سورة يس | الآية ٦

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

بلاغة القرآن
مسألة: قوله تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وقال تعالى: (وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) وفى يس: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) الآية. جوابه: أن المراد بآية فاطر مطلق الأمم كعاد وثمود وقوم نوح وقوم إبراهيم وفى العرب من ولد إسماعيل، خالد بن سنان، وحنظلة بن صفوان وفى بنى إسرائيل موسى وهارون ومن بعدهم. وقيل: لم يخل بنو آدم من نذير من حين بعث إليهم وإلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما نبي أو رسول. وآية سبأ: المراد بهم قريش خاصة وأهل مكة الموجودون زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وآباؤهم لم يأتهم نذير خاص بهم قبل النبي - صلى الله عليه وسلم
كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
بلاغة القرآن
..مسألة: قوله تعالى: (ما أنذر آباؤهم) ؟ إن جعلت (ما) نافية، فقد تقدم الجواب في فاطر. وإن جعلتها مصدرية أو موصولة، فالمراد كإنذار آبائهم، فإن إنذار إسماعيل لم يزل فيهم إلى زمن عمرو بن لحى.
كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) فكرة عامة عن الآية: (لتنذر) هذه اللام حرف جر وما بعدها منصوب، هذه لام التعليل هي حرف جر وكل لام تنصب المضارع هي حرف جر، كل لام ينتصب بعدها المضارع هي حرف جر لأن النصب بـ(أن) المضمرة بعدها فيكون مصدراً مأولاً (لأن تنذر) فحذف (أن) وكل لام ينتصب بعدها مضارع هي حرف جر هذا عند الجمهور لأن النصب سيكون بتقدير (أن) وأن مصدرية يكون مصد مأول مجرور باللام. الفعل هنا ليس منصوباً باللام وإنما بـ (أن) مضمرة، (أن) والفعل مصدر مجرور باللام إذن هذه اللام حرف جر وكل لام ينتصب بعدها المضارع هي حرف جر هذه قاعدة سواء كان الإضمار واجباً أو جائزاً. إذن أصبح عندنا الآن جار ومجرور، هذا الجار والمجرور متعلق بشيء إما متعلق بنزّل أو تنزيل يعني نزّله لتنذر، أو تنزيل العزيز الرحيم لتنذر، أو بالفعل المحذوف (تنزيل) نعربه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم اللام إما متعلقة بالمصدر أو بالفعل المقدر ويجوز الوجهان. أو يمكن الاحتمال أن يكون متعلقاً بالمرسلين (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)) لماذا أُرسِل؟ لينذر قوماً. إذن فيها احتمالان أنه نُزِّل لينذر وأنت من المرسلين لتنذر، ليست هناك قرينة سياقية تحدد معنى معيناً لأن القرآن أُنزل لينذر والرسول  ليُنذر، لماذا أنزل القرآن؟ لينذر، ولماذا أرسل الرسول؟ لينذر، لا نحتاج لقرينة سياقية، هذا توسع في المعنى. الخطاب في الآية للرسول  (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)). إذن إما من المرسلين لتنذر وإما أنزل لينذر. و(ما) نافية (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) يعني لم ينذر أباؤهم فهم غافلون. * ربما هذا يوضح الفرق بين النبي والرسول، النبي يبشر دون كتاب؟ النبي قد يكون لنفسه وقد يكون رسولاً، الرسول هو مبلِّغ الرسالة لأن الرسول قد يكون له كتاب وقد يكون ليس له كتاب ربنا أخبر عن الكتب المعروفة أنها صحف إبراهيم وذكرنا الكتب المعروفة لكن باقي الأنبياء ذكرهم ولم يذكر لهم كتب، لم يذكر عن ذي النون أن له كتاب ولا عن صالح أن له كتاب ولا عن هود أن له كتاب وينذر ويبشّر. فإذن كونه رسول يُنذر وكونه أُنزل له كتاب أيضاً الكتاب يُنذر إذن الإنذار من جهتين. *من هم الغافلون؟ هؤلاء القوم المنذَرين ما أنذر آباؤهم، آباؤهم عبدة أصنام. *ألم يكن لديهم نبي؟ أقرب واحد هو سيدنا عيسى وبينه وبين الرسول أكثر من 500 عام 570 سنة هؤلاء سموهم أهل الفترة ثم عيسى جاء لبني إسرائيل قسم من العرب كان له علاقة معهم ولم يبعث للعرب تحديداً فهم غافلون. * إذن هو يتحدث تحديداً عن قوم سيدنا محمد ومن سبقهم (أهل الفترة) ؟ نعم، هؤلاء لم ينذر آباؤهم فهم غافلون. * إذن غفلتهم من كون آبائهم لم يُنذروا ولو أُنذر آباؤهم لأنذروا أولادهم ونشأوا هكذا؟ ربما عصوا أو خالفوا أو اهتدوا كبقية الأقوام (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)). *غافلون عن ماذا؟ غافلون عن الدين الحق، ربنا تعالى قال للرسول  (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف) هذا قبل أن تأتيه النبوة الغفلة عن الحق وعن الطريق المستقيم ليس كوصف عام لأن هذا هو المقصود ما يتعلق بالشريعة الحقة الطريق المستقيم الذي يريده ربنا، من أين يعلم هذا الشيء؟ *إذن (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) لا نأخذها على مدار السب والقذف لكنها توصيف حالة بأنهم غافلون عن طريق الله ؟ لا شك هم غافلون عن الشرائع الحقة التي أنزلها ربنا وهي متضمنة في قوله (لِتُنْذِرَ) يعني هم غافلون عن هذا النذير الذي أتى به سيدنا محمد  حتى يذكرهم ويهديهم إلى الطريق لأنهم غافلون عن هذه الطريق لا يعلمون. إذن سبب الغفلة أنهم لم يُنذر آباؤهم، هذا سبب الغفلة عاشوا على ما عاش عليه الآباء وهم لم يُنذروا هم قالوا (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22) الزخرف) لم يُنذروا. هذا أرجح قول وقسم ذهب أن (ما) اسم موصول أو مصدرية وهذا يحتاج إلى تكلّف كثير هذا يعني أهل اللغة ولا يعني المشاهدين كثيراً. (ما) إسم موصول بمعنى الذي أي الذي أنذر آباؤهم، قالوا لتنذر آباؤهم يعني الذي أنذر آباؤهم الأقدمون إسماعيل لكنهم غفلوا فهم غافلون يعني نفس الإنذار الذي أنذر به آباؤهم الأولون لكنهم غافلون كما تقول انصح فلاناً كما نصحت أباه فإنه غافل عن ذلك، الغفلة هنا يقصد بها القوم وأنا أميل أن (ما) نافية.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
لِ(تُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) يحتمل أن يكون (لتنذر) متعلقاً بقوله (تنزيل) أو بالفعل المضمر(نزل) فيكون التقدير: تنزيل العزيز الرحيم لتنذر. أو: نزله العزيز الرحيم لتنذر. كما يحتمل أن يكون متعلقاً بـ(المرسلين) أي: إنك لمن المرسلين لتنذر قوماً بمعنى: أنك أرسلت لتنذر قوماً (1). والظاهر أن (ما) نافية والمعنى: لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم ولذلك هم غافلون فإن عدم الإنذار هو سبب غفلتهم المستحكمة. فإن هؤلاء القوم لم يأتهم من نذير كما قال تعال (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نذير مِنْ قَبْلِكَ) –القصص (46)، السجدة (3). كما أن آباءهم لم ينذروا فاستحكمت الغفلة فيهم إلى درجة أن الإنذار وعدمه سواء عليهم وأنهم كما وصفهم ربنا بقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً.....الخ(. وقد جوز بعض المفسرين أن تكون (ما) موصولة أو مصدرية فيكون المعنى (لتنذر قوماً الشيء الذي أنذره آباؤهم) أو (لتنذر قوماً مثل إنذار آبائهم). وبذا يكون إثبات الإنذار لآبائهم. والمقصود بالآباء آباؤهم الأقدمون. وقد تقول: إن قوله تعالى (فَهُمْ غَافِلُونَ) يرد هذا المعنى. والجواب: كلا إنه لا يرد هذا المعنى، ذلك أن المعنى أن آباءهم الأقدمين أنذروا ولكنهم غفلوا عن ذلك الإنذار لتقادم العهد كما قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) – المائدة 19 وهذا نحو قولنا (انصح فلاناً كما نصحت أباه فإنه غافل عن ذلك) أو (قل لفلان أن يعمل بنصيحتنا لأبيه فإنه غافل عنها) فإنك أثبت النصيحة وأثبت الغفلة عنها. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ) "قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف ونحوه قوله تعالى (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ). وقد فسر (ما أنذر آباؤهم) على إثبات الإنذار، ووجه ذلك أن تجعل (ما) مصدرية لتنذر قوماً إنذار آبائهم، أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من العذاب كقوله تعالى (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا). فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله (فهم غافلون) على التفسيرين؟ قلت: هو على الأول متعلق بالنفي أي لم ينذر آباؤهم فهم غافلون على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم. وعلى الثاني بقوله (إنك لمن المرسلين) لتنذر كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الرأي الآخر؟ قلت: لا مناقضة لأن الآي في نفي إنذارهم، لا في نفي إنذار آبائهم. وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم. فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر فما تصنع به؟ قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد (2). وجاء في (التفسير الكبير): "فعلى قولنا (ما) نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلاً، وعلى قولن هي للإثبات كذلك لأن معناه: لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون، وفيه مسائل: (المسألة الأولى) كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟ نقول على قولنا (ما) نافية معناه ما أنذر أباءهم، وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين" (3). وجاء في (روح المعاني): "(فهم غافلون) هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون. وعلى الأوجه الباقية: متعلق بقوله تعالى (لتنذر) أو بما يفيده (إنك لمن المرسلين) وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم. وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضاً وتعلقه بقوله تعالى (لتنذر) على الوجوه وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم. اهــ ولا يخفي عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولاً" (4). والذي يترجح عندي المعنى الأول وهو الذي يسبق إلى الذهن. أما إذا أريد بالآباء الآباء الأقدمون فإن إسماعيل عليه السلام أبوهم وكان رسولاً نبياً ولا شك أنه أنذر قومه، بل إن إبراهيم عليه السلام أبوهم كما قال (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) فلا يتناقض الأمران على ذلك، ولا أرى أنه يعني بذلك إبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام أو من هو ممن دونهما ممكن كان بعيداً جداً عن قوم الرسول (صلى الله عليه وسلم). إن أقرب رسول إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) عيسى عليه السلام وبينهما أكثر من خمسمائة عام فما بالك بمن قبله ولا شك على هذا أن آباءهم لم ينذروا والله اعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص14 إلى ص17 - أنظر روح المعاني 22/213. 2- الكشاف 2/581 – 582 وأنظر البحر المحيط 26/42. 3- التفسير الكبير26/42 4- روح المعاني 22/213
فاضل السامرائي