سورة فصلت | الآية ٣٣

عرض السورة
التَّفسير

ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
يَدَّعُونَ
[يس: ٥٧] فَإِنَّ قِيلَ فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
وَبَيْنَ قَوْلِهِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ
قُلْنَا: الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
إِشَارَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَقَوْلَهُ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ
إِشَارَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: ١٠].
ثُمَّ قَالَ: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ وَالنُّزُلُ: رِزْقُ النَّزِيلِ وَهُوَ الضَّيْفُ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ، قَالَ الْعَارِفُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ جَارِيَةٌ مَجْرَى النزل، والكريم إذا أَعْطَى النُّزُلَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَبْعَثَ الْخِلَعَ النَّفِيسَةَ بَعْدَهَا، وَتِلْكَ الْخِلَعُ النَّفِيسَةُ لَيْسَتْ إِلَّا السَّعَادَاتِ الْحَاصِلَةَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ وَالتَّجَلِّي وَالْكَشْفِ التَّامِّ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا لَهَا أَهْلًا بفضله وكرمه، إنه قريب مجيب.

[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٣ الى ٣٦]

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ] اعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إِنَّمَا ابْتُدِئَ حَيْثُ قَالُوا لِلرَّسُولِ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فُصِّلَتْ: ٥] وَمُرَادُهُمْ أَلَّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ وَلَا نَلْتَفِتَ إِلَى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرَى فِي السَّفَاهَةِ، فَقَالُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وإنه سبحانه ذكر الأجوبة الشافية، والبيانات الْكَافِيَةَ فِي دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ وَإِزَالَةِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْقَوْمَ وَإِنْ أَتَوْا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْفَاسِدَةِ، إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتَابُعُ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّبْلِيغِ وَالدَّعْوَةِ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ أَكْمَلُ الطَّاعَاتِ وَرَأْسُ الْعِبَادَاتِ، وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا وَجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ فِي نَظْمِ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَرَاتِبَ السَّعَادَاتِ اثْنَانِ: التَّامُّ، وَفَوْقَ التَّامِّ، أَمَّا التَّامُّ: فَهُوَ أَنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ مَا لِأَجْلِهَا يَصِيرُ كَامِلًا فِي ذَاتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَهَا بِتَكْمِيلِ النَّاقِصِينَ وَهُوَ فَوْقَ التَّامِّ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ إِنَّ قَوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فُصِّلَتْ: ٣٠] إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى، وَهِيَ اكْتِسَابُ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمَالَ النَّفْسِ فِي جَوْهَرِهَا، فَإِذَا حَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَجَبَ الِانْتِقَالُ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الِاشْتِغَالُ بِتَكْمِيلِ النَّاقِصِينَ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلَهُ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ فَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ حَسَنٌ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً وَنِصَابًا وَافِيًا مِنَ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ الْكَشْفِيَّةِ، عَرَفَ أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ أَحْسَنُ وَلَا أَكْمَلُ مِنْ تَرْتِيبِ آيَاتِ الْقُرْآنِ.
— 562 —
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلَهُ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ/ هُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمُ الْمُؤَذِّنُونَ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ الْمَقْطُوعَ بِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيهِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ مَرَاتِبُ:
فَالْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: دَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ رَاجِحَةٌ عَلَى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالْحُجَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ الدَّعْوَةِ بِالسَّيْفِ ثَانِيًا، وَقَلَّمَا اتَّفَقَ لِغَيْرِهِمُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ هُمُ الْمُبْتَدِئُونَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَإِنَّهُمْ يَبْنُونَ دَعْوَتَهُمْ عَلَى دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالشَّارِعُ فِي إِحْدَاثِ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ عَلَى طَرِيقِ الِابْتِدَاءِ أَفْضَلُ وَثَالِثُهَا: أَنَّ نُفُوسَهُمْ أَقْوَى قُوَّةً، وَأَرْوَاحَهُمْ أَصْفَى جَوْهَرًا، فَكَانَتْ تَأْثِيرَاتُهَا فِي إِحْيَاءِ الْقُلُوبِ الْمَيِّتَةِ وَإِشْرَاقِ الْأَرْوَاحِ الْكَدِرَةِ أَكْمَلَ، فَكَانَتْ دَعْوَتُهُمْ أَفْضَلَ وَرَابِعُهَا: أَنَّ النُّفُوسَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
نَاقِصَةٌ وَكَامِلَةٌ لَا تَقْوَى عَلَى تَكْمِيلِ النَّاقِصِينَ وَكَامِلَةٌ تَقْوَى عَلَى تَكْمِيلِ النَّاقِصِينَ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْعَوَامُّ وَالْقِسْمُ الثَّانِي: هُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَلِهَذَا السَّبَبِ
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسرائيل»
وإذا عرفت هذا فنقول: إن نفوس الأنبياء حصلت لها مزيتان: الْكَمَالُ فِي الذَّاتِ، وَالتَّكْمِيلُ لِلْغَيْرِ، فَكَانَتْ قُوَّتُهُمْ عَلَى الدَّعْوَةِ أَقْوَى، وَكَانَتْ دَرَجَاتُهُمْ أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَهُمْ صِفَتَانِ:
الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، أَمَّا الْعُلَمَاءُ، فَهُمْ نُوَّابُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْمُلُوكُ، فَهُمْ نُوَّابُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْقُدْرَةِ، وَالْعِلْمُ يُوجِبُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْأَرْوَاحِ، وَالْقُدْرَةُ تُوجِبُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْأَجْسَادِ، فَالْعُلَمَاءُ خُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَالْمُلُوكُ خُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ فِي عَالَمِ الْأَجْسَادِ. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ أَكْمَلَ الدَّرَجَاتِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةً الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ، وَالْعُلَمَاءُ بِصِفَاتِ اللَّهِ، وَالْعُلَمَاءُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ. أَمَّا الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ، فَهُمُ الْحُكَمَاءُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [الْبَقَرَةِ: ٢٢٩] وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُمْ أَصْحَابُ الْأُصُولِ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ فَهُمُ الْفُقَهَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ دَرَجَاتٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَأَمَّا الْمُلُوكُ فَهُمْ أَيْضًا يَدْعُونَ إِلَى دِينِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ إِمَّا بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ مثل المحاربة مع الكفار، وإما بإبقائه عِنْدَ وُجُودِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا الْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ، وَأَمَّا الْمُؤَذِّنُونَ فَهُمْ يَدْخُلُونَ فِي هَذَا الْبَابِ دُخُولًا ضَعِيفًا، أَمَّا دُخُولُهُمْ فِيهِ فَلِأَنَّ ذِكْرَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ دَعْوَةٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا تَحْتَ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ضَعِيفَةً فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ لَا يُحِيطُ بِمَعَانِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهَا إِلَّا أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِذِكْرِهَا تِلْكَ الْمَعَانِيَ الشَّرِيفَةَ، فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ، فِي مَرَاتِبِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلَهُ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهَا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: كُلُّ مَا كَانَ أَحْسَنَ الْأَعْمَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا فَالْوَاجِبُ أَحْسَنُ منه، فثبت أن كل ما كان أحسن الأعمال فهو/ واجب، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ أَحْسَنُ الْأَعْمَالِ بِمُقَتْضَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَكُلُّ مَا كَانَ أَحْسَنَ الْأَعْمَالِ فَهُوَ وَاجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ وَاجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ الْأَذَانُ دَعْوَةٌ إِلَى اللَّهِ وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ وَاجِبَةٌ فَيَنْتُجُ الْأَذَانُ وَاجِبٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ زَعَمُوا أَنَّ الْأَذَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَذَانَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّعْوَةَ الْمُرَادَةَ بِهَذِهِ الآية
— 563 —
يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى دِينِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ أَحْسَنُ مِنَ الْأَذَانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثَّانِي أَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْأَذَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّ الْأَوْلَى أن يقول الرجل أنا المسلم أَوِ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنَا مُسْلِمٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَالْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ احْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قَالَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا فِي كَوْنِهِ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ لَبَطَلَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ خِصَالٍ ثَلَاثَةٍ أَوَّلُهَا: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ وَثَانِيهَا: الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْنَاهَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِإِقَامَةِ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَمِلَ صالِحاً فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلَ الْقُلُوبِ وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ، أَوْ عَمَلَ الْجَوَارِحِ وَهُوَ سَائِرُ الطَّاعَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى عَمَلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، فَيَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصَالٍ أَرْبَعَةٍ أَحَدُهَا: الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالثَّانِي: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِالْجَوَارِحِ وَالثَّالِثُ:
الِاعْتِقَادُ الْحَقُّ بِالْقَلْبِ وَالرَّابِعُ: الِاشْتِغَالُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى دِينِ اللَّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِهَذِهِ الْخِصَالِ الْأَرْبَعَةِ أَشْرَفُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَكَمَالُ الدَّرَجَةِ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِنْ أَنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فُصِّلَتْ: ٥] فَأَظْهَرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمِ الْإِصْرَارَ الشَّدِيدَ عَلَى أَدْيَانِهِمُ الْقَدِيمَةِ وَعَدَمَ التَّأَثُّرِ بِدَلَائِلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَطْنَبَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وَذَكَرَ الْوُجُوهَ الْكَثِيرَةَ وَأَرْدَفَهَا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، ثُمَّ حَكَى عَنْهُمْ شُبْهَةً أُخْرَى وَهِيَ قولهم لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وَأَجَابَ عَنْهَا أَيْضًا بِالْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنه تعالى يعد الْإِطْنَابِ فِي الْجَوَابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ لَا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ فَابْتَدَأَ أَوَّلًا بِأَنْ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلَهُمُ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ ثُمَّ تَرَقَّى مِنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ إِلَى دَرَجَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الدَّرَجَاتِ، فَصَارَ الْكَلَامُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى/ هَذَا الْمَوْضِعِ وَاقِعًا عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ فَقَالَ إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً عَظِيمَةً، إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى سَفَاهَةِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ شَدِيدٌ لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فَعِنْدَ هَذَا ذَكَرَ اللَّهُ مَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِهَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَى جَهَالَةِ الْكُفَّارِ، وَتَرْكِ الِانْتِقَامِ، وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّئَةِ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْجَلَافَةِ فِي قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِمْ لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فِعْلُكَ حَسَنَةٌ وَفِعْلُهُمْ سَيِّئَةٌ، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، بِمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا أَتَيْتَ بِهَذِهِ الْحَسَنَةِ تَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلتَّعْظِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُمْ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِقْدَامُهُمْ عَلَى تِلْكَ السَّيِّئَةِ مَانِعًا لَكَ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِهَذِهِ الْحَسَنَةِ.
— 564 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب