سورة فاطر | الآية ٤٢

عرض السورة
التَّفسير

ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

التفسير المنير
وهبة الزحيلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
معاني القرآن
الأخفش
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
٢- الحقيقة أنه لا جواب يقنع من المشركين، وإنما هم يتبعون أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي باطل وزور، وما مواعيدهم لبعضهم بعضا إلا أباطيل تغرّ، حين قال السادة للأتباع: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقرّبكم.
٣- الدليل على عظمة الله وقدرته بعد ثبوت ضعف الأصنام وعجزها: هو أن الله خالق السموات والأرض وممسكهما، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه، ولو زالتا فرضا واضطربتا ما أمسكهما من أحد غير الله جل جلاله.
٤- من صفات الله العليا: الحلم، فلا يعجل العقوبة للكفار والعصاة، والمغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى إلى طريق الحق على الدوام، وهو تعالى يحافظ على هذا النظام البديع للكون، بالرغم من كفر الكافرين.
إنكار المشركين الرسالة النبوية وتهديدهم بالإهلاك

[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٢ الى ٤٥]

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)
— 279 —
الإعراب:
اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ اسْتِكْباراً مفعول لأجله، ومَكْرَ السَّيِّئِ منصوب على المصدر، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، بدليل قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
البلاغة:
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ في ظَهْرِها استعارة مكنية، شبّه الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر، بطريق الاستعارة المكنية.
عَلِيماً قَدِيراً بَصِيراً من صيغ المبالغة.
المفردات اللغوية:
وَأَقْسَمُوا حلف المشركون جَهْدَ أَيْمانِهِمْ طاقتها وغاية اجتهادهم فيها لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ رسول منذر أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ اليهود أو النصارى، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ محمد صلّى الله عليه وسلّم ما زادَهُمْ مجيئه إِلَّا نُفُوراً تباعدا عن الحق والهدى.
اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ أي إنهم ما كذبوا برسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم لاعتقاد كذبه، إنما فعلوا ذلك لأجل الاستكبار عن أن يكونوا أتباعا له، ولأجل العتو: وهو التجبر والمضي في الفساد وَمَكْرَ السَّيِّئِ أي ومكر العمل السيء من الشرك وكيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح وَلا يَحِيقُ لا يصيب ولا ينزل ولا يحيط إِلَّا بِأَهْلِهِ وهو الماكر فَهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ طريقة المتقدمين من تعذيب المكذبين رسلهم فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا أي لا يبدل بالعذاب غيره، ولا يحول إلى غير مستحقه، وبعبارة أخرى: التبديل: وضع الرحمة موضع العذاب، والتحويل: نقل العذاب من المكذبين إلى غيرهم.
عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مصير وآثار الماضين من قبلهم أثناء سيرهم إلى الشام واليمن والعراق، كعاد وثمود ومدين وأمثالهم، نزل بهم العذاب، لما كذبوا الرسل، فتلك سنة الله في المكذبين التي لا تبدّل ولا تحوّل وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وأطول أعمارا، وأكثر أموالا، وأقوى أبدانا، من أهل مكة، فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم. والواو: واو الحال وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ
— 280 —
شَيْءٍ
يسبقه ويفوته إِنَّهُ كانَ عَلِيماً بالأشياء كلها لا يخفى عليه شيء قَدِيراً لا يصعب عليه أمر.
بِما كَسَبُوا عملوا من الذنوب أو المعاصي أو الخطايا عَلى ظَهْرِها على ظهر الأرض من الأحياء مِنْ دَابَّةٍ من الدواب التي تدبّ، والدابة: كل ما يدبّ على الأرض وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً أي فيجازيهم على أعمالهم، بإثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين.
سبب النزول: نزول الآية (٤٢) :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي هلال أنه بلغه: أن قريشا كانت تقول: لو أن الله بعث منا نبيا، ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكا بكتابها منا، فأنزل الله: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ [الصافات ٣٧/ ١٦٨] لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [الأنعام ٦/ ١٥٧] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ وكانت اليهود تستفتح على النصارى به، فيقولون: إنا نجد نبيا يخرج.
المناسبة:
بعد بيان إنكار المشركين للتوحيد، وتوبيخهم وتقريعهم على سخف عقولهم، ذكر الله تعالى تكذيبهم للرسول صلّى الله عليه وسلّم، بعد ترقبهم له، ثم هددهم بالهلاك كمن قبلهم من الأمم الغابرة الذين كذبوا رسلهم، وأردفه بتذكيرهم بما يشاهدونه في رحلاتهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار تدمير منازل المكذبين بالرغم من كمال القوة، وكثرة المال والولد، وختم السورة ببيان مدى حلمه على الناس، وأنه لو أراد مؤاخذتهم لأفناهم، ولكنه أخرّ عقابهم إلى يوم القيامة، وحينها يعاقبهم على أعمالهم.
— 281 —
التفسير والبيان:
هذا نبأ عجيب غريب عن قريش والعرب لا علم لنا به من غير القرآن، قال تعالى:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ أقسمت قريش والعرب بالله أغلظ الأيمان قبل إرسال الرسول إليهم: لئن جاءهم من الله رسول منذر ليكونن أمثل من أي أمة من الأمم أو من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل في الطاعة، وأشدهم تمسكا بالرسالة وقبولا لها.
وذلك كقوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا: إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام ٦/ ١٥٦- ١٥٧].
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ، ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ أي فلما أتاهم ما تمنوه، وهو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما أنزل عليه من القرآن العظيم، ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم وتباعدا عن الإيمان وإجابة النبي صلّى الله عليه وسلّم، مستكبرين عن اتباع آيات الله، ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله تعالى.
وبه تبين ألا عهد لهم، ولا صدق في كلامهم، ولا وفاء بما يقولون، فتحملوا ثم فعلهم كما قال تعالى:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم نفسهم دون غيرهم، وعادت عليهم عاقبة مكرهم بالإثم والوزر، ونزلت عاقبة لسوء بمن أساء، قبل المساء إليه، كما قال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
— 282 —
مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[الشعراء ٢٦/ ٢٢٧] ومكر السيء: أي مكر العمل السيء، والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح، وهو هنا الكفر وخداع الضعفاء، وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم.
ثم هددهم بجزاء أمثالهم، فقال:
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ أي فهل ينتظرون إلا عقوبة لهم على تكذيبهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومخالفة أوامره مثل عقوبة الله للأمم الماضية المكذبين.
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا أي تلك سنة الله وطريقته. التي لا تتغير ولا تتبدل في كل مكذب، فلن توضع الرحمة موضع العذاب، ولن يحوّل العذاب من مكذب إلى غيره، كما قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [الرعد ١٣/ ١١].
ثم لفت أنظارهم إلى آثار تدمير الماضين المكذبين فقال:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي أولم ينتقلوا في الأراضي في رحلاتهم إلى الشام واليمن والعراق، فيشاهدوا مصير السابقين الذين كذبوا الرسل، كيف دمّر الله عليهم، وللكافرين أمثالهم، بالرغم من أنهم كانوا أشد قوة من قريش وأكثر عددا وعددا، وأموالا وأولادا، فما أغنى ذلك شيئا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك، لأنه كما قال تعالى:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً أي لأن الله لا يعجزه ولا يفوته أو يسبقه شيء إذا أراد حدوثه في السموات والأرض، فلن يعجزه هؤلاء المشركون المكذبون لرسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولن يفلتوا من عقابه لأن الله تعالى عليم بجميع الكائنات لا يخفى عليه شيء، قدير
— 283 —
لا يصعب عليه أمر، فهو يعلم المستحق للعقوبة، قادر على الانتقام منه في أي وقت أو مكان شاء.
ثم أبان الله تعالى سياسته العقابية، وأخبر عن سابغ وواسع رحمته بالناس، فقال:
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ أي لو عجل تعالى العقاب وآخذ الناس بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل السموات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، لشؤم معاصيهم. والمراد بالدابة كما قال ابن مسعود: جميع الحيوان مما دبّ ودرج.
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً أي ولكن يؤجل عقابهم ومؤاخذتهم بذنوبهم إلى وقت محدد وهو يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم العقاب، لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
ونظير الآية: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف ١٨/ ٥٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- أقسمت قريش قبل بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم أنه إن جاءهم نبي ليكونن أهدى ممن كذب الرسل من أهل الكتاب.
وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل.
فلما جاءهم ما تمنّوه وهو الرسول النذير، من أنفسهم، نفروا عنه، ولم يؤمنوا
— 284 —
به، تكبرا وعتوا عن الإيمان، ومكرا منهم بصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم.
٢- لكن تنكر المشركين للعهد بالله، وإخلالهم بالوفاء باليمين، وعاقبة شركهم: لا ترتد آثاره إلا عليهم أنفسهم. وهذا ما دل عليه قوله تعالى:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا، وقع فيه منكبّا»
وروى الزهري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا، فإن الله تعالى يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ولا تبغ ولا تعن باغيا، فإن الله تعالى يقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ.
وفي الحديث الذي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن قيس بن سعد: «المكر والخديعة في النار»

أي تدخل أصحابها في النار لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار،
قال صلّى الله عليه وسلّم: «وليس من أخلاق المؤمن: المكر والخديعة والخيانة».
٣- ما موقف المشركين المعاند من نبي الله إلا كموقف من ينتظر العذاب الذي نزل بالكفار الأولين، وقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة أي طريقة فيهم، فهو يعذب المستحق، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره. والإهلاك ليس سنة الأولين وإنما هو سنة الله بالأولين.
٤- تأكيدا لهذا الموقف نبّههم الله تعالى إلى الأمثلة الواقعية من تاريخ الأمم الغابرة، وهم الذين يشاهدون آثار تدمير مساكنهم ودورهم أثناء تجاراتهم ورحلاتهم إلى بلاد اليمن والشام والعراق، مثل إهلاك قوم عاد وثمود ومدين وغيرهم، لما كذبوا رسل الله، وكانوا أشد من أهل مكة قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وإذا أراد الله إنزال عذاب بقوم لم يعجزه ذلك.
٥- اقتضت رحمة الله تبارك وتعالى ألا يعجل العذاب للعصاة والكفار على
— 285 —
ذنوبهم، وإنما يؤخرهم ويمهلهم إلى يوم معين كي تكون لديهم فرصة، فيتداركوا تقصيرهم، ويعدلوا عن ظلمهم، وكان مقتضى العدل تعجيل العقوبة، وإذا فعل الله ذلك، أهلك جميع المخلوقات إلا من يشاء، والله سبحانه عليم بمن يستحق العقاب منهم.
وهذا رد بليغ على المشركين الذين كانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم وعتوهم يستعجلون بالعذاب، ويقولون لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عجل لنا عذابنا، فقال الله: للعذاب أجل.
وقد حكى القرآن الكريم استعجال المشركين بالعقاب استهزاء، حيث قالوا:
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال ٨/ ٣٢].
— 286 —

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة يس
مكيّة، وهي ثلاث وثمانون آية.
تسميتها:
سميت سورة يس لافتتاحها بهذه الأحرف الهجائية، التي قيل فيها إنها نداء معناه (يا إنسان) بلغة طي لأن تصغير إنسان: أنيسين، فكأنه حذف الصدر منه، وأخذ العجز، وقال: يس أي أنيسين. وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلّى الله عليه وسلّم، بدليل قوله تعالى بعده. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:
١- بعد أن ذكر تعالى في سورة فاطر قوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [٣٧] وقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ [٤٢] والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، افتتح هذه السورة بالقسم على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم، وأنه أرسل لينذر قوما ما أنذر آباؤهم.
٢- هناك تشابه بين السورتين في إيراد بعض أدلة القدرة الإلهية الكونية، فقال تعالى في سورة فاطر: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
— 287 —
[١٣] وقال في سورة يس: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [٣٧- ٣٨].
٣- وقال سبحانه في فاطر: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ [١٢] وقال في يس: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [٤١].
مشتملاتها:
تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية المفتتحة بأحرف هجائية الكلام عن أصول العقيدة من تعظيم القرآن الكريم، وبيان قدرة الله ووحدانيته، وتحديد مهام النبي صلّى الله عليه وسلّم بالبشارة والإنذار، وإثبات البعث بأدلة حسية مشاهدة من الخلق المبتدأ والإبداع الذي لم يسبق له مثيل.
وقد بدئت السورة بالقسم الإلهي بالقرآن الحكيم على أن محمدا رسول حقا من رب العالمين لينذر قومه العرب وغيرهم من الأمم، فانقسم الناس من رسالته فريقين: فريق معاند لا أمل في إيمانه، وفريق يرجى له الخير والهدى، وأعمال كل من الفريقين محفوظة، وآثارهم مدونة معلومة في العلم الأزلي القديم.
ثم ضرب المثل لهم بأهل قرية كذبوا رسلهم واحدا بعد الآخر، وكذبوا الناصح لهم وقتلوه، فدخل الجنة، ودخلوا هم النار. وأعقب ذلك تذكيرهم بتدمير الأمم المكذبة الغابرة.
وانتقل البيان إلى إثبات البعث والقدرة والوحدانية بإحياء الأرض الميتة، وبيان قدرة الله الباهرة في الكون من تعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب السيارة والثابتة، وتسيير السفن في البحار.
وإزاء ذلك هزم الجاحدون، وأنذروا بالعقاب السريع، وفوجئوا بنقمة الله في تصوير أهوال القيامة، وبعثهم من القبور بنفخة البعث والنشور، فأعلنوا
— 288 —
ندمهم، وصرحوا بأن البعث حق، ولكن لم يجدوا أمامهم إلا نار جهنم، وكانوا قد وبخوا على اتباع وساوس الشيطان، وأعلموا أن الله قادر على مسخهم في الدنيا.
وأما المؤمنون فيتمتعون بنعيم الجنان، ويحسون بأنهم في أمن وسلام من رب رحيم.
ثم نفى الله تعالى كون رسوله شاعرا، وأعلم الكافرين أنه منذر بالقرآن المبين أحياء القلوب، وذكّر الناس قاطبة بضرورة شكر المنعم على ما أنعم عليهم من تذليل الأنعام، والانتفاع بها في الطعام والشراب واللباس.
وندد الله تعالى باتخاذ المشركين آلهة من الأصنام أملا في نصرتها لهم يوم القيامة، مع أنها عاجزة عن أي نفع، وهم مع ذلك جنودها الطائعون.
وختمت السورة بالرد القاطع على منكري البعث بما يشاهدونه من ابتداء الخلق، وتدرج الإنسان في أطوار النمو، وإنبات الشجر الأخضر ثم جعله يابسا، وخلق السموات والأرض، وإعلان القرار النهائي الحتمي الناجم عن كل ذلك، وهو قدرة الله الباهرة على إيجاد الأشياء بأسرع مما يتصور الإنسان، وأنه الخالق المالك لكل شيء في السموات والأرض.
والخلاصة: أن السورة كلها إيقاظ شديد للمشاعر والوجدان، وتحريك قوي للأحاسيس، وفتح نفّاذ للقلوب، لكي تبادر إلى الإقرار بالخالق وتوحيده، والإيمان بالبعث والجزاء.
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في كتاب أبي داود عن معقل بن يسار: «اقرؤوا يس على موتاكم».
— 289 —

التفسير المنير

وهبة الزحيلي

عرض الكتاب