تفسير
٢٨ قولًاعن أنس بن مالك -من طريق ثابت- قال: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: «اذهب، فاذكرها عليَّ». فانطلق، قال: فلما رأيتُها عظُمتْ في صدري، فقلتُ: يا زينبُ، أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ، ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلتْ على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتتبع حُجَر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أُخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبتُ أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووُعظ القوم بما وُعظوا به: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية١
عن عكرمة مولى ابن عباس: كان الناس يقولون مِن شِدَّة ما يرون مِن حُبِّ النبي ﷺ لزيد: إنه ابنه. فأراد الله أمرًا، قال الله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ يا محمد؛ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾. وأنزل الله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النبيينَ﴾. فلما طلقها زيدٌ تزوَّجها النبيُّ ﷺ، فعندها قالوا: لو كان زيد ابن رسول الله ﷺ ما تزوج امرأة ابنه١
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: كانت زينبُ تقول للنبي ﷺ: أنا أعظم نسائك عليك حقًّا؛ أنا خيرهن مَنكَحًا، وأكرمهن سِترًا، وأقربهن رُحمًا، وزوَّجنيك الرحمن مِن فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك، وأنا بنت عمتك ليس لك من نسائك قريبة غيري١
عن عامر الشعبي -من طريق مغيرة- قال: كانت زينب تقول للنبي ﷺ: إني لَأدِلُّ١ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدِلُّ بهن: أن جَدِّي وجَدّك واحد، وأني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير لجبرائيل٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرا﴾ قال: طلقها زيد ﴿زَوَّجْناكَها﴾ فكانت تفخر على نساء النبي ﷺ تقول: أما أنتن فزوَّجكن آباؤكن، وأما أنا فزوَّجني ذو العرش. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أي: إذا طلقوهن، وكان رسول الله ﷺ تبنّى زيد بن حارثة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ يعني: حاجة، وهي الجماع ﴿زَوَّجْناكَها﴾ يعني: النبي ﷺ. فطلّقها زيد بن حارثة، فلما انقضت عدتها تزوجها النبي ﷺ، وكانت زينب رضي الله عنها تفخر على نساء النبي ﷺ، فتقول: زوَّجكن الرجال، والله عز وجل زوَّجني نبيه ﷺ. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ تزويج نساء أدعيائهم، يقول: لكيلا يكون على الرجل حرج في أن يتزوج امرأة ابنه الذي تبناه وليس من صلبه، ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ يعني: حاجة، وهو الجماع، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ يقول الله عز وجل: كان تزويج النبي ﷺ زينب كائنًا١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ إلى قوله: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: إذا كان ذلك منه غير نازل لك، فذلك قول الله: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]١
قال يحيى بن سلّام: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ والوطر: الحاجة ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ فقال المشركون للنبي ﷺ: يا محمد، زعمتَ أنّ حليلة الابنِ لا تحِلُّ للأب، وقد تزوَّجتْ حليلةَ ابنك زيد. فقال الله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أي: أنّ زيدًا كان دعيًّا، ولم يكن بابن محمد، وقال: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠]١
عن عاصم الأحول، أن رجلًا من بني أسد فاخر رجلًا، فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوَّجها الله مِن فوق سبع سموات؟! يعني: زينب بنت جحش١
قال إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مُظهره١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ وتُسِرُّ في قلبك -يا محمد-: ليت أنه طلقها ﴿ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ يعني: مُظهره عليك حين يُنزل به قرآنًا١
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق محمد بن ثور- في قوله: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: في نفس رسول الله ﷺ ما فيها مِن حُبِّه طلاقه إيّاها، ونكاحه إيّاها، فأبى الله إلا أن يخبر بالذي أخفى النبي ﷺ في نفسه١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم – من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قال: تُخفي في نفسك إن فارقها تزوَّجتها١
قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة: ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾، ما نزلت على رسول الله - ﷺ - آية هي أشدُّ عليه مِن هذه الآية١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ تخشى قالة الناس في أمر زينب، ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في أمرها، فقرأ النبي - ﷺ - هذه الآية على الناس بما أظهر الله عليه مِن أمر زينب إذ هويها، فقال عمر بن الخطاب؟: لو كتم رسول الله - ﷺ - شيئًا من القرآن لكتم هذه التي أظهرت عليه١
قال عبد الله بن عباس، والحسن البصري: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ تستحييهم١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾، قال: خشي النبي ﷺ قالَةَ الناس إن أمره بطلاقها١
قال يحيى بن سلّام: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مُظْهِره،
تفسير السُّدِّيّ: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يطلِّقها زيد مِن غير أن يأمره بطلاقها، فيتزوَّجها رسول الله ﷺ١٢
قال يحيى بن سلّام: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ عيب الناس أن يعيبوا ما صنعتَ١
عن عائشة -من طريق عمرة- قالت: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرفّ الذي لا يبلغه شرف؛ إنّ الله زوجَّها نبيَّه ﷺ في الدنيا، ونطق به القرآن١
عن أم سلمة، عن زينب، قالت: إنِّي –والله- ما أنا كأحد من نساء رسول الله ﷺ؛ إنهن زُوِّجن بالمهور، وزَوَّجهن الأولياء، وزوَّجني الله ورسوله، وأُنزل فيَّ الكتاب يقرأه المسلمون، لا يُبدَّل ولا يتغير: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾١
عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: تفاخرت زينبُ وعائشة، فقالت زينب: أنا الذي نزل تزويجي من السماء. وقالت عائشة: أنا نزل عُذري مِن السماء في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة. فقالت لها زينب: ما قلتِ حين ركبتِيها؟ قالت: قلتُ: حسبي الله ونعم الوكيل. قال: قلتِ كلمة المؤمنين١
عن أنس بن مالك -من طريق ثابت- قال:... فتزوجها رسول الله ﷺ، فما أوْلمَ على امرأة مِن نسائه ما أوْلمَ عليها؛ ذبح شاة، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكّن أهاليكن، وزوَّجني الله مِن فوق سبع سموات١
قال عبد الله بن عباس: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: حُبَّها١
عن علي بن زيد بن جدعان، قال: قال لي علي بن الحسين: ما يقول الحسن في قوله: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؟ فقلت له. فقال: لا، ولكن الله أعلم نبيَّه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها. فلمّا أتاه زيد يشكو إليه قال: «اتق الله، وأمسك عليك زوجك». فقال: قد أخبرتك أني مزوِّجكها، ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾١
عن علي بن زيد بن جدعان، قال: سألني علي بن الحسين: ما يقول الحسن في قوله عز وجل: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾. فقلتُ: يقول: لما جاء زيد إلى النبي ﷺ، فقال: يا نبي الله، إني أريد أن أطلق زينب. فأعجبه ذلك، قال: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾. قال علي بن الحسين: ليس كذلك...١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، قال: كان يخفي في نفسه وُدَّ أنه طلقها، قال: قال الحسن: ما أُنزلت عليه آيةٌ كانت أشدَّ عليه منها، ولو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتمها١