سورة فصلت | الآية ١٣

عرض السورة
التَّفسير

ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
قال الله سبحانه للسموات أَطْلِعِي شَمْسَكِ وَقَمَرَكِ وَنُجُومَكِ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْدَعَ فِيهِمَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ثُمَّ أَمَرَهُمَا بِإِبْرَازِهَا وَإِظْهَارِهَا، فَنَقُولُ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَتَيْنا طائِعِينَ حُدُوثَهُمَا فِي ذَاتِهِمَا، بَلْ يَصِيرُ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُظْهِرَا مَا كَانَ مُودَعًا فِيهِمَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَذَلِكَ يدل على أن حدوث السموات إِنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَحْثِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَوْجِيهَ الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ عَلَى السموات وَالْأَرْضِ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ تَكْوِينَهُمَا فَلَمْ يَمْتَنِعَا عَلَيْهِ وَوُجِدَتَا كَمَا أَرَادَهُمَا، وَكَانَتَا في ذلك كالمأمور الْمُطِيعِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأَمِيرِ الْمُطَاعِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: / قَالَ الْجِدَارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي؟
قَالَ الْوَتِدُ: اسْأَلْ مَنْ يَدُقُّنِي، فَإِنَّ الْحَجَرَ الَّذِي وَرَائِي مَا خَلَّانِي وَرَائِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْعُدُولُ عَنِ الظَّاهِرِ إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً إِنَّمَا حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً عَلَى الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ فِيهِمَا مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الْمَأْمُورِ فِيهِمَا، وَهَذَا يَدُلُّ على أنه تعالى أسكن هذه السموات الْمَلَائِكَةَ، أَوْ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَشْيَاءَ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ على أنه إنما خلق الملائكة مع السموات، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَسْكَنَهُمْ فِيهَا، وَأَيْضًا لَيْسَ فِي الْآيَةِ بَيَانُ الشَّرَائِعِ الَّتِي أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِهَا، وَهَذِهِ الْأَسْرَارُ لَا تَلِيقُ بِعُقُولِ الْبَشَرِ، بَلْ هِيَ أَعْلَى مِنْ مَصَاعِدِ أَفْهَامِهِمْ وَمَرَامِي أَوْهَامِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وهي النيرات التي خلقها في السموات، وَخَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِضَوْءٍ مُعَيَّنٍ، وَسِرٍّ مُعَيَّنٍ، وَطَبِيعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: وَحِفْظاً يَعْنِي وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا، يَعْنِي مِنَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، فَأَعَدَّ لِكُلِّ شَيْطَانٍ نَجْمًا يَرْمِيهِ بِهِ وَلَا يُخْطِئُهُ، فَمِنْهَا مَا يَحْرِقُ، وَمِنْهَا مَا يَقْتُلُ وَمِنْهَا مَا يَجْعَلُهُ مُخَبَّلًا،
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالشَّجَرَ فِي يَوْمَيْنِ وَخَلَقَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ النُّجُومَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْمَلَائِكَةَ، ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَالَتِ الْيَهُودُ ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ- ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ- قَالُوا: ثُمَّ اسْتَرَاحَ- فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ، قَالَ: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْعَزِيزُ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَالْعَلِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْعِلْمِ، وَمَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْخَاتِمَةَ، لِأَنَّ تِلْكَ الْأَعْمَالَ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بِقُدْرَةٍ كاملة وعلم محيط.

[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٣ الى ١٨]

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)
— 550 —
اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا ابْتُدِئَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [فُصِّلَتْ: ٦] وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بقوله قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فُصِّلَتْ: ٩] وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِلَهَ الْمَوْصُوفَ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الْكُفْرُ بِهِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْخَسِيسَةِ شُرَكَاءَ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ؟ وَلَمَّا تَمَّمَ تِلْكَ الْحُجَّةَ قَالَ:
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وَبَيَانُ ذَلِكَ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلَاجٌ فِي حَقِّهِمْ إِلَّا إِنْزَالَ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ:
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ بِمَعْنَى إِنْ أَعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الْحُجَّةِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَصَرُّوا عَلَى الْجَهْلِ وَالتَّقْلِيدِ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ وَالْإِنْذَارُ هُوَ: التَّخْوِيفُ، قَالَ الْمُبَرِّدُ وَالصَّاعِقَةُ الثَّائِرَةُ الْمُهْلِكَةُ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَقُرِئَ صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ.
ثُمَّ قَالَ: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَفِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: الْمَعْنَى أَنَّ الرُّسُلَ الْمَبْعُوثِينَ إِلَيْهِمْ أَتَوْهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَاجْتَهَدُوا بِهِمْ وَأَتَوْا بِجَمِيعِ وُجُوهِ الْحِيَلِ فَلَمْ يَرَوْا مِنْهُمْ إِلَّا الْعُتُوَّ وَالْإِعْرَاضَ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ قَوْلَهُ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [الْأَعْرَافِ: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، وَيَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَدَرْتُ بِفُلَانٍ مِنْ كُلِّ/ جَانِبٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ حِيلَتِي فِيهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: الْمَعْنَى: أَنَّ الرُّسُلَ جَاءَتْهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمِنْ بَعْدِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ قَبْلِهِمْ وَمِنْ بَعْدِهِمْ، كَيْفَ يمكن وصفهم بأنهم جاءوهم؟ قلنا: قد جَاءَهُمْ هُودٌ وَصَالِحٌ دَاعِيَيْنِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِمَا وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ فَكَأَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ جَاءُوهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يَعْنِي أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَمَرُوهُمْ بِالتَّوْحِيدِ وَنَفْيِ الشِّرْكِ، قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بِمَعْنَى أَيْ أَوْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أَصْلُهُ بِأَنَّهُ لَا تَعْبُدُوا أَيْ بِأَنَّ الشَّأْنَ وَالْحَدِيثَ قَوْلُنَا لَكُمْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ.
ثُمَّ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً يَعْنِي أَنَّهُمْ كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرسل، وقالوا الدليل على كونكم كَاذِبِينَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ شَاءَ إِرْسَالَ الرِّسَالَةِ إِلَى الْبَشَرِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ مِنْ زُمْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ إِرْسَالَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْخَلْقِ أَفْضَى إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، وَلَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشبهة قالوا
— 551 —
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ مَعْنَاهُ: فَإِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ وَلَسْتُمْ بِمَلَائِكَةٍ، فَأَنْتُمْ لَسْتُمْ بِرُسُلٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُونُوا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَلْزَمْنَا قَبُولُ قَوْلِكُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
وَاعْلَمْ أَنَّا بَالَغْنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَوْلُهُ أُرْسِلْتُمْ بِهِ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ مِنْهُمْ بِكَوْنِ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ رُسُلًا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ حِكَايَةً لِكَلَامِ الرُّسُلِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشُّعَرَاءِ: ٢٧].
رُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ فِي مَلَأٍ مِنْ قُرَيْشٍ: الْتَبَسَ عَلَيْنَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ الْتَمَسْتُمْ لَنَا رَجُلًا عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أَتَانَا بِبَيَانٍ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ وَالسِّحْرَ وَالْكِهَانَةَ وَعَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا وَمَا يَخْفَى عَلَيَّ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ هَاشِمٌ؟ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؟ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ لِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَتُضَلِّلُنَا؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّيَاسَةَ عَقَدْنَا لَكَ اللِّوَاءَ فَكُنْتَ رَئِيسَنَا، وَإِنْ تَكُنْ بِكَ الْبَاءَةُ زَوَّجْنَاكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتَارُهُنَّ، أَيَّ بَنَاتِ مَنْ شِئْتَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُرَادَكَ جَمَعْنَا لَكَ مَا تَسْتَغْنِي بِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاكِتٌ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِلَى قَوْلِهِ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ، وَرَجَعَ إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلم احْتَبَسَ عَنْهُمْ قَالُوا، لَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا قَدْ صَبَأَ، فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا يَا عُتْبَةُ مَا حَبَسَكَ عَنَّا إِلَّا أَنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ: فَغَضِبَ وَأَقْسَمَ لَا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا سِحْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ، وَلَمَّا بَلَغَ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ أَمْسَكْتُ بِفِيهِ وَنَاشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ كُفْرَ قَوْمِ عَادٍ وَثَمُودَ عَلَى الْإِجْمَالِ بَيَّنَ خَاصِّيَّةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ فَقَالَ: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهَذَا الِاسْتِكْبَارُ فِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: إِظْهَارُ النَّخْوَةِ وَالْكِبْرِ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْغَيْرِ وَالثَّانِي: الِاسْتِعْلَاءُ عَلَى الْغَيْرِ/ وَاسْتِخْدَامُهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى سَبَبَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وَكَانُوا مَخْصُوصِينَ بِكِبَرِ الْأَجْسَامِ وَشِدَّةِ الْقُوَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَغْتَرُّوا بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يَعْنِي أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْقُوَّةِ تُوجِبُ كَوْنَ النَّاقِصِ فِي طَاعَةِ الْكَامِلِ، فَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُمْ مُنْقَادِينَ لِلَّهِ تَعَالَى، خَاضِعِينَ لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ، فَقَالُوا الْقُوَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَتَأَكَّدُ هَذَا بِقَوْلِهِ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُوَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَتَأَكَّدُ هَذَا بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذَّارِيَاتِ: ٥٨] فَإِنْ قِيلَ صِيغَةُ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ إِنَّمَا تَجْرِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ نِسْبَةٌ، لَكِنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ مُتَنَاهِيَةٌ وَقُدْرَةَ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْمُتَنَاهِي لَا نِسْبَةَ لَهُ إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً؟ قُلْنَا هَذَا وَرَدَ عَلَى قَانُونِ قَوْلِنَا اللَّهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّهَا حَقٌّ وَلَكِنَّهُمْ جَحَدُوا كَمَا يَجْحَدُ الْمُوِدَعُ الْوَدِيعَةَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ نَظْمَ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، وَقَوْلُهُ
— 552 —
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً اعْتِرَاضٌ وَقَعَ فِي الْبَيْنِ لِتَقْرِيرِ السَّبَبِ الدَّاعِي لَهُمْ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ.
وَاعْلَمْ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مَجَامِعَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَالتَّعْظِيمُ لِلْخَالِقِ، فَقَوْلُهُ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ مُضَادٌّ لِلْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ وَقَوْلُهُ وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ مُضَادٌّ لِلتَّعْظِيمِ لِلْخَالِقِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهُمْ قَدْ بَلَغُوا فِي الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْهَلَاكِ وَالْإِبْطَالِ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، فَلِهَذَا الْمَعْنَى سَلَّطَ اللَّهُ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً وَفِي الصَّرْصَرِ قَوْلَانِ أحدهما: أنها العاصفة التي تصرصر أن تُصَوِّتُ فِي هُبُوبِهَا، وَفِي عِلَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ قِيلَ إِنَّ الرِّيَاحَ عِنْدَ اشْتِدَادِ هُبُوبِهَا يُسْمَعُ مِنْهَا صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الصَّرْصَرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الرِّيَاحُ بِهَذَا الِاسْمِ وَقِيلَ هُوَ مِنْ صَرِيرِ الْبَابِ، وَقِيلَ مِنَ الصَّرَّةِ وَالصَّيْحَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذَّارِيَاتِ: ٢٩] وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا الْبَارِدَةُ الَّتِي تُحْرِقُ بِبَرْدِهَا كَمَا تُحْرِقُ النَّارُ بِحَرِّهَا، وَأَصْلُهَا مِنَ الصَّرِّ وهو البرد قال تعالى: مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
[آلِ عِمْرَانَ: ١١٧]
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الرِّيَاحُ ثَمَانٍ أَرْبَعٌ مِنْهَا عَذَابٌ الْعَاصِفُ وَالصَّرْصَرُ وَالْعَقِيمُ وَالسَّمُومُ، وَأَرْبَعٌ مِنْهَا رَحْمَةٌ النَّاشِرَاتُ وَالْمُبَشِّرَاتُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَالذَّارِيَاتُ»
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَرْسَلَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرَ خَاتَمِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ أَهْلَكَ الْكُلَّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو نَحِساتٍ بِسُكُونِ الْحَاءِ وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِ/ الْحَاءِ، قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» يُقَالُ نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضَ سَعِدَ سَعْدًا فَهُوَ نَحِسٌ، وَأَمَّا نَحْسٌ فَهُوَ إِمَّا مُخَفَّفُ نَحِسٍ أَوْ صِفَةٌ عَلَى فَعْلٍ أَوْ وَصْفٌ بِمَصْدَرٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ الْأَحْكَامِيُّونَ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَيَّامِ قَدْ يَكُونُ نَحْسًا وَبَعْضَهَا قَدْ يَكُونُ سَعْدًا، وَقَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، أَجَابَ الْمُتَكَلِّمُونَ بِأَنْ قَالُوا أَيَّامٍ نَحِساتٍ أَيْ ذَوَاتِ غُبَارٍ وَتُرَابٍ ثَائِرٍ لَا يَكَادُ يُبْصَرُ فِيهِ وَيُتَصَرَّفُ، وَأَيْضًا قَالُوا مَعْنَى كَوْنِ هَذِهِ الْأَيَّامِ نَحِسَاتٍ أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَهُمْ فِيهَا، أَجَابَ الْمُسْتَدِلُّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ النَّحِسَاتِ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ هِيَ الْمَشْئُومَاتُ لِأَنَّ السَّعْدَ يُقَابِلُهُ السَّعْدُ، وَالْكَدِرَ يُقَابِلُهُ الصَّافِي، وَأَجَابَ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ إِيقَاعِ ذَلِكَ الْعَذَابِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ النَّحِسَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَوْنُ تِلْكَ الْأَيَّامِ نَحِسَةً مُغَايِرًا لِذَلِكَ الْعَذَابِ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ عَذَابَ الْهَوَانِ وَالذُّلِّ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا، فَقَابَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارَ بِإِيصَالِ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ وَالذُّلِّ إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أَيْ أَشَدُّ إِهَانَةً وَخِزْيًا وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ أَيْ أَنَّهُمْ يَقَعُونَ فِي الْخِزْيِ الشَّدِيدِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ نَاصِرٌ يَدْفَعُ ذَلِكَ الْخِزْيَ عَنْهُمْ.
وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ عَادٍ أَتْبَعَهُ بِقِصَّةِ ثَمُودَ فَقَالَ: وَأَمَّا ثَمُودُ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» قُرِئَ ثَمُودُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مُنَوَّنًا وَغَيْرَ مُنَوَّنٍ وَالرَّفْعُ أَفْصَحُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الِابْتِدَاءِ وَقُرِئَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَقَوْلُهُ فَهَدَيْناهُمْ أي
— 553 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب