سورة يس | الآية ٩

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

وقفات مع سور وآيات
{ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة.
مجالس التدبر
بلاغة القرآن
قاعدة عامة في تعبير القرآن وهي : دخول حرف الجر { من } على الظرف يفيد التحديد كقوله { من فوقهم } ، { من تحتهم } ، { من بعدهم } ، { من قبلهم } ، { من خلفهم } ، { من حيث } ، { من بينهم } ، وإذا لم يدخل الجارّ على الظرف ، أفاد الظرف الإطلاق والعموم كقوله : ( حيث أتى ) ، ( فوقهم صافات ) ، ( بعد موتها ) ، ( ينزغ بينهم ) !
صالح التركي / من لطائف القرآن
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) * لماذا بدأ تعالى بقوله (من)؟ الآن في ذهني أنك سألت عن التقديم والتأخير قبل قليل في الآية التي سبقت (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) قدّم الأعناق على الأغلال لأن الكلام عليهم وليس عن الأغلال، لم يتكلم عن الأغلال شيئاً بينما الكلام عليهم هم. في هذه الآية تكلم تعالى عن الذين لا يؤمنون أنهم مقمحون وصف حالتهم فقدّمهم ولم يتكلم عن الأغلال. نأتي للآية الكريمة (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) أيضاً بالمناسبة لم يقل سداً من بين أيديهم لأن الكلام عليهم وليس عن السد، لم يتكلم عن السد وإنما الكلام عنهم مثل الآية السابقة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا). يبقى السؤال لماذا ذكر (من)؟ لماذا لم يقل جعلنا بين أيديهم سداً؟ (من) تفيد ابتداء الغاية يعني جعل السد ليس بينهم وبين السد أي فاصل، (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) يعني ليس هناك فاصل بين السد وبين أيديهم لو قال بين أيديهم تحتمل المسافة القريبة أو البعيدة (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) ق) كم بينك وبين السماء؟! كثير، ما قال من فوقهم لا يصح. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)، (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت). (من) كما ذكرنا تفيد ابتداء الغاية فلما قال (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) يعني متصل بهم ليس بينهم وبين السد مسافة وإنما السد ملتصق بهم لو قال (بين أيديهم) تحتمل هذا وتحتمل المسافة البعيدة وذكرنا مثالاً (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) ق) لم يقل من فوقهم لأنها مسافة بعيدة. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)، وقال تعالى في فصلت يتكلم عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) لأن الجبال هي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبين الأرض فاصل لذلك لم يقل رواسي فوقها، (فوقها) تحتمل الملاصقة وعدمها أما (من فوقها) فتهني الملاصقة. وفي مناسبة ذكرنا العرش في يوم القيامة (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (75) الزمر) ليس بينهم وبين العرش فراغ ولو قال حول العرش تحتمل. إذن عندما قال (من بين أيديهم ومن خلفهم) يعني سد من بين أيديهم ليس بينهم وبينه فاصل ومن خلفهم سد ليس بينهم وبينه فاصل فيمنعهم من الحركة، هم بين سدين. المراد بالمعنى البسيط من الآية أنهم لا يمكن أن يتحركوا فيهتدوا إلى الطريق، هذه حالهم هم محجوزون، في هذه الحالة الطوق في عنقه ومقمح الرأس فكيف يهتدي؟! (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) الصراط يراد له سالك هؤلاء كيف يسلكون؟! كيف يهتدون؟ هؤلاء معناه أنهم لا يمكن أن يهتدوا، هؤلاء مثلهم كمثل هذا فكيف ينتقل من الكفر إلى الإيمان؟ قال تعالى (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) الصراط يراد له مشي وهنا ذكر ما يمنع السير، السد يمنع السير وعدم النظر يمنع السير. *ما دلالة تقديم (من بين أيديهم) على السد؟ ذكرنا أن الكلام عليهم هم وليس على السد لم يتكلم عن السد سوى أنه جعله بين أيديهم ومن خلفهم. فلما كان الكلام عليهم والسياق فيهم هم قدّم ما يتعلق بهم قال (من بين أيديهم) الكلام ليس على السد وإنما عليهم هم. * ما دلالة (ومن خلفهم سداً) مع أنه ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً وهذا يمنعهم من الحركة؟ لم يقل هذا فقط وإنما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)، يعني هو ليس فقط جعل السد وإنما أغشاهم فكيف يبصرون؟! زيادة في عدم الاهتداء. منع طريقة أن يجوزوا على الصراط بالأغلال في الأعناق وبالسد من بين أيديهم ومن خلفهم وأغشاهم فهم لا يبصرون. لماذا ذكر السد من خلفهم؟ الآن سائر في طريق فانقطع عليه الطريق ماذا يفعل؟ يرجع إلى مكانه، لكن إذا جعل من خلفه سداً لا يستطيع العودة إذن هو في مقام الهلكة، لا يستطيع أن يذهب إلى الأمام ولا أن يرجع إلى مكانه إذن جعل السد من خلفهم حتى يمنعه من العودة إلى مكانه فهو قطع الطريق عليه من الأمام فأراد أن يرجع إلى مكانه لم يستطع لأن هناك سد من خلفه إذن هو بقي في مكانه حتى يهلك لأن هذا المكان هو مهلكة يبقى في مكانه إلى أن يهلك لم يرجع إلى مكانه ولم يتقدم. * قال (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (9)) لماذا ترك الجانبين ولم يأت بأربع جهات؟ هو قال (فأغشيناهم) يعني غطاهم أيضاً فهم لا يبصرون. ثم نأتي للسؤال لماذا ترك الجانبين؟ * فأغشيناهم بمعنى عشّينا عليهم؟ نعم جعل عليهم غشاوة إما بالسدّين أو إضافة إلى السدّين غطاهم كلهم. أما السؤال لماذا ترك الجانبين؟ هو عندما قال (مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فهم لا يستطيعون الحركة منهم من الحركة إذا هم لا يستطيعون الحركة لا إلى اليمين ولا إلى اليسار لما كان السدين ملتصقين بهما كيف يتحركوا؟ لا يستطيعوا أن يتحركوا. ثم أغشاهم لا يبصرون كيف يتحركون؟ لا يعلمون أين يذهبون، ومنعهم من الحركة أصلاً. وقالوا إذا اتجهوا إلى اليمين سيكون السدّ أمامهم جعلهم بين أيديهم وإذا اتجهوا إلى اليسار أيضاً سيكون السد من أمامهم ومن خلفهم لأنه ملتصق بهم، انتهت المسألة والتكرار لن يضيف شيئاً. فهو منعهم من الحركة والإبصار في كل الأحوال لا يبصرون ولا يتحركون. * هل تكرار كلمة السد له دلالة معينة؟ طبعاً، السد الثاني غير السد الأول، هذا غير هذا، هذا نكرة فتكرارها له دلالة، مثل: رأيت رجلاً وأكرمت رجلاً يعني الرجل الثاني غير الأول وإلا قلنا رأيت رجلاً وأكرمت الرجل هو كما في قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (16) المزمل) هو نفسه لو قال فعصى فرعون رسولاً لكان غيره. إذن السد من خلفهم غير السد من بين أيديهم سد من الأمام وسد من الخلف السدان منفصلان تماماً والتنكير هنا له دلالة معينة. لو قال (السد) لدل على أنه نفسه. * ما الفرق بين دلالة كلمة (خلفهم) و(بعدهم) ؟ بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام (وهي في الغالب للمكان) هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هو الظهر أيضاً. أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد ففي هذه الآيات لا يمكن أن تحلّ خلف محل بعد (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) البقرة) (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) لأن كلها متعلقة بالزمان. أما خلف فهي في الأصل للمكان، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) يس) (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة) (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) أي يلونهم مباشرة كأنهم واقفين خلفهم وكذلك قوله تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)). * قال تعالى في سورة البقرة (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7)) لم يقل هذا في سورة يس مع أن المعنى واحد فما دلالة هذا؟ في يس ضمن ما ذكر في البقرة لأنه عندما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كأنما ختم على أبصارهم غشاوة، عندما جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم معناه أنهم لا يسمعون أغشاهم لأن السد عالي فكيف يسمعون؟ أغشاهم إما بالسد أو بغشاء آخر فكيف يسمع؟ إذن ذهب السمع وذهب البصر إذن كيف يفقه؟ منافذ العلم سُدّت إذن هو لا يسمع ولا يبصر ولما كانت منافذ العلم مسدودة معناه لا يفقه بمعنى أن الله ختم على قلوبهم لكن لماذا كان التعبير بصورة أخرى؟ لماذا هناك قال ختم الله على قلوبهم تصريحاً وعلى سمعهم وهنا قال (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) مع أن هذا يفضي إلى ما في البقرة؟ ذكرنا قبل قليل ربنا تعالى قال في سورة يس (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) والصراط للسير فذكر ما يمنع السير مناسبة لذكر الصراط وهو يفضي إلى ما في البقرة لكن هو المناسب، ذكر ما يمنع السير وهو السد الذي يمنعه من الذهاب إلى الصراط، يمنعه أن يسير في ، أليس الصراط للسير؟ هو ذكر ما يمنع السير فهو أنسب لذكر الصراط فلما قال (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير الأغلال التي تمنع والسد. بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) هذا يتعلق بالإيمان بالغيب والتقوى، إذن المسألة متعلقة بالإيمان والتقوى في سورة البقرة والتقوى محلها القلب كما قال  التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه فقال (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ) فكيف يتقون؟ هو قال (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) والتقوى هاهنا فكيف يتقي؟! لا يستطيع. ثم ذكر أنه ختم على السمع وعلى الأبصار غشاوة فكيف يؤمن إذا ليس له قلب؟ انسدت منافذ العلم والتقوى والهدى كلها انسدّت، إنسدت منافذ التقوى السمع والبصر والقلب كما إنسدت الطرق أمام الذي على الصراط فلما كان الكلام على الصراط ذكر ما يمنع من الصراط ولما كان الكلام على التقوى والإيمان ذكر ما يمنع من الإيمان والتقوى. مع أن أحدها يفضي إلى الآخر لكن كل واحد أنسب لسياقها فواحدة أنسب للصراط والثانية أنسب للتقوى والإيمان فكل واحدة مناسبة لمكانها. * هل الغشاء متصل بالسمع أم متصل بعدم الإبصار؟ هو قال (فأغشيناهم) إذا أغشاهم إذن فكيف يسمع؟ * ربما نفهم (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) لا يبصرون نتيجة الغشاوة الموجودة؟ تمام، والسمع أيضاً السمع واضح أنه لا يكون. * إذن هم في عزلة؟ هم في عزلة وإذا انسد السمع والبصر كيف يفقه؟! لكن يبقى السؤال لماذا هذا الاختيار؟ما السبب في أنه اختار، هذا السؤال الذي تفضلت به؟ (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) ما سبب الاختيار في كل من الموضعين؟ لماذا لم يقل كما قال في ختام آية البقرة (ختم على قلوبهم)؟ هذا السؤال. طبعاً لو قرأنا الآيات في كل موطن من الآيتين قال (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ما الغرض من الصراط؟ الصراط هو الطريق والغرض أن يسير عليه، ذكر الصراط للسير وهو ذكر في يس ما يمنع السير (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) قال (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) فذكر ما يمنع السير على الصراط. وجود السد من بين ايديهم ومن خلفهم سيمنعهم من السير فمناسب مع ما ذكر (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) لأن الغرض من ذكر الصراط هو السير فيه، الآن ذكر ما يمنع السير على الصراط المستقيم وهو السدّ، قطع الطريق عليهم بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) إذن يتعلق الأمر بالإيمان والتقوى ليس في السير، * سياق مسرح الأحداث أو سياق الحالة تختلف. (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) هذا غير أمر، ذاك السير والصراط وهذا ما يتعلق بالإيمان والتقوى. والتقوى في القرآن وفي حديث يقول (التقوى هاهنا) في القلب فقال (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7)) فمن أين تأتيهم التقوى؟! وذكر انسداد منافذ العلم والإيمان (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)) إذن منافذ الإيمان انسدت والتقوى ختم على قلوبهم فمناسب كل واحدة مناسبة للسياق الذي ورد فيه لما قال (عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير على الصراط (السد) وعندما ذكر التقوى ذكر ما يمنع من التقوى والقلب. * يعني هو في الحالين ذكر ما يمنع من المراد الموجود في السياق؟ مع العلم أن المفهوم العام هو أيضاً كل واحدة تؤدي لكن ذكر كل واحدة بما هو مناسب للسياق الذي ورد فيه. * والله هناك سؤال يحيرني أسأل أم لا أسأل وليعذرني المشاهدون وليعلمني الدكتور: هل الله سبحانه وتعالى كان يقصد كل هذا الذي نفهمه الآن ونفسره؟ هذه الكلمة هنا وتلك توضع هنا وهذه لا توضع هنا؟ هل هو مقصود في حد ذاته؟ كل لفظة وكل تغيير في لفظة أو اختيار مرادف على آخر أو اختيار لفظة على أخرى هو مقصود قصد تام دقيق حتى الكلمة لما يحذف منها أو يجعلها كما هي (توفّاهم – تتوفاهم) (تنزّل – تتنزل) (يضّرعون – يتضرعون) كله مقصود كل حرف كل اختيار كل كلمة لا نعلم إلا الأمر القليل من ذلك وما أودعه من الأسرار هذا أكبر مما عندنا بكثير ولذلك في الأثر يقولون أن ربنا يجمع المفسرين يوم القيامة في الجنة ثم يبدأ يفسر فكأنهم لم يعلموا شيئاً ولم يعرفوا شيئاً. * يفسره الله تبارك وتعالى؟ نعم يجمع المفسرين فيفسره لهم. * ويبدو أنهم لا يعلمون شيئا؟ لا إله إلا الله. إذن هذا الكلام مقصود لذاته؟ طبعاً. ومقصود ما هو أكثر من ذلك ونحن لا نعلم إلا القليل. *(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) لماذا لم يتكرر فعل (جعلنا) كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ)؟ التكرار يفيد التوكيد في الغالب. هل المطلوب السير إلى الأمام أو الرجوع؟ السير إلى الأمام، إذن ليسا بمنزلة واحدة الرجوع ليس كالسير إلى الأمام. السير إلى الأمام يكون عندك هدف والأهم هو السير إلى الأمام قال (وجعلنا) إذن العودة إلى الخلف ليست بمنزلة السير إلى الأمام فلم يقل (جعلنا) لأنهما ليسا بمنزلة واحدة ولو قال (وجعلنا من خلفهم سدا) يدل على أنهما بمنزلة واحدة بينما إلى الأمام ليس كـ إلى الخلف. بينما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ) كلاهما لا تقوم الحياة إلا بهما وهما بمنزلة واحدة لا تصلح الحياة بأحدهما لا تصلح الحياة بليل لا نهار فيه أو نهار لا ليل فيه وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) هذان بمنزلة واحدة للحياة الليل والنهار لا تصلح الحياة بأحدهما فكرر (جعلنا) أما في سورة يس فليسا بمنزلة واحدة. * ولما قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)؟ الليل والنهار كلاهما للإنسان لا بد كلاهما لا يمكن أن تكون حياة بلا ليل ولا نهار. * هنا لو قال (وجعلنا الليل لباسا والنهار معاشا)؟ لا كلاهما بنفس المنزلة ولو قال هذا لكان المعنى أن الليل أهم من النهار. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) النوم والحركة كلها مطلوبة لا بد منها فهما بمنزلة واحد فكرر جعلنا. * تكرار الفعل جعلنا يدل على أنهما بنفس المنزلة؟ توكيد. * وذكره أمامه واحدة وعدم ذكره أمام الثانية؟ ليسا بنفس المنزلة.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بعدما ذكر أنه جعل في أعناقهم أغلالاً ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً. وقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) و(وَمِنْ خَلْفِهِمْ) ولم يقل (وجعلنا بين أيديهم سداً وخلفهم سدً) ذلك أن (من) تفيد ابتداء الغاية ومعنى ذلك أنه جعل السد ابتداء من بين أيديهم ولم يترك بينه وبينهم فراغاً وكذلك من خلفهم فإن السد ملتصق بهم من الأمام وكذلك من الخلف فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة أو حركة بخلاف ما إذا لم يذكر (من) فإنه يحتمل أن يكون بينهم وبين السد مسافة بعيدة أو قريبة وذلك نحو قوله تعالى (أفلم يروا إلى السماء فوقهم) فإن بينهم وبين السماء مسافة بعيدة وكذلك قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) فإن بينهم وبين الطير مسافة غير قليلة في حين قال عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) – فصلت (10) فجاء بـ (من) ليدل على أن الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ. ثم قدم الجار والمجرور على السد فقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) ولم يقل (وجعلنا سداً من بين أيديهم وسداً من خلفهم) وذلك لأن الكلام عليهم لا على السد فكان تقديم ما تعلق بهم أولى ونحوه قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) كما ذكرنا. وقد تقول: هذا أمر السد من أمامهم فلماذا جعل من خلفهم سداً وما الغرض منه؟ فنقول: كما إنه منعهم من السير إلى أمام منعهم من العودة والرجوع إلى أماكنهم الأولى، فإن الشخص إذا قطع عليه الطريق عاد إلى مكانه الأول ومقامه الذي كان فيه، وهنا قد منعه من ذلك فبقي في مكانه من الطريق في غير مأمن وفي غير مقام فهلك. ثم أغشى أبصارهم وغطاهم فمنعهم من الرؤية فهم لا يبصرون ولا يتحركون فكيف يهتدون؟ وقوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يحتمل أنه أغشاهم بالسدين أي غطاهم فلا يستطيعون الإبصار ولا الحركة أو أغشى أبصارهم علاوة على السدين، وفي كلتا الحالتين لا يستطيعون الحركة ولا الإبصار. وقد تقول: ولم ترك الجانبين وهما جهتا اليمين واليسار فلم يذكر إنه جعل فيهما سدين. فنقول: 1- إن قوله (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) منعهم من الحركة البتة إلى أية جهة كانت ذلك لأن السدين ملتصقان بهم. 2- قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي غطيناهم والتغطية تشمل جميع الجسم وليس جانباً منه أو جانبين فلا يستطيعون الحركة لإغشائهم. 3- قوله (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يمنعهم من معرفة ما هم عليه من السبيل. 4- إذا اتجهوا إلى جهة اليمين كان السد من بين أيديهم أيضا ومن خلفهم لأن هذه الجهة ستكون هي الأمام فتكون مسدودة عليهم وإن أية جهة سيتجهون إليها ستكون هي ما بين أيديهم فيجعل سداً من بين أيديهم ومن خلفهم، فقوله (من بين أيديهم ومن خلفهم) يشمل جميع الجهات لأن أية جهة يتجهون إليها ستكون ما بين أيديهم فلا حاجة إلى ذكر جهتي اليمين واليسار فما ذكره يغنى عن ذكرهما، وإسناده الجعل والإغشاء إلى الله تعالى بيان إنه لا يمكن لأحد أن يزيل السدين أو يرفع الغشاوة. جاء في (التفسير الكبير): "وعلى هذا فقوله تعالى(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال: لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل. وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المانع إما أن يكون في النفس وإما أن يكون خارجاً عنها، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان، أما في النفس فالغل وأما من الخارج فالسد، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظره على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) ) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق. وفي تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) مسائل: (المسألة الأولى) السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) فلا يقدرون على السلوك، وأما السد من خلفهم فما الفائدة فيه؟ فنقول: الجواب عنه من وجوه. (الأول) هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية (وجعلنا من خلفهم سداً) فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية ... (الثالث) هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك، فقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ) إشارة إلى إهلاكهم. (المسألة الثانية) قوله تعالى (فأغشيناهم) بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتباً على جعل السد فكيف ذلك؟ فنقول: ذلك من وجهين: أحدهما أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سبباً للبعض فكأنه تعالى قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله (وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئاً أصلاً. وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما تبقى عينيه على سطح السد لا يبصر شيئا، أما غير السد فللحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جداً. (المسألة الثالثة) ذكر السدين من بين الأيدي و من خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟... لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سداً. ووجه آخر أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سبباً للإغشاء كان السد ملتزقاً به، وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال، وقوله تعالى (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يحتمل ما ذكرنا إنهم لا يبصرون شيئاً، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد فيظن إنه على الطريقة المستقيمة وغير ضال (1) وقد تقول: ولم لم يقل كما قال في سورة البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ؟ فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ذكر فيه علاوة على أن ما ذكر في سورة يس يفيد ما أفاده في سورة البقرة، ذلك أن قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) هو بمعنى قوله (وعلى أبصارهم غشاوة)، وأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يفيد أنهم لا يسمعون فإن من كان بين سدين مغطى بهما لا يسمع، وإذا كان كذلك فهو لا يفقه لآن منافذ العلم مسدودة فأفاد إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون. ثم إن ما ذكره في كل موطن هو المناسب من جهة آخري ذلك أنه قال في سورة يس (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) والصراط إنما يكون للسير فيه وسلوكه فذكر ما يمنع الكفرة من سلوك الصراط المستقيم والسير فيه وهو الأغلال في أعناقهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، والسد إنما هو لمنعهم من السير، أما المؤمنون فإنهم على الصراط المستقيم يسلكونه ويتخذونه سبيلاً، ولم يذكر مثل ذلك في البقرة فكان ذكر السد مناسباً في سورة يس. وأما في سورة البقرة فقد قال إن هذا الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة. فالمسألة متعلقة بالإيمان والتقوى فذكر أن الكفرة مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وأن على أبصارهم غشاوة فانسدت منافذ الإيمان والتقوى، ومنافذ الإيمان والتقوى والعلم لدفع الريب هي السمع والبصر والقلب فذكر أن هذه كلها مغلقة. فأغلق منافذ السير على الصراط المستقيم في سورة يس وأغلق منافذ الإيمان والهدى في سورة البقرة، فناسب كل تعبير مكانه الذي هو أليق به. وقد تقول: ولم لم يكرر (جعلنا) من الخلف فيقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) كما قال في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا )– 10،11. والجواب أن التكرار يفيد التأكيد، والسدان ليسا بمنزله واحدة فإن السد الذي من بين أيديهم يمنعهم من السير إلى أمام وهو أهم لأنه هو الموصل إلى الهدى وإلى الفلاح، وأما السد من خلف فهو مانع من الرجوع، والعود ليس أحمد. ولما لم يكن السدان بمنزلة واحدة من حيث الأهمية لم يجعلهما في التعبير بمنزله واحدة، فذكر الفعل في المهم وحذفه مما هو أقل أهمية، وأما تكراره في سورة النبأ فإن الليل والنهار كلاهما مهم للإنسان وحياته فلا تصلح الحياة بليل لا نهار فيها ولا تصلح بنهار لا ليل فيها، قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) – القصص (71، 72). فلما كانت الحياة إنما تستقيم بالليل والنهار معاً جعلهما بمنزلة واحدة في التعبير فكرر الجعل مع كل واحد منهما والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص24 إلى ص29 1- التفسير الكبير 26/45-46
فاضل السامرائي