سورة فصلت | الآية ٩

عرض السورة
التَّفسير

ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَهَا مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَذَكَرَ أَيْضًا بَعْدَهَا مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ كُفْرًا لَكَانَ ذِكْرُهُ فِيمَا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ الْمُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا، لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يَكُونُ فَصِيحًا إِذَا كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ أَكَّدُوا ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْجَوَابُ: لَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَهُمَا حَاصِلَانِ عِنْدَ عَدَمِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الْكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ وَعِيدَ الْكُفَّارِ أَرْدَفَهُ بِوَعْدِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أَيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِنْ قَوْلِكَ مَنَنْتُ الْحَبْلَ، أَيْ قَطَعْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أَيْ قَطَعَهُ، وَقِيلَ لَا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا سَمَّاهُ أَجْرًا، فَإِذًا الْأَجْرُ لَا يُوجِبُ الْمِنَّةَ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى إِذَا عَجَزُوا عَنِ الطَّاعَةِ كُتِبَ لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون.

[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٩ الى ١٢]

قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)
[في قوله تعالى قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنْ يَقُولَ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: ١١٠] فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت: ٦] أَرْدَفَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَامِ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَعْبُودِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَ كَمَالَ قدرته وحكمته في خلق السموات وَالْأَرْضِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَمَنْ هَذَا صِفَتُهُ كَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الْأَصْنَامِ الْخَسِيسَةِ شُرَكَاءَ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَعْبُودِيَّةِ؟
فَهَذَا تَقْرِيرُ النَّظْمِ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَيِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِهَمْزَةٍ وَيَاءٍ بَعْدَهَا خَفِيفَةٍ سَاكِنَةٍ بِلَا مَدٍّ، وَأَمَّا نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ قَالُونَ وأبوا عَمْرٍو فَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، إِلَّا أَنَّهُمَا يَمُدَّانِ، وَالْبَاقُونَ هَمْزَتَيْنِ بِلَا مَدٍّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تعالى: أَإِنَّكُمْ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، وَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُمْ شَيْئَيْنِ مُنْكَرَيْنِ أَحَدُهُمَا:
الْكُفْرُ بِاللَّهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَثَانِيهِمَا: إِثْبَاتُ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ لَهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا مُغَايِرًا لِإِثْبَاتِ الْأَنْدَادِ لَهُ، ضَرُورَةَ أن عطف أحدهما على لآخر يُوجِبُ التَّغَايُرَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُفْرِهِمْ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى حَشْرِ الْمَوْتَى، فَلَمَّا نَازَعُوا فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يُنَازِعُونَ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَفِي بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُضِيفُونَ إِلَيْهِ الْأَوْلَادَ، وَذَلِكَ أَيْضًا قدح
— 543 —
فِي الْإِلَهِيَّةِ وَهُوَ يُوجِبُ الْكُفْرَ بِاللَّهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَثْبَتُوا الْأَنْدَادَ أَيْضًا لِلَّهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِمْ بِإِلَهِيَّةِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ، وَاحْتَجَّ تَعَالَى عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ بِالتَّأْثِيرِ فَقَالَ كَيْفَ يَجُوزُ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الْخَسِيسَةِ أَنْدَادًا لِلَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَمَّمَ بَقِيَّةَ مَصَالِحِهَا فِي يومين آخرين وخلق السموات بِأَسْرِهَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ؟ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْعَظِيمَةِ، كَيْفَ يُعْقَلُ الْكُفْرُ بِهِ وَإِنْكَارُ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَكَيْفَ يُعْقَلُ إِنْكَارُ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّكْلِيفِ وَعَلَى بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الْخَسِيسَةِ أَنْدَادًا لَهُ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ عَلَى إِثْبَاتِ شَيْءٍ، فَذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا عِنْدَ الْخَصْمِ حَتَّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَكَوْنُهُ تَعَالَى خَالِقًا لِلْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالْعَقْلِ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالسَّمْعِ وَوَحْيِ/ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْكُفَّارُ كَانُوا مُنَازِعِينَ فِي الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ، فَلَا يُعْقَلُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا امْتَنَعَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمُ امْتَنَعَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى فَسَادِ مَذَاهِبِهِمْ، قُلْنَا إثبات كون السموات وَالْأَرْضِ مَخْلُوقَةً بِطَرِيقِ الْعَمَلِ مُمْكِنٌ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَمْكَنَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْقَاهِرِ الْعَظِيمِ، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لِلْكَافِرِينَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْإِلَهِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ وَبَيْنَ الصَّنَمِ الَّذِي هُوَ جَمَادٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ؟ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى فِي الِاسْتِدْلَالِ بِكَوْنِهِ تَعَالَى خَالِقًا لِلْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ أَثَرٌ، فَنَقُولُ هَذَا أَيْضًا لَهُ أَثَرٌ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ التَّوْرَاةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَكُفَّارُ مَكَّةَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعُلُومِ وَالْحَقَائِقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَاعْتَقَدُوا فِي كَوْنِهَا حَقَّةً، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ إِنَّ الْإِلَهَ الْمَوْصُوفَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى خلق هذه الْأَشْيَاءِ الْعَظِيمَةِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الصَّغِيرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَقْلِ جَعْلُ الْخَشَبِ الْمَنْجُورِ وَالْحَجَرِ الْمَنْحُوتِ شَرِيكًا لَهُ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ؟ فَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَا أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ قَوِيٌّ حَسَنٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ أَيْ ذَلِكَ الْمَوْجُودُ الَّذِي عَلِمْتَ مِنْ صِفَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُهُمْ وَمُبْدِعُهُمْ، فَكَيْفَ أَثْبَتُّمْ لَهُ أَنْدَادًا مِنَ الْخَشَبِ وَالْحَجَرِ؟ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خَالِقًا لِلْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصُّنْعِ الْعَجِيبِ وَالْفِعْلِ الْبَدِيعِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ: قَوْلُهُ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْجِبَالُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كَوْنِهَا رَواسِيَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [١٥]، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ فَوْقِها وَلِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢٧] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [الرَّعْدِ: ٣] قُلْنَا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ تَحْتِهَا لَأَوْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْأَسَاطِينَ التَّحْتَانِيَّةَ هِيَ الَّتِي أَمْسَكَتْ هَذِهِ الْأَرْضَ الثَّقِيلَةَ عَنِ النُّزُولِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الْجِبَالَ الثِّقَالَ فَوْقَ الْأَرْضِ، لِيَرَى الْإِنْسَانُ بِعَيْنِهِ أَنَّ الْأَرْضَ وَالْجِبَالَ أَثْقَالٌ عَلَى أَثْقَالٍ، وَكُلُّهَا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى مُمْسِكٍ وَحَافِظٍ، وَمَا ذَاكَ الْحَافِظُ الْمُدَبِّرُ إِلَّا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ وَبارَكَ فِيها وَالْبَرَكَةُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَالْخَيْرَاتُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِمَّا يُحِيطُ بِهِ الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِالِاسْتِقْصَاءِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ شَقَّ الْأَنْهَارِ وَخَلْقَ الْجِبَالِ وَخَلْقَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَخَلْقَ أَصْنَافِ الْحَيَوَانَاتِ وَكُلِّ مَا يحتاج
— 544 —
إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها وَفِيهِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَمَعَايِشَهُمْ وَمَا يُصْلِحُهُمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَدَّرَ أَقْوَاتَ الْأَبْدَانِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَبْدَانَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ مُجَاهِدٌ: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْأَقْوَاتُ لِلْأَرْضِ لَا لِلسُّكَّانِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِكُلِّ أَرْضٍ حَظَّهَا مِنَ الْمَطَرِ وَالْقَوْلُ/ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ إِضَافَةِ الْأَقْوَاتِ إِلَى الْأَرْضِ كَوْنُهَا مُتَوَلِّدَةً مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ، وَحَادِثَةً فِيهَا لِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا يَكْفِي فِي حُسْنِ الْإِضَافَةِ أَدْنَى سَبَبٍ فَالشَّيْءُ قَدْ يُضَافُ إِلَى فَاعِلِهِ تَارَةً وَإِلَى مَحَلِّهِ أُخْرَى، فَقَوْلُهُ وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أَيْ قَدَّرَ الْأَقْوَاتَ الَّتِي يَخْتَصُّ حُدُوثُهَا بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ كُلَّ بَلْدَةٍ مَعْدِنًا لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَطْلُوبَةِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْمُتَوَلِّدَةِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَبِالْعَكْسِ، فَصَارَ هَذَا الْمَعْنَى سَبَبًا لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي التِّجَارَاتِ مِنِ اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ، وَرَأَيْتُ مَنْ كَانَ يَقُولُ صَنْعَةُ الزِّرَاعَةِ وَالْحِرَاثَةِ أَكْثَرُ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ بَرَكَةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الْأَرْزَاقَ وَالْأَقْوَاتَ فِي الْأَرْضِ قَالَ: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها وَإِذَا كَانَتِ الْأَقْوَاتُ مَوْضُوعَةً فِي الْأَرْضِ كَانَ طَلَبُهَا مِنَ الْأَرْضِ مُتَعَيِّنًا، وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ مِنَ التَّدْبِيرِ قَالَ بَعْدَهُ: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصْلَحَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أُخَرَ، وذكر أنه خلق السموات فِي يَوْمَيْنِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، لَكِنَّهُ ذكر في سائر الآيات أنه خلق السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَلَزِمَ التَّنَاقُضُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنْ قَالُوا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ مَعَ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلِينَ، وَهَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ سِرْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بَغْدَادَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَسِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُرِيدُ كِلَا الْمَسَافَتَيْنِ، وَيَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَعْطَيْتُكَ أَلْفًا فِي شَهْرٍ وَأُلُوفًا فِي شَهْرَيْنِ فَيَدْخُلُ الْأَلْفُ فِي الْأُلُوفِ وَالشَّهْرُ فِي الشَّهْرَيْنِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، فَلَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وَأَبْعَدَ عَنِ الْغَلَطِ، فَلِمَ تَرَكَ هَذَا التَّصْرِيحَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْكَلَامَ الْمُجْمَلَ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ فِيهِ فَائِدَةٌ عَلَى مَا إِذَا قَالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ فِي يَوْمَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي يومين لم يفد هذا الكلام كون هذين اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل فِي يَوْمَيْنِ مَعَ أَنَّ الْيَوْمَيْنِ مَا كَانَا مُسْتَغْرَقَيْنِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ، أَمَّا لَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ الْأَرْضِ وَخَلْقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الْأَرْبَعَةَ صَارَتْ مُسْتَغْرَقَةً فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كَيْفَ الْقِرَاءَاتُ فِي قَوْلِهِ سَواءً؟ وَالْجَوَابُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» قُرِئَ سَواءً بالحركات الثلاثة الْجَرِّ عَلَى الْوَصْفِ وَالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ اسْتَوَتْ سواء أي استواء وَالرَّفْعِ عَلَى هِيَ سَوَاءٌ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ سَوَاءً؟ فَنَقُولُ إِنَّ الْأَيَّامَ قَدْ تَكُونُ مُتَسَاوِيَةَ الْمَقَادِيرِ كَالْأَيَّامِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَمَاكِنِ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَقَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً كَالْأَيَّامِ/ الْمَوْجُودَةِ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ الْأَرْبَعَةَ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ.
السُّؤَالُ الْخَامِسُ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ لِلسَّائِلِينَ؟ الْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الزَّجَّاجَ قَالَ قَوْلُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَيْ فِي تَتِمَّةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالتَّقْدِيرُ وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي تَتِمَّةِ أَرْبَعَةِ أيام لأجل.
— 545 —
السَّائِلِينَ أَيِ الطَّالِبِينَ لِلْأَقْوَاتِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ هَذَا الْحَصْرُ وَالْبَيَانُ لِأَجْلِ مَنْ سَأَلَ كَمْ خُلِقَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا، وَلَمَّا شَرَحَ اللَّهُ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا أَتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ تخليق السموات فَقَالَ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ وَفِيهِ مَبَاحِثُ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَوَى إِلَى مَكَانِ كَذَا إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ تَوَجُّهًا لَا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الِاعْوِجَاجِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ اسْتَقَامَ إِلَيْهِ وَامْتَدَّ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ [فُصِّلَتْ: ٦] وَالْمَعْنَى ثُمَّ دَعَاهُ دَاعِي الْحِكْمَةِ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ بَعْدَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا، مِنْ غَيْرِ صَرْفٍ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: ذَكَرَ صَاحِبُ «الْأَثَرِ» أَنَّهُ كَانَ عرش الله على الماء قبل خلق السموات وَالْأَرْضِ فَأَحْدَثَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ سُخُونَةً فَارْتَفَعَ زَبَدٌ وَدُخَانٌ، أَمَّا الزَّبَدُ فَيَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ الْيُبُوسَةَ وَأَحْدَثَ مِنْهُ الْأَرْضَ، وَأَمَّا الدُّخَانُ فَارْتَفَعَ وَعَلَا فَخَلَقَ الله منه السموات.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الَّذِي يَزْعُمُ الْيَهُودُ أَنَّهُ التَّوْرَاةُ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ أَجْزَاءٍ مُظْلِمَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ لِأَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا فِي الْمَعْقُولَاتِ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ إِنْسَانٌ فِي ضَوْءِ السِّرَاجِ وَإِنْسَانٌ آخَرُ فِي الظُّلْمَةِ، فَإِنَّ الَّذِي جَلَسَ فِي الضَّوْءِ لَا يَرَى مَكَانَ الْجَالِسِ فِي الظُّلْمَةِ وَيَرَى ذَلِكَ الْهَوَاءَ مُظْلِمًا، وَأَمَّا الَّذِي جَلَسَ فِي الظُّلْمَةِ فَإِنَّهُ يَرَى ذَلِكَ الَّذِي كَانَ جَالِسًا فِي الضَّوْءِ وَيَرَى ذَلِكَ الْهَوَاءَ مُضِيئًا، وَلَوْ كَانَتِ الظُّلْمَةُ صِفَةً قَائِمَةً بِالْهَوَاءِ لَمَا اخْتَلَفَتِ الْأَحْوَالُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاظِرِينَ، فَثَبَتَ أَنَّ الظُّلْمَةَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ النور، فالله سبحانه وتعالى لما خلق الأجزاء التي لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور، ثم لما ركبها وجعلها سموات وَكَوَاكِبَ وَشَمْسًا وَقَمَرًا، وَأَحْدَثَ صِفَةَ الضَّوْءِ فِيهَا فَحِينَئِذٍ صَارَتْ مُسْتَنِيرَةً، فَثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ مِنْهَا السموات وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كَانَتْ مُظْلِمَةً، فَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالدُّخَانِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلدُّخَانِ إِلَّا أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَوَاصِلَةٍ عَدِيمَةَ النُّورِ، فَهَذَا مَا خَطَرَ بِالْبَالِ فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ مُشْعِرٌ بِأَنَّ تَخْلِيقَ السَّمَاءِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النَّازِعَاتِ: ٣٠] مُشْعِرٌ بِأَنَّ تَخْلِيقَ الْأَرْضِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ السَّمَاءِ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّنَاقُضَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْجَوَابُ الْمَشْهُورُ: أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى/ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَهَا السَّمَاءَ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ دَحَا الْأَرْضَ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَزُولُ التَّنَاقُضُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ: مُشْكِلٌ عِنْدِي مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ إِنَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُهَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ صَارَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً لِأَنَّ خَلْقَ الْجِبَالِ فِيهَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ صَارَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً مُنْبَسِطَةً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَبارَكَ فِيها مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ فِيهَا، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا مُنْبَسِطَةً، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَاءَ بَعْدَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَبَعْدَ أَنْ جَعَلَهَا مَدْحُوَّةً، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ الْهَنْدَسِيَّةُ عَلَى أن
— 546 —
الْأَرْضَ كُرَةٌ، فَهِيَ فِي أَوَّلِ حُدُوثِهَا إِنْ قُلْنَا إِنَّهَا كَانَتْ كُرَةً وَالْآنَ بَقِيَتْ كُرَةً أَيْضًا فَهِيَ مُنْذُ خُلِقَتْ كَانَتْ مَدْحُوَّةً، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهَا غَيْرُ كُرَةٍ ثُمَّ جُعِلَتْ كُرَةً فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا كَانَتْ مَدْحُوَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أُزِيلَ عَنْهَا هَذِهِ الصِّفَةُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَرْضَ جِسْمٌ فِي غَايَةِ الْعِظَمِ، وَالْجِسْمُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ يَكُونُ مَدْحُوًّا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا مَا كَانَتْ مَدْحُوَّةً، ثُمَّ صَارَتْ مدحوة قول باطل، وَالَّذِي جَاءَ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ فِي مَوْضِعِ الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهُوَ كلام مشكل لأنه إن كانت الْمُرَادُ أَنَّهَا عَلَى عِظَمِهَا خُلِقَتْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَهَذَا قَوْلٌ بِتَدَاخُلِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ خَلَقَ أَوَّلًا أَجْزَاءً صَغِيرَةً فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ خَلَقَ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهَا، وَأُضِيفَتْ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أَوَّلًا، فَهَذَا يَكُونُ اعْتِرَافًا بِأَنَّ تَخْلِيقَ الْأَرْضِ وَقَعَ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَخْلِيقِ السَّمَاءِ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ تَخْلِيقُ ذَاتِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ وَتَخْلِيقُ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأرض في يومين آخرين وتخليق السموات فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كَانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا حَصَلَ دَحْوُ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ هَذَا الدَّحْوُ فِي زَمَانٍ آخَرَ بَعْدَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ تَخْلِيقُ السموات وَالْأَرْضِ فِي أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (وَهِيَ دُخانٌ) فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً كِنَايَةٌ عَنْ إِيجَادِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ إِيجَادُ السَّمَاءِ عَلَى إِيجَادِ الْأَرْضِ لَكَانَ قَوْلُهُ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً يَقْتَضِي إِيجَادَ الْمَوْجُودِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ بَاطِلٌ.
فَهَذَا تَمَامُ الْبَحْثِ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ الْمَشْهُورِ، وَنَقَلَ الْوَاحِدِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ: خلق الله السموات قَبْلَ الْأَرْضِ وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ثُمَّ كَانَ قَدِ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، وَقَالَ لَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ فَأَضْمَرَ فِيهِ كَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يُوسُفَ: ٧٧] مَعْنَاهُ إِنْ يَكُنْ سَرَقَ، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [الْأَعْرَافِ: ٤] وَالْمَعْنَى فَكَانَ قَدْ جَاءَهَا، هَذَا مَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ ثُمَّ كَانَ قَدِ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، وَكَلِمَةَ كَانَ/ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُفِيدُ التَّنَاقُضَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ «١» وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً إِنَّمَا حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ ائْتِيا عَلَى الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، بَقِيَ عَلَى لَفْظِ الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً؟ الْجَوَابُ: الْمَقْصُودُ مِنْهُ إظهار كمال القدرة والتقدير: ائتيا شِئْتُمَا ذَلِكَ أَوْ أَبَيْتُمَا، كَمَا يَقُولُ الْجَبَّارُ لِمَنْ تَحْتَ يَدِهِ لَتَفْعَلَنَّ هَذَا شِئْتَ أَوْ لَمْ تَشَأْ، وَلَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَانْتِصَابُهُمَا عَلَى الْحَالِ بِمَعْنَى طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ قالَتا أَتَيْنا عَلَى الطَّوْعِ لَا عَلَى الْكَرْهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ثُمَّ ذَكَرَ الطوع والكره، فوجب أن يتصرف الطَّوْعُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْكَرْهُ إِلَى الْأَرْضِ بِتَخْصِيصِ السَّمَاءِ بِالطَّوْعِ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ السَّمَاءَ فِي دَوَامِ حَرَكَتِهَا عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ، تُشْبِهُ حَيَوَانًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةُ الْأَحْوَالِ، تَارَةً تَكُونُ فِي السُّكُونِ وَأُخْرَى فِي الْحَرَكَاتِ الْمُضْطَرِبَةِ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي السَّمَاءِ لَيْسَ لَهَا إِلَّا الطَّاعَةُ، قَالَ تعالى:
(١) لهذا الدليل تتمة سيوردها المصنف في نهاية الصفحة التالية وهو عندي كالمكرر وإن كان الذي سيجيء هناك أتم مما هنا. [.....]
— 547 —
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النَّحْلِ: ٥٠] وَأَمَّا أَهْلُ الْأَرْضِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِمْ كَذَلِكَ وَثَالِثُهَا: السَّمَاءُ مَوْصُوفَةٌ بِكَمَالِ الْحَالِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، قَالُوا إِنَّهَا أَفْضَلُ الْأَلْوَانِ وَهِيَ الْمُسْتَنِيرَةُ، وَأَشْكَالُهَا أَفْضَلُ الْأَشْكَالِ وَهِيَ الْمُسْتَدِيرَةُ، وَمَكَانُهَا أَفْضَلُ الْأَمْكِنَةِ وَهُوَ الْجَوُّ الْعَالِي، وَأَجْرَامُهَا أَفْضَلُ الْأَجْرَامِ وَهِيَ الْكَوَاكِبُ الْمُتَلَأْلِئَةُ بِخِلَافِ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا مَكَانُ الظُّلْمَةِ وَالْكَثَافَةِ وَاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَغَيُّرِ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ، فَلَا جَرَمَ وَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ تَكَوُّنِ السَّمَاءِ بِالطَّوْعِ وَعَنْ تَكَوُّنِ الْأَرْضِ بِالْكُرْهِ، وَإِذَا كَانَ مَدَارُ خَلْقِ الْأَرْضِ عَلَى الْكُرْهِ كَانَ أَهْلُهَا مَوْصُوفِينَ أَبَدًا بِمَا يُوجِبُ الْكُرْهَ وَالْكَرْبَ وَالْقَهْرَ وَالْقَسْرَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ائْتِيا وَمِنْ قَوْلِهِ أَتَيْنا؟، الْجَوَابُ: الْمُرَادُ ائْتِيَا إِلَى الْوُجُودِ وَالْحُصُولِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: ١١٧] وَقِيلَ الْمَعْنَى ائْتِيَا عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْتِيَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ وَالْوَصْفِ، أَيْ بِأَرْضٍ مدحوة قرارا ومهادا وأي بسماء مقببة سَقْفًا لَهُمْ، وَمَعْنَى الْإِتْيَانِ الْحُصُولُ وَالْوُقُوعُ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ، كَمَا تَقُولُ أَتَى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا وَجَاءَ مَقْبُولًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لتأتي كل واحدة منكما صَاحِبَتَهَا الْإِتْيَانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ وَالتَّدْبِيرُ مِنْ كَوْنِ الْأَرْضِ قَرَارًا لِلسَّمَاءِ وَكَوْنِ السَّمَاءِ سَقْفًا لِلْأَرْضِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلَّا قِيلَ طَائِعِينَ عَلَى اللفظ أو طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون؟ الجواب:
لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بِالطَّوْعِ وَالْكَرْهِ قِيلَ طَائِعِينَ فِي مَوْضِعِ طَائِعَاتٍ نحو قوله ساجِدِينَ [الأعراف: ١٢٠] ومنهم من استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض في جوف السموات أَقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ فِي جَوْفِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ صَارَتِ اللَّفْظَةُ الدَّالَّةُ الْعَقْلَ وَالْحَيَاةُ غَالِبَةً، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بَاطِلٌ، لِإِجْمَاعِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى فَسَادِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَقَضَاءُ الشَّيْءِ إِنَّمَا هُوَ إِتْمَامُهُ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَقَضاهُنَّ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى السَّمَاءِ عَلَى الْمَعْنَى كَمَا قَالَ: طائِعِينَ وَنَحْوُهُ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الْحَاقَّةِ: ٧] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مبهما مفسرا بسبع سموات وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبَيْنِ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَلَى الْحَالِ وَالثَّانِيَ عَلَى التَّمْيِيزِ.
ذَكَرَ أَهْلُ الْأَثَرِ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وَمَا فِيهَا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَفَرَغَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَخَلَقَ فِيهَا آدَمَ وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيهَا الْقِيَامَةُ، فَإِنْ قِيلَ الْيَوْمُ عِبَارَةٌ عَنِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغروبها، وقبل حدوث السموات وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْيَوْمِ؟ قُلْنَا مَعْنَاهُ إِنَّهُ مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ مَا لَوْ حَصَلَ هُنَاكَ فَلَكٌ وَشَمْسٌ لَكَانَ الْمِقْدَارُ مُقَدَّرًا بِيَوْمٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قَالَ مُقَاتِلٌ أَمَرَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بِمَا أَرَادَ، وَقَالَ قَتَادَةُ خَلَقَ فِيهَا شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءِ خَلَقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْبِحَارِ وَجِبَالِ الْبَرَدِ، قَالَ وَلِلَّهِ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَحُجُّ إِلَيْهِ وَيَطُوفُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُقَابِلَ الْكَعْبَةِ وَلَوْ وَقَعَتْ مِنْهُ حَصَاةٌ مَا وَقَعَتْ إِلَّا عَلَى الْكَعْبَةِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ قَدْ ثَبَتَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي حُسْنِ الْإِضَافَةِ أَدْنَى سَبَبٍ، وَلِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ كُلِّ سَمَاءٍ تَكْلِيفٌ خَاصٌّ، فَمِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ هُوَ في القيام من أَوَّلِ خَلْقِ الْعَالَمِ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ رُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ وَمِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْفَعُونَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُخْتَصًّا بِأَهْلِ ذَلِكَ السَّمَاءِ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ
— 548 —
مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أَيْ وَكَانَ قَدْ خَصَّ كُلَّ سَمَاءٍ بِالْأَمْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [الْأَعْرَافِ: ٤] وَالْمَعْنَى فَكَانَ قَدْ جَاءَهَا، هَذَا مَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ ثُمَّ كَانَ قَدِ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ قَدْ أَوْحَى، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ وَكَلِمَةَ كَانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فالجمع بينهما تفيد التَّنَاقُضَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ ضَرَبْتُ الْيَوْمَ زَيْدًا ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا بِالْأَمْسِ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ فَكَذَا مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَأْوِيلُ كَلَامِ اللَّهِ بِمَا لَا يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِ التَّنَاقُضِ وَالرَّكَاكَةِ فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ خلق السموات مُقَدَّمٌ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ، بَقِيَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَنَقُولُ: الْخَلْقُ لَيْسَ عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قَوْلِهِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أوجده مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وهذا محال، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال للشيء الذي وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال، فثبت أن الْخَلْقُ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ التَّكْوِينِ وَالْإِيجَادِ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ حُكْمُهُ بِأَنَّهُ سَيُوجِدُهُ وَقَضَاؤُهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ قَوْلُهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَضَى بِحُدُوثِهِ فِي يَوْمَيْنِ، وَقَضَاءُ اللَّهِ بِأَنَّهُ سَيُحْدِثُ كَذَا فِي مُدَّةِ كَذَا، لَا يَقْتَضِي حُدُوثَ ذَلِكَ/ الشَّيْءِ فِي الْحَالِ، فَقَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِحُدُوثِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى إِحْدَاثِ السَّمَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَقَدُّمُ إِحْدَاثِ الْأَرْضِ عَلَى إِحْدَاثِ السَّمَاءِ، وَحِينَئِذٍ يَزُولُ السُّؤَالُ، فَهَذَا مَا وصلت إليه في هذا الْمَوْضِعِ الْمُشْكِلِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِالْإِتْيَانِ فَأَطَاعَا وَامْتَثَلَا وَعِنْدَ هَذَا حَصَلَ فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَجْرِيَ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمَا بِالْإِتْيَانِ فَأَطَاعَاهُ قَالَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْجِبَالَ أَنْ تَنْطِقَ مَعَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سَبَأٍ: ١٠] وَاللَّهُ تَعَالَى تَجَلَّى لِلْجَبَلِ قَالَ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] وَاللَّهُ تَعَالَى أَنْطَقَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ فَقَالَ: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤] وإذا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي ذَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَيَاةً وَعَقْلًا وَفَهْمًا، ثُمَّ يُوَجِّهُ الْأَمْرَ وَالتَّكْلِيفَ عَلَيْهِمَا، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ إِلَّا إِذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ، وهاهنا لَا مَانِعَ، فَوَجَبَ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمَا، فَقَالَ: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وَهَذَا الْجَمْعُ جَمْعُ مَا يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ الثَّالِثُ: قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها [الْأَحْزَابِ: ٧٢] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا عَارِفَةً بِاللَّهِ، مَخْصُوصَةً بِتَوْجِيهِ تَكَالِيفِ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الْإِتْيَانُ إِلَى الْوُجُودِ وَالْحُدُوثُ وَالْحُصُولُ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَحَالَ تَوَجَّهَ هَذَا الْأَمْرُ كَانَتِ السموات وَالْأَرْضُ مَعْدُومَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَصَارَ حَاصِلُ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُقَالَ:
يَا مَوْجُودُ كُنْ مَوْجُودًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَثَبَتَ أَنَّهَا حَالَ تَوَجَّهَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَيْهَا كَانَتْ مَعْدُومَةً، وَإِذَا كَانَتْ مَعْدُومَةً لَمْ تَكُنْ فَاهِمَةً وَلَا عَارِفَةً لِلْخِطَابِ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْجِيهُ الْأَمْرِ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عباس أنه قال:
— 549 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب