سورة البقرة | الآية ٣٥

عرض السورة
التَّفسير

ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ ﰢ

تفسير المنار
رشيد رضا
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
التفسير القيم
ابن القيم
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
﴿( ٣٥ ) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( ٣٦ ) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ( ٣٧ ) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾
مجمل الآيات أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى. ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن كل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحا واحدا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك. والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقه. فلا يقال : إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الابليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه ؟ لا يقال ذلك لأنه كان مستعدا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى. ولما وجد خلقا مستعدا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه. كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجودة كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.
ومجمل الآيات اللاحقة : أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم. وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كان فيه من النعيم إلى ضده. ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله. ثم جعل سعادة هذا النوع بإتباع هدى الله وشقاءه بتركه. وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر. وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقى من الإنكار. وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة. وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر، وهو أن المعصية من شأن البشر. كأنه يقول : فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم. تغلب عليهم الوساوس. وتذهب بصرهم الدسائس. انظر ما وقع لآدم وما كان منه وسنة الله مع ذلك لا تتبدل. فقد عوقب آدم على خطيئته بإهباطه مما كان فيه. وإن كان قد قبل توبته. وغفر هفوته ] فالمعصية دائما مجلبة الشقاء. وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.
وأما تفسير هذه الآيات بالتفصيل فقد اختلف علماء المسلمين من أهل السنة وغيرهم في ( الجنة ) هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة ؟ أم هي الدار الموعود بها في الآخرة ؟ والمحققون من أهل السنة على الأول. قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسعى بالتأويلات : نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من غياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم.
وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي ( ١ ) إن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليفة فيها، فالخلافة مقصود منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة ( ٢ ) إنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم ( ٣ ) إن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون، فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون ؟ ( ٤ ) إنها ليست محلا للتكليف ( ٥ ) إنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها ( ٦ ) إنه لا يقع فيها العصيان. وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك.
( أقول ) وقد أجاب بعضهم عن بعض هذه الإشكالات ولكل من الفريقين إشكالات وأجوبة أطال في بيانها ابن القيم في ( حادي الأرواح ) ولم يرجح شيئا ولذلك مال بعضهم إلى الوقف، وما اختاره شيخنا أقوى. وقد قال به أبو حنيفة وتبعه أبو منصور، وقد كان ظهر لي عند كتابة تفسير الآيات شيء آخر لم يذكره الأستاذ الإمام ولم أره في كتب التفسير وهو أن القول بأن آدم أسكن جنة الآخرة يقتضي أن تكون الآخرة هي الدار الأولى والدنيا فتكون التسمية للدارين غير صحيحة وينافى أيضا كون الجنة دار ثواب يدخلها المتقون جزاء بما كانوا يعلمون كما ورد في الآيات الكثيرة.
وقد قال تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ ولم يقل ( ادخل ) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير على الانتقال فقوله ﴿اسكن﴾ يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها، وقوله ﴿وكلا منها رغدا حيث شئتما﴾ إباحة للتمتع بتلك الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أكلا رغدا واسعا هنيئا من أي مكان منها إلا شيئا واحدا نهاهما عنه بقوله ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها، ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئا، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال، وربما كان في الأكل منها ضرر، أو كان النهي ابتلاء وامتحانا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شيء واختباره، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر(١)
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبقي مما يتعلق بهذا التفسير مسألتان قد أكثر الناس الكلام فيهما وهما مسألة خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم، ومسألة عصمة آدم.
فأما الأولى فليس في القرآن نص فيها ولا يلزمنا حمل قوله تعالى ﴿وخلق منها زوجها﴾ على ذلك لأجل مطابقة سفر التكوين، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة في خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به، وكونه قد أعطي استعدادا في العلم والعمل لا نهاية لهما ليظهر حكم الله ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية. ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره، لم يبين الزمان والمكان كما بينا في سفر التكوين، وكان بيانهما سببا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليفة لدين النصرانية، لأن العلم المبني على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة، ووجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل.
( أقول ) فإن قلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة في الصحيحين في تعليل التوصية بالنساء " فإن المرأة خلقت من ضلع " قلنا : إنه على حد قوله تعالى ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ كما قالوا في شرحه- وسيأتي في تفسير القصة من سورة الأعراف. ولم يتعرض شيخنا في الدرس لقوله تعالى ﴿وخلق منها زوجها﴾ ولكنه كتب بعد ذلك وقبل ما ستراه عنه في تفسير سورة النساء ما نصه :
[ وأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ وفي سورة الأعراف ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ فقد قال غير واحد من المفسرين : إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) فإن المعنى هناك على أنه خلق أزواجا من جنسنا، ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر ) ].
( قال ) وأما مسألة عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه، كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول : إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه ﴿فنسي ولم نجد له عزما﴾ والاتفاق إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة. وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانا، فسمي تفخيما لأمره عصيانا، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلا فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل.
وأما تفسير الآيات على طريقة الخلف في التمثيل فيقال فيه : إن القرآن كثيرا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو أسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان والتأثير، فهو يدعو بها الأذهان، إلى ما وراءها من المعاني، كقوله تعالى ﴿٥٠ : ٣٠ يوم نقول لجهنم هل امتلأت ؟ وتقول هل من مزيد﴾ فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا، ونحوه قوله عز وجل بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء ﴿٤١ : ١١ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ والمعنى في التمثيل ظاهر.
( أقول ) وهذا الأمر يسمى أمر التكوين، ويقابله أمر التشريع، وإنما سمي أمر التكوين للتعبير عنه في التنزيل بقوله تعالى ﴿٣٦ : ٨٢ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ فهو تصوير لتعلق إرادة الربوبية بالإيجاد، ولا أذكر عن أحد من المفسرين المتبعين للأثر تصريحا بأن الأوامر في قصة آدم من أمر التكوين إلا للحافظ ابن كثير فإنه ذهب في تفسير ﴿قال فاهبط منها﴾ من سورة الأعراف إلى أن الأمر فيه أمر قدري كوني، ومثله ما في معناه من قصة آدم ومن الآيات الأخرى من مخاطبة إبليس للرب وجوابها في شأن إغوائه للبشر وإنظاره إلى يوم القيامة.
( قال الأستاذ الإمام ما مثاله ) وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا : إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض – وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض – وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه في استعمارها – وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته – وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك – وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض – ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن سكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.
هذا ملخص ما تقدم في سابق آيات القصة.
وأما التمثيل فيما نحن فيه منها فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرأى ومأكول ومشروب ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، كما قال تعالى في القصة من سورة طه ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة، فيقال كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.
ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وفسرت بكلمة الكفر. وفي الحديث تشبيه المؤمن بشجرة النخل – ويصح أن يكون المراد بسكنى الجنة وبالهبوط منها أمر التكوين فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان : أمر تكوين وأمر تكليف.
والمعنى على هذا : أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهده في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه ﴿٧١ : ١٤ وقد خلقكم أطوارا﴾ فأولها طور الطفولية(١) وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائما في جنة ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشئون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي إنه تعالى خلق البشر ذكورا وإناثا هكذا – وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير – النهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وأن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى ﴿٩٠ : ١١ وهديناه النجدين﴾ وسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوى فيها داعية الشر، أي إن إلهام التقوى والخير أقوى في فطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه – والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري – وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه في الشدة. وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتي عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه الفطرة، ويرده الوحي المحكم المتواتر.
فحاصل القول : أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة. طور الطفولة وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لإتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه ( قال الأستاذ ) كأن تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة، قويم الوجهة، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم، طاعة للشهوة، وميلا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم فثار النزاع، وعظم الخلاف، واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف في تاريخ الأمم ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الخير والشر بميزان النظر والفكر، وتحديد حدود للأعمال إليها نزعات الشهوات، ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.
( وأقول الآن ) إن توبة آدم عليه السلام بناء على تفسير القصة بحمل الكلام على الحقيقة قد كانت بالرجوع إلى الله واعترافه مع حواء بظلمهما لأنفسهما وطلبهما المغفرة والرحمة منه تعالى، لا بمجرد تدبر العقل ووزن الخير والشر بميزان الفكر الخ ما قاله شيخنا هنا تبعا لبعض علماء الاجتماع من المؤرخين، وقد بين هو في بحث الحاجة إلى الرسالة من رسالة التوحيد أن عقل البشر لا يستقل بوضع حدود للأعمال تنتهي إليها نزغات الشهوات ؛ ويقف عندها سير الأهواء والرغبات، بل لا بد من تشريع إلهي لذلك، ولكنه أوجز هنا فترك المسألة مبهمة مظلمة، وإننا نرى أن طور العقل والفكر قد بلغ في هذا العصر مرتقى لم يعرف في التاريخ ما يقربه، ووضع علماؤه وحكماؤه شرائع وقوانين لإيقاف التنازع والتخاصم عند حد لا يتفاقم شره، ثم نرى أعلم هذه الأمم ودولها مبعث الشرور والشقاوة، والخبث والرياء والحروب والفتن، فلا هداية إلا هداية الدين الإلهي الذي تذعن له الأنفس بمحض العبودية لله تعالى.


١ راجع تفسير المسألة في سورة الأعراف(ج ٨) تجد فيه ما ليس هنا..

﴿( ٣٥ ) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( ٣٦ ) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ( ٣٧ ) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾
مجمل الآيات أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى. ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن كل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحا واحدا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك. والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقه. فلا يقال : إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الابليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه ؟ لا يقال ذلك لأنه كان مستعدا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى. ولما وجد خلقا مستعدا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه. كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجودة كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.
ومجمل الآيات اللاحقة : أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم. وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كان فيه من النعيم إلى ضده. ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله. ثم جعل سعادة هذا النوع بإتباع هدى الله وشقاءه بتركه. وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر. وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقى من الإنكار. وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة. وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر، وهو أن المعصية من شأن البشر. كأنه يقول : فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم. تغلب عليهم الوساوس. وتذهب بصرهم الدسائس. انظر ما وقع لآدم وما كان منه وسنة الله مع ذلك لا تتبدل. فقد عوقب آدم على خطيئته بإهباطه مما كان فيه. وإن كان قد قبل توبته. وغفر هفوته ] فالمعصية دائما مجلبة الشقاء. وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.

تفسير المنار

رشيد رضا

عرض الكتاب