٧/ ٩٠- ٩٢] وقوله سبحانه: وَإِذْ قالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال ٨/ ٣٢].
وهم بهذا ظنوا أنه إذا لم يقع العذاب ظهر كذبه، فأجابهم شعيب عليه السلام: قالَ: رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي قال شعيب: الله ربي أعلم بعملكم، فيجازيكم عليه، إما عاجلا وإما آجلا، وأما أنا فلا قدرة لي على إنزال العذاب، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به، وهو غير ظالم لكم.
وهذا دليل على أنه لم يدع عليهم، بل فوض الأمر في التعذيب إلى الله تعالى، فلما استمروا في التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظّلّة، فقال تعالى:
— 214 —
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي فلما أصروا على التكذيب واستمروا عليه، جوزوا بعذاب الظلة وهو أنهم أصيبوا بحر عظيم، أخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظل ولا ماء، فاضطروا إلى الخروج إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا لها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا، فاحترقوا جميعا. وهذا كما حكى الله تعالى بقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا: سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطور ٥٢/ ٤٤].
إن ذلك العذاب عذاب شديد الهول، عظيم الوقع، أدى إلى الإفناء:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي في تلك القصة البليغة لعبرة وعظة يا أهل مكة وغيركم من الكفار، تلك العبرة الدالة بوضوح على صدق الرسل، ومجيء العذاب بتوقيت الله، وما كان أكثر قوم شعيب بمؤمنين.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي وإن الله ربك يا محمد لهو القادر على الانتقام من الكافرين، الرحيم بعبادة المؤمنين.
وهذه هي الخاتمة بذاتها التي ختمت بها القصص السبع المذكورة في هذه السورة للدلالة على وجوب استنباط العظة والعبرة من كل قصة، وكلها دليل قاطع على أن القرآن كلام الله الذي يخبر وحده عن الغيب: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف ١٢/ ١١١].
فقه الحياة أو الأحكام:
تكرر في المناسبة والتفسير بيان الهدف العام من هذه القصة وغيرها من القصص السابقة، وكان مجموعها في هذه السورة سبعا، فإن الله تعالى أنزل في قرآنه هذه القصص تسلية لرسوله محمد صلّى الله عليه وسلم، وإزالة للحزن عن قلبه، بسبب صدود الناس عن دعوته، وهي تسرية دائمة لكل داعية مخلص، حتى لا ييأس
— 215 —
ولا يعجز، ولا يلين ولا يقف عن السير في دعوته، فيستمر ثابت الخطا، ماضي العزم، رافع الرأس معتزا بما يقوم به.
والخلاصة: أن السبب في تشابه بداية هذه القصص وآخرها: هو التأكيد وتقرير المعاني في النفوس وتثبيتها في الصدور.
وفهم من هذه القصص أن الله هو الذي أنزل العذاب على المكذبين لرسله، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء وفاقا على كفرهم، لا ظلما ولا تشفيا ولا ثارا، وإنما لإرساء معالم الحق، وتوطيد صرح العدل بين الخلائق.
ويلاحظ أن جميع الأنبياء متفقون على أصول الرسالات من الدعوة إلى توحيد الله، واحترام الفضائل ومحاربة الرذائل، ثم يقوم كل واحد منهم بمعالجة الظواهر المرضية، والأوضاع الشاذة عند قومه، فهذا هود عليه السلام ينكر على قومه العبث بالبناء، والطمع في الدنيا كأنهم مخلدون، والبطش بطش الجبارين وغير ذلك من النزعات المعنوية المغالية وهذا صالح عليه السلام ينكر على قومه إقامة البيوت في الجبال بطرين أشرين مستكبرين، حريصين على الملذات الحسية المادية وهذا لوط عليه السلام يستنكر الفاحشة الشنيعة وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وترك إتيان النساء الأزواج في أقبالهن وهذا شعيب ينكر على قومه الظلم الاجتماعي بسرقة أموال الناس وإهدار حقوقهم بتطفيف الكيل والميزان، فيأمرهم بإيفاء الكيل والوزن كاملا غير زائد ولا ناقص، وبألا يبخسوا الناس أشياءهم، وألا يعثوا في الأرض فسادا، وأن يتقوا الله الذي خلقهم وخلق آباءهم العظام الأولين. ومن أنعم بهذه النعم كان هو المستحق للعبادة، لكنهم قوم ظالمون كافرون بالقيم والأخلاق الاجتماعية، مستصغرون وعيد الرسل، مستخفون بنصحهم ووعظهم.
وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة،
— 216 —
والامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
واتفق هؤلاء الرسل على الترفع عن مقابلة إساءة أقوامهم لهم واتهاماتهم الباطلة، والصبر على الدعوة، وتفويض الأمر الحازم الحاسم بإنزال العذاب وغيره إلى الله عز وجل، ليبقوا في مرتبة البشرية التي ظنها الكفرة نقصا، وهي في الحقيقة عنوان العبودية لله عز وجل.
وأما صفة عذاب قوم شعيب وإهلاكهم، فإن الله أبانها في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين لأنهم قالوا: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [٨٨] فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة.
وفي سورة هود قال: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [٦٧] ولأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [٨٧] قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ الآية.
وهاهنا قالوا: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ الآية على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: إن الله سلّط عليهم الحر سبعة أيام، حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم، فاستظل بها، فأصاب تحتها بردا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا، فاستظلوا تحتها، فأججت عليهم نارا «١».
(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤٦.
— 217 —

التفسير المنير

وهبة الزحيلي

عرض الكتاب