الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى :﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
يَعْنِي اُسْكُنَّ فِيهَا وَلَا تَتَحَرَّكْنَ، وَلَا تَبْرَحْنَ مِنْهَا، حَتَّى إنَّهُ رُوِيَ - وَلَمْ يَصِحَّ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا انْصَرَفَ من حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ لِأَزْوَاجِهِ هَذِهِ ؛ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ ؛ إشَارَةً إلَى مَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ من لُزُومِ بَيْتِهَا، وَالِانْكِفَافِ عن الْخُرُوجِ مِنْهُ، إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَلَقَدْ دَخَلْتَ نَيِّفًا عَلَى أَلْفِ قَرْيَةٍ من بَرِيَّةٍ، فَمَا رَأَيْت [ نِسَاءً ] أَصْوَنَ عِيَالًا، وَلَا أَعَفَّ نِسَاءً من نِسَاءِ نَابُلُسَ الَّتِي رُمِيَ فِيهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّارِ، فَإِنِّي أَقَمْت فِيهَا أَشْهُرًا، فَمَا رَأَيْت امْرَأَةً فِي طَرِيقٍ، نَهَارًا، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَيْهَا حَتَّى يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ مِنْهُنَّ، فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ، وَانْقَلَبْنَ إلَى مَنَازِلِهِنَّ لَمْ تَقَعْ عَيْنِي عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى. وَسَائِرُ الْقُرَى تُرَى نِسَاؤُهَا مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَعُطْلَةٍ، مُتَفَرِّقَاتٍ فِي كُلِّ فِتْنَةٍ وَعُضْلَةٍ. وَقَدْ رَأَيْت بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَفَائِفَ مَا خَرَجْنَ من مُعْتَكَفِهِنَّ حَتَّى اسْتَشْهَدْنَ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : تَعَلَّقَ الرَّافِضَةُ - لَعَنَهُمْ اللَّهُ - بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إذْ قَالُوا : إنَّهَا خَالَفَتْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَتْ تَقُودُ الْجُيُوشَ، وَتُبَاشِرُ الْحُرُوبَ، وَتَقْتَحِمُ مَآزِقَ الْحَرْبِ وَالضَّرْبِ، فِيمَا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا.
وَلَقَدْ حُصِرَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَمَرَتْ بِرَوَاحِلِهَا فَقُرِّبَتْ، لِتَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أَقِيمِي هَاهُنَا، وَرُدِّي هَؤُلَاءِ الرَّعَاعَ عن عُثْمَانَ ؛ فَإِنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ خَيْرٌ من حَجِّك.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ نَذَرَتْ الْحَجَّ قَبْلَ الْفِتْنَةِ، فَلَمْ تَرَ التَّخَلُّفَ عن نَذْرِهَا ؛ وَلَوْ خَرَجَتْ عن تِلْكَ الثَّائِرَةِ لَكَانَ ذَلِكَ صَوَابًا لَهَا.
وَأَمَّا خُرُوجُهَا إلَى حَرْبِ الْجَمَلِ فَمَا خَرَجَتْ لِحَرْبٍ، وَلَكِنْ تَعَلَّقَ النَّاسُ بِهَا، وَشَكَوْا إلَيْهَا مَا صَارُوا إلَيْهِ من عَظِيمِ الْفِتْنَةِ، وَتَهَارَجَ النَّاسِ، وَرَجَوْا بَرَكَتَهَا فِي الْإِصْلَاحِ، وَطَمِعُوا فِي الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهَا إذَا وَقَفَتْ إلَى الْخَلْقِ وَظَنَّتْ هِيَ ذَلِكَ، فَخَرَجَتْ مُقْتَدِيَةً بِاَللَّهِ فِي قَوْلِهِ :﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ من نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. وَبِقَوْلِهِ :﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. وَالْأَمْرُ بِالْإِصْلَاحِ مُخَاطَبٌ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ من ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِسَابِقِ قَضَائِهِ، وَنَافِذِ حُكْمِهِ، أَنْ يَقَعَ إصْلَاحٌ، وَلَكِنْ جَرَتْ مُطَاعَنَاتٌ وَجِرَاحَاتٌ، حَتَّى كَادَ يَفْنَى الْفَرِيقَانِ، فَعَمَدَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجَمَلِ فَعَرْقَبَهُ، فَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ لِجَنْبِهِ أَدْرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَتْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأَةٍ قَرَنَهُنَّ عَلِيٌّ بِهَا، حَتَّى أَوْصَلُوهَا إلَى الْمَدِينَةِ بَرَّةً تَقِيَّةً مُجْتَهِدَةً، مُصِيبَةً ثَابِتَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ، مَأْجُورَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ وَفَعَلَتْ ؛ إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ مُصِيبٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَصْوِيبَ الصَّحَابَةِ فِي الْحُرُوبِ، وَحَمْلَ أَفْعَالِهِمْ عَلَى أَجْمَلِ تَأْوِيلٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى :﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى التَّبَرُّجِ. وَقَوْلُهُ :﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ : أَفَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى :﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ؟ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً غَيْرَ وَاحِدَةٍ !
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ هَلْ سَمِعْت بِأُولَى إلَّا لَهَا آخِرَةٌ ! قَالَ : فَأْتِنَا بِمَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ :﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ جَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
فَقَالَ عُمَرُ : فَمَنْ أَمَرَ بِأَنْ نُجَاهِدَ ؟ قَالَ : مَخْزُومٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهَا تَكُونُ جَاهِلِيَّةً أُخْرَى. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ الْأُولَى مَا بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الْقَاضِي : الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ؛ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِالْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَعْتُ غَيْرِهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ :﴿قَالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ :﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ :
فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : الْإِثْمُ.
الثَّانِي : الشِّرْكُ.
الثَّالِثُ : الشَّيْطَانُ.
الرَّابِعُ : الْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ ؛ فَالْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ كَالْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ؛ وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ كَالشُّحِّ، وَالْبُخْلِ، وَالْحَسَدِ، وَقَطْعِ الرَّحِمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ :﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَجَعَلَ عَلِيًّا خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ :( اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلَ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ : أَنْتِ عَلَى مَكَانِك وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ ).
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إذَا خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ :( الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ). خَرَّجَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
يَعْنِي اُسْكُنَّ فِيهَا وَلَا تَتَحَرَّكْنَ، وَلَا تَبْرَحْنَ مِنْهَا، حَتَّى إنَّهُ رُوِيَ - وَلَمْ يَصِحَّ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا انْصَرَفَ من حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ لِأَزْوَاجِهِ هَذِهِ ؛ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ ؛ إشَارَةً إلَى مَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ من لُزُومِ بَيْتِهَا، وَالِانْكِفَافِ عن الْخُرُوجِ مِنْهُ، إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَلَقَدْ دَخَلْتَ نَيِّفًا عَلَى أَلْفِ قَرْيَةٍ من بَرِيَّةٍ، فَمَا رَأَيْت [ نِسَاءً ] أَصْوَنَ عِيَالًا، وَلَا أَعَفَّ نِسَاءً من نِسَاءِ نَابُلُسَ الَّتِي رُمِيَ فِيهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّارِ، فَإِنِّي أَقَمْت فِيهَا أَشْهُرًا، فَمَا رَأَيْت امْرَأَةً فِي طَرِيقٍ، نَهَارًا، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَيْهَا حَتَّى يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ مِنْهُنَّ، فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ، وَانْقَلَبْنَ إلَى مَنَازِلِهِنَّ لَمْ تَقَعْ عَيْنِي عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى. وَسَائِرُ الْقُرَى تُرَى نِسَاؤُهَا مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَعُطْلَةٍ، مُتَفَرِّقَاتٍ فِي كُلِّ فِتْنَةٍ وَعُضْلَةٍ. وَقَدْ رَأَيْت بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَفَائِفَ مَا خَرَجْنَ من مُعْتَكَفِهِنَّ حَتَّى اسْتَشْهَدْنَ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : تَعَلَّقَ الرَّافِضَةُ - لَعَنَهُمْ اللَّهُ - بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إذْ قَالُوا : إنَّهَا خَالَفَتْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَتْ تَقُودُ الْجُيُوشَ، وَتُبَاشِرُ الْحُرُوبَ، وَتَقْتَحِمُ مَآزِقَ الْحَرْبِ وَالضَّرْبِ، فِيمَا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا.
وَلَقَدْ حُصِرَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَمَرَتْ بِرَوَاحِلِهَا فَقُرِّبَتْ، لِتَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أَقِيمِي هَاهُنَا، وَرُدِّي هَؤُلَاءِ الرَّعَاعَ عن عُثْمَانَ ؛ فَإِنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ خَيْرٌ من حَجِّك.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ نَذَرَتْ الْحَجَّ قَبْلَ الْفِتْنَةِ، فَلَمْ تَرَ التَّخَلُّفَ عن نَذْرِهَا ؛ وَلَوْ خَرَجَتْ عن تِلْكَ الثَّائِرَةِ لَكَانَ ذَلِكَ صَوَابًا لَهَا.
وَأَمَّا خُرُوجُهَا إلَى حَرْبِ الْجَمَلِ فَمَا خَرَجَتْ لِحَرْبٍ، وَلَكِنْ تَعَلَّقَ النَّاسُ بِهَا، وَشَكَوْا إلَيْهَا مَا صَارُوا إلَيْهِ من عَظِيمِ الْفِتْنَةِ، وَتَهَارَجَ النَّاسِ، وَرَجَوْا بَرَكَتَهَا فِي الْإِصْلَاحِ، وَطَمِعُوا فِي الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهَا إذَا وَقَفَتْ إلَى الْخَلْقِ وَظَنَّتْ هِيَ ذَلِكَ، فَخَرَجَتْ مُقْتَدِيَةً بِاَللَّهِ فِي قَوْلِهِ :﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ من نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. وَبِقَوْلِهِ :﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. وَالْأَمْرُ بِالْإِصْلَاحِ مُخَاطَبٌ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ من ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِسَابِقِ قَضَائِهِ، وَنَافِذِ حُكْمِهِ، أَنْ يَقَعَ إصْلَاحٌ، وَلَكِنْ جَرَتْ مُطَاعَنَاتٌ وَجِرَاحَاتٌ، حَتَّى كَادَ يَفْنَى الْفَرِيقَانِ، فَعَمَدَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجَمَلِ فَعَرْقَبَهُ، فَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ لِجَنْبِهِ أَدْرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَتْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأَةٍ قَرَنَهُنَّ عَلِيٌّ بِهَا، حَتَّى أَوْصَلُوهَا إلَى الْمَدِينَةِ بَرَّةً تَقِيَّةً مُجْتَهِدَةً، مُصِيبَةً ثَابِتَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ، مَأْجُورَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ وَفَعَلَتْ ؛ إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ مُصِيبٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَصْوِيبَ الصَّحَابَةِ فِي الْحُرُوبِ، وَحَمْلَ أَفْعَالِهِمْ عَلَى أَجْمَلِ تَأْوِيلٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى :﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى التَّبَرُّجِ. وَقَوْلُهُ :﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ : أَفَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى :﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ؟ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً غَيْرَ وَاحِدَةٍ !
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ هَلْ سَمِعْت بِأُولَى إلَّا لَهَا آخِرَةٌ ! قَالَ : فَأْتِنَا بِمَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ :﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ جَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
فَقَالَ عُمَرُ : فَمَنْ أَمَرَ بِأَنْ نُجَاهِدَ ؟ قَالَ : مَخْزُومٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهَا تَكُونُ جَاهِلِيَّةً أُخْرَى. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ الْأُولَى مَا بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الْقَاضِي : الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ؛ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِالْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَعْتُ غَيْرِهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ :﴿قَالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ :﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ :
فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : الْإِثْمُ.
الثَّانِي : الشِّرْكُ.
الثَّالِثُ : الشَّيْطَانُ.
الرَّابِعُ : الْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ ؛ فَالْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ كَالْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ؛ وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ كَالشُّحِّ، وَالْبُخْلِ، وَالْحَسَدِ، وَقَطْعِ الرَّحِمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ :﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَجَعَلَ عَلِيًّا خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ :( اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلَ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ : أَنْتِ عَلَى مَكَانِك وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ ).
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إذَا خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ :( الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ). خَرَّجَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.