سورة الشورى | الآية ٧

عرض السورة
التَّفسير

ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
فَكَيْفَ يَكُونُونَ لَاعِنِينَ وَمُسْتَغْفِرِينَ لَهُمْ؟، قُلْنَا الْجَوَابُ: عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا لِكُلِّ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَأَنْ يُقَالَ إِنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا لِبَعْضِ مَنْ فِي الْأَرْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ صَرِيحًا فِي الْعُمُومِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ الثَّانِي: هَبْ أَنَّ هَذَا النَّصَّ يُفِيدُ الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ فِي سُورَةِ حم الْمُؤْمِنِ فَقَالَ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غَافِرٍ: ٧] الثَّالِثُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ لَا يُعَاجِلَهُمْ بِالْعِقَابِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا إِلَى أَنْ قَالَ: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [فَاطِرٍ: ٤١] الرَّابِعُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ مَنْ فِي الْأَرْضِ، أَمَّا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ فَبِوَاسِطَةِ طَلَبِ الْإِيمَانِ لَهُمْ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ فَبِالتَّجَاوُزِ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَإِنَّا/ نَقُولُ اللَّهُمَّ اهْدِ الْكَافِرِينَ وَزَيِّنْ قُلُوبَهُمْ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَأَزِلْ عَنْ خَوَاطِرِهِمْ وَحْشَةَ الْكُفْرِ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِغْفَارٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَكَانَ اسْتِغْفَارُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ قَبْلَ اسْتِغْفَارِهِمْ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَنْهُمُ اسْتِغْفَارَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ مُبَرَّءُونَ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَالَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ الْبَتَّةَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَهُ ذَنْبٌ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي جُمْلَةِ مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا كَانُوا مُسْتَغْفِرِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
وَلَمَّا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالِاسْتِغْفَارَ قَالَ: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْبَشَرِ إِلَّا أَنَّ الْمَغْفِرَةَ الْمُطْلَقَةَ وَالرَّحْمَةَ الْمُطْلَقَةَ لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ إِقْدَامَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِلْبَشَرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي قُلُوبِهِمْ دَاعِيَةً لِطَلَبِ تِلْكَ الْمَغْفِرَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي قُلُوبِهِمْ تِلْكَ الدَّوَاعِيَ وَإِلَّا لَمَا أَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ الطَّلَبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْغَفُورُ الْمُطْلَقُ وَالرَّحِيمُ الْمُطْلَقُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] ثُمَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ صَارُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا رَحْمَةُ الْحَقِّ وَإِحْسَانُهُ فَقَدْ كان موجودا في الأولى والآخر فَثَبَتَ أَنَّ الْغَفُورَ الْمُطْلَقَ وَالرَّحِيمَ الْمُطْلَقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَحْكِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ الرَّحْمَةَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ يَعْنِي أَنَّهُ يُعْطِي الْمَغْفِرَةَ الَّتِي طَلَبُوهَا وَيَضُمُّ إِلَيْهَا الرَّحْمَةَ الْكَامِلَةَ التَّامَّةَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أَيْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ وَأَنْدَادًا اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أَيْ رَقِيبٌ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، لَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ وَهُوَ مُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا لَا رَقِيبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ وَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِمُفَوَّضٍ إِلَيْكَ أَمْرُهُمْ وَلَا قَسْرُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، إنما أنت منذر فحسب.

[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٧ الى ١٢]

وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)
— 579 —
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ (ذَلِكَ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وَحْيِ اللَّهِ بِالْقُرْآنِ بِشَيْءٍ هاهنا قد سبق ذكره، وليس هاهنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وَحْيِ الْقُرْآنِ بِهِ إِلَّا قَوْلُهُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشُّورَى: ٦] يَعْنِي كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ وَلَسْتَ وَكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهُمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى أَيْ لِتُنْذِرَ أَهْلَ أُمِّ الْقُرَى لِأَنَّ الْبَلَدَ لَا تَعْقِلُ وهو كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] وَأُمُّ الْقُرَى أَصْلُ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ وَسُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ إِجْلَالًا لَهَا لِأَنَّ فِيهَا الْبَيْتَ وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتَّى يُقَالَ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ قَصَائِدِ فُلَانٍ، وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ وَأَهْلِ الْمَدَرِ، وَالْإِنْذَارُ التَّخْوِيفُ، فَإِنْ قِيلَ فَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْحَى إِلَيْهِ لِيُنْذِرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَأَهْلَ الْقُرَى الْمُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ فَقَطْ وَأَنْ لَا يَكُونَ رسولا إلى كل العالمين الجواب: أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَاهُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ رَسُولًا إِلَى هَؤُلَاءِ/ خَاصَّةً وَقَوْلُهُ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سَبَأٍ: ٢٨] يَدُلُّ عَلَى كونه رسولا إلى كل العالمين، وأيضا لَمَّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَجَبَ كَوْنُهُ صَادِقًا، ثُمَّ إِنَّهُ نُقِلَ إِلَيْنَا بالتواتر كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّادِقُ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فيه، فثبت أنه رسول إلى كل العاملين.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ أَنْذَرْتُ فُلَانًا بِكَذَا فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى بِيَوْمِ الْجَمْعِ وَأَيْضًا فِيهِ إِضْمَارٌ وَالتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أَهْلَ أُمِّ الْقُرَى بِعَذَابِ يَوْمِ الْجَمْعِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الْجَمْعِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخَلَائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التَّغَابُنِ: ٩] فيجتمع فيه أهل السموات من أَهْلِ الْأَرْضِ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ الثَّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ الرَّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ وَقَوْلُهُ لَا رَيْبَ فِيهِ صِفَةٌ لِيَوْمِ الْجَمْعِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الْجَمْعِ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ يَكُونُ الْقَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ يَوْمَ الْجَمْعِ يَقْتَضِي كَوْنَ الْقَوْمِ مُجْتَمِعِينَ وَقَوْلُهُ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحَالٌ، قُلْنَا إِنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ أَوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَالْمُرَادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشُّورَى: ٦] أَيْ لَا يَكُنْ فِي قُدْرَتِكَ أَنْ تَحْمِلَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ مِنْكَ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الْبَعْضَ مُؤْمِنًا وَالْبَعْضَ كَافِرًا، فَقَوْلُهُ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يَدُلُّ عَلَى
— 580 —
أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَقَوْلُهُ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى مَا أَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلِينَ إِنَّمَا دَخَلُوا فِي رَحْمَتِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ لَهُمْ وَلِيٌّ وَنَصِيرٌ أَدْخَلَهُمْ فِي تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وَهَؤُلَاءِ مَا كَانَ لَهُمْ وَلِيٌّ وَلَا نَصِيرٌ يُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَوَّلًا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا وَلَا حَافِظًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَحْمِلَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ شَاءُوا أَمْ أَبَوْا، فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهُ أَقْدَرُ مِنْكَ، ثُمَّ إنه تعالى أَعَادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِنْكَارِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ أَرَادُوا أَوْلِيَاءَ بِحَقٍّ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ بِالْحَقِّ لَا وَلِيَّ سِوَاهُ، لِأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهُوَ الْحَقِيقُ بِأَنْ يَتَّخِذَ وَلِيًّا دُونَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَجْهُ النَّظْمِ أَنَّهُ تَعَالَى كَمَا مَنَعَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِلَ الْكُفَّارَ عَلَى الْإِيمَانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَشْرَعُوا مَعَهُمْ فِي الْخُصُومَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ فَقَالَ: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ إِثَابَةُ الْمُحِقِّينَ فِيهِ وَمُعَاقَبَةُ الْمُبْطِلِينَ، وَقِيلَ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ وتنازعتهم فَتَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلَى حُكُومَتِهِ، وَقِيلَ وَمَا وَقَعَ بَيْنَكُمْ فِيهِ خِلَافٌ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكُمْ، وَلَا طَرِيقَ لكم إلى علمه كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، قَالَ تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاءِ: ٨٥].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفَاةُ الْقِيَاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَحُكْمُهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَوِ الْمُرَادُ فَحُكْمُهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الْأَحْكَامِ مُثْبَتَةً بِالْقِيَاسِ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ فَيُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الْأَحْكَامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يَنْفِي الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِنْ بَيَانِ اللَّهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْبَيَانُ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْقِيَاسِ؟ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلَافِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَاسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلَافِ وَلَا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ هُوَ الرُّجُوعَ إِلَى نُصُوصِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي أَيْ ذَلِكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَكُمْ هُوَ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فِي دَفْعِ كَيْدِ الْأَعْدَاءِ وَفِي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أَيْ وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي كُلِّ الْمُهِمَّاتِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ لَا أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ وَلِيًّا.
ثُمَّ قَالَ: فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالْجَرِّ، فَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ ذَلِكُمْ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ
— 581 —
مَحْذُوفٍ، وَالْجَرُّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ هَكَذَا وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى الله فاطر السموات وَالْأَرْضِ وَقَوْلُهُ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي اعْتِرَاضٌ وَقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مِنْ جِنْسِكُمْ مِنَ النَّاسِ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً أَيْ خَلَقَ مِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا، وَمَعْنَاهُ وَخَلَقَ أَيْضًا لِلْأَنْعَامِ مِنْ أَنْفُسِهَا أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ أَيْ يُكَثِّرُكُمْ، يُقَالُ: ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، أَيْ كَثَّرَهُمْ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَيْ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ، وَهُوَ التَّزْوِيجُ وَهُوَ أَنْ جَعَلَ النَّاسَ وَالْأَنْعَامَ أَزْوَاجًا حَتَّى كَانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمُ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُلُ، وَالضَّمِيرُ فِي يَذْرَؤُكُمْ يَرْجِعُ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ، إلى أَنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جَانِبَ النَّاسِ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جَانِبَ الْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ الثَّانِي: أَنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جَانِبَ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْغَائِبِينَ، فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى يَذْرَؤُكُمْ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ، وَلِمَ لَمْ يَقُلْ يَذْرَؤُكُمْ بِهِ؟ قُلْنَا جُعِلَ هَذَا التَّدْبِيرُ كَالْمَنْبَعِ وَالْمَعْدِنِ لِهَذَا التَّكْثِيرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلْحَيَوَانِ فِي خَلْقِ الْأَزْوَاجِ تَكْثِيرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [الْبَقَرَةِ: ١٧٩].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: احْتَجَّ عُلَمَاءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي نَفْيِ كَوْنِهِ تَعَالَى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ وَحَاصِلًا فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ، وَقَالُوا لَوْ كَانَ جِسْمًا لَكَانَ مِثْلًا لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ لَهُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَيُمْكِنُ إِيرَادُ هَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَيُقَالُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي مَاهِيَّاتِ الذَّاتِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ فِي الصِّفَاتِ شَيْءٌ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعِبَادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عَالِمِينَ قَادِرِينَ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُمَاثَلَةِ الْمُسَاوَاةُ فِي حَقِيقَةِ الذَّاتِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّوَاتِ لَا يُسَاوِي اللَّهَ تَعَالَى فِي الذَّاتِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى جِسْمًا، لَكَانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذَاتًا لَا صِفَةً، فَإِذَا كَانَ سَائِرُ الْأَجْسَامِ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْجِسْمِيَّةِ، أَعْنِي فِي كَوْنِهَا مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سَائِرُ الْأَجْسَامِ مُمَاثِلَةً لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كَوْنِهِ ذَاتًا، وَالنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ جِسْمًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَوْرَدَ اسْتِدْلَالَ أَصْحَابِنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ «بِالتَّوْحِيدِ»، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كِتَابُ الشِّرْكِ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَذْكُرُ حَاصِلَ كَلَامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلَاتِ، لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الْكَلَامِ، قَلِيلَ الْفَهْمِ، نَاقِصَ الْعَقْلِ، فَقَالَ: «نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وَجْهًا وَنَقُولُ: إِنَّ لِوَجْهِ رَبِّنَا مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالْبَهَاءِ، مَا لَوْ كُشِفَ حِجَابُهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ، وَوَجْهُ رَبِّنَا مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْهَلَاكُ وَالْفَنَاءُ، وَنَقُولُ إِنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْهَلَاكَ وَالْفَنَاءَ، وَنَفَى عَنْهَا الْجَلَالَ وَالْإِكْرَامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالْبَهَاءِ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ إِثْبَاتِ الْوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكَانَ مَنْ قَالَ إِنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا وَلِلْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ وَالْكِلَابِ وُجُوهًا، لَكَانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ وَالْكِلَابِ. ثُمَّ قَالَ:
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ اعْتِقَادُ الْجَهْمِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وَجْهُكَ يُشْبِهُ وَجْهَ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ لَغَضِبَ وَلَشَافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِلَّهِ إِثْبَاتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ».
وَذَكَرَ فِي فَصْلٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ «أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي صِفَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهَا أَنْ يكون القائل مشبها فكذا هاهنا». وَنَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ
— 582 —
فَالْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَقَالَ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الْإِنْسَانِ: ٢]، الثَّانِي: قَالَ: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وَقَالَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ [النَّحْلِ: ٧٩] الثَّالِثُ: قَالَ: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هُودٍ: ٣٧] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطُّورِ: ٤٨] وَقَالَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ [الْمَائِدَةِ: ٨٣] الرَّابِعُ: قَالَ لِإِبْلِيسَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وَقَالَ: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] وَقَالَ: / فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران: ١٨٢]، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ، [الْحَجِّ: ١٠] إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، [الْفَتْحِ: ١٠] الْخَامِسُ: قَالَ تَعَالَى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] وَقَالَ فِي الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وَقَالَ فِي سَفِينَةِ نُوحٍ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هُودٍ: ٤٤]، السَّادِسُ: سَمَّى نَفْسَهُ عَزِيزًا فَقَالَ: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ [الْحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الِاسْمَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ بقوله يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً [يُوسُفَ: ٧٨]، يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يُوسُفَ: ٨٨]، السَّابِعُ: سَمَّى نَفْسَهُ بِالْمَلِكِ وَسَمَّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أَيْضًا بِالْمَلِكِ فَقَالَ: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ [يُوسُفَ: ٥٠] وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْعَظِيمِ ثُمَّ أَوْقَعَ هَذَا الِاسْمَ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَقَالَ: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ وَأَوْقَعَ هَذَا الِاسْمَ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَقَالَ: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غَافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ فِي ضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَقَالَ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَمْكَنَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا، فَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ هَذَا الرَّجُلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
وَأَقُولُ هَذَا الْمِسْكِينُ الْجَاهِلُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْمِثْلَيْنِ وَعُلَمَاءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الْكَلَامَ فِي الْمِثْلَيْنِ ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَنَقُولُ الْمِثْلَانِ هُمَا اللَّذَانِ يَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ، وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرَى فَنَقُولُ: الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِمَّا تَمَامُ مَاهِيَّتِهِ وَإِمَّا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَاهِيَّتِهِ وَإِمَّا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ، وَإِمَّا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّتِهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ وَهَذَا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذَاتِ الشَّيْءِ وَبَيْنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْبَدِيهَةِ، فَإِنَّا نَرَى الْحَبَّةَ مِنَ الْحُصْرُمِ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْخُضْرَةِ وَالْحُمُوضَةِ ثُمَّ صَارَتْ فِي غَايَةِ السَّوَادِ وَالْحَلَاوَةِ، فَالذَّاتُ بَاقِيَةٌ وَالصِّفَاتُ مُخْتَلِفَةٌ وَالذَّاتُ الْبَاقِيَةُ مُغَايِرَةٌ لِلصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَيْضًا نَرَى الشَّعْرَ قَدْ كَانَ فِي غَايَةِ السَّوَادِ ثُمَّ صَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَاضِ، فَالذَّاتُ بَاقِيَةٌ وَالصِّفَاتُ مُتَبَدِّلَةٌ وَالْبَاقِي غَيْرُ الْمُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الذَّوَاتَ مُغَايِرَةٌ لِلصِّفَاتِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اخْتِلَافُ الصِّفَاتِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الذَّوَاتِ الْبَتَّةَ، لِأَنَّا نَرَى الْجِسْمَ الْوَاحِدَ كَانَ سَاكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالذَّوَاتُ بَاقِيَةٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ وَنَسَقٍ وَاحِدٍ، وَالصِّفَاتُ مُتَعَاقِبَةٌ مُتَزَايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الذَّوَاتِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْأَجْسَامُ مِنْهَا تَأَلَّفَ وَجْهُ الْكَلْبِ وَالْقِرْدِ مُسَاوِيَةٌ لِلْأَجْسَامِ الَّتِي تَأَلَّفَ مِنْهَا وَجْهُ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاخْتِلَافُ بِسَبَبِ الْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ وَهِيَ الْأَلْوَانُ وَالْأَشْكَالُ وَالْخُشُونَةُ وَالْمَلَاسَةُ وَحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وَعَدَمُ حُصُولِهَا، فَالِاخْتِلَافُ إِنَّمَا وَقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ، فَأَمَّا ذَوَاتُ الْأَجْسَامِ فَهِيَ مُتَمَاثِلَةٌ إِلَّا أَنَّ الْعَوَامَّ لَا يَعْرِفُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ الذَّوَاتِ وَبَيْنَ الصِّفَاتِ، فَلَا جَرَمَ يَقُولُونَ إِنَّ
— 583 —
وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُخَالِفٌ لِوَجْهِ الْحِمَارِ، وَلَقَدْ صَدَقُوا فَإِنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ وَاللَّوْنِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، فَأَمَّا الْأَجْسَامُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أَجْسَامٌ فَهِيَ مُتَمَاثِلَةٌ مُتَسَاوِيَةٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْكَلَامَ/ الَّذِي أَوْرَدَهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعَوَامِّ وَمَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّمَاثُلِ وَالِاخْتِلَافِ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَاهِيَّاتُهَا لَا الْأَعْرَاضُ والصفات القائمة بها، بقي هاهنا أَنْ يُقَالَ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ كلها متماثلة؟ فنقول لنا ها هنا مَقَامَانِ:
الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنْ نَقُولَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أَوْ لَا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِلَهُ الْعَالَمِ هُوَ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ أَوِ الْفَلَكُ أَوِ الْعَرْشُ أَوِ الْكُرْسِيُّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْجِسْمُ مُخَالِفًا لِمَاهِيَّةِ سَائِرِ الْأَجْسَامِ فَكَانَ هُوَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ وَسَائِرُ الْأَجْسَامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، وَلَوْ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُسْقِطُوا هَذَا الْإِلْزَامَ عَنِ الْمُجَسِّمَةِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؟
فَإِنْ قَالُوا هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَفْلَاكَ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ فَيُقَالُ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَمَاقَةِ الْمُفْرِطَةِ لِأَنَّ صِحَّةَ الْقُرْآنِ وَصِحَّةَ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ مُفَرَّعَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِلَهِ، فَإِثْبَاتُ مَعْرِفَةِ الْإِلَهِ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ يَفْهَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ.
وَالْمَقَامُ الثَّانِي: أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُصُولِ أَقَامُوا الْبُرْهَانَ الْقَاطِعَ عَلَى تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ فِي الذَّوَاتِ وَالْحَقِيقَةِ، وَإِذَا ثبت هذ ظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ جِسْمًا لَكَانَتْ ذَاتُهُ مُسَاوِيَةً لِذَوَاتِ الْأَجْسَامِ إِلَّا أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ ذَاتَهُ إِذَا كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِذَوَاتِ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ مَا يَصِحُّ عَلَى سَائِرِ الْأَجْسَامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قَابِلًا لِلْعَدَمِ وَالْفَنَاءِ قَابِلًا لِلتَّفَرُّقِ وَالتَّمَزُّقِ. وَأَمَّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الدَّلِيلِ وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّا لَا نَقُولُ بِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الِاسْتِوَاءُ فِي الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِوَاءِ فِي تَمَامِ الْحَقِيقَةِ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ، فَلَوْ كانت ذاته جسما لكن ذَلِكَ الْجِسْمُ مُسَاوِيًا لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُصُولِ الْمُمَاثَلَةِ اعْتِبَارُ الْحَقَائِقِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، لَا اعْتِبَارُ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ حُجَّةَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه تعالى بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ، فَجَرَى عَلَى مَنْهَجِ كَلِمَاتِ الْعَوَامِّ فَاغْتَرَّ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حُسْنَ الْخَاتِمَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ، فَإِنَّهُ يُقَالُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا نَفْيُ الْمِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَظَاهِرُهَا يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمِثْلِ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ لَا عَنْهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمِثْلِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَنْ قَالُوا إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ أَيْ أَنْتَ لَا تَبْخَلُ فَنَفَوُا الْبُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ الرَّجُلُ: هَذَا الْكَلَامُ لَا يُقَالُ لِمِثْلِي أَيْ لَا يُقَالُ لِي قَالَ الشَّاعِرُ:
«وَمِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ»
وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فَإِنَّهُ إذا كان ذلك الحكم منتفيا عَمَّنْ كَانَ مُشَابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشَابِهًا لَهُ، فَلِأَنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: سَلَامٌ عَلَى الْمَجْلِسِ الْعَالِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ سَلَامَ اللَّهِ إِذَا كَانَ وَاقِعًا عَلَى مَجْلِسِهِ وَمَوْضِعِهِ فَلِأَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَيْهِ كَانَ ذلك أولى، فكذا هاهنا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَالْمَعْنَى لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا اللَّفْظُ سَاقِطًا
— 584 —
عَدِيمَ الْأَثَرِ، بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ قَالَ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ فقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وَعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الْمِثْلِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ له مثل لكن هُوَ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَهَذَا مُحَالٌ فَإِثْبَاتُ الْمِثْلِ لَهُ مُحَالٌ، أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ هُوَ مِثْلَ نَفْسِهِ فَالْأَمْرُ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ هَذَا مُحَالٌ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِمِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ وَمُبَايِنًا لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ غَيْرُ مَا بِهِ الْمُبَايَنَةُ. فَتَكُونُ ذَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَكَّبًا وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ مِثْلٌ لَمَا كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فقوله ليس مثله مِثْلِهِ شَيْءٌ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَمَا كَانَ هُوَ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ مِثْلٌ لَمَا كَانَ وَاجِبَ الْوُجُودِ، فَهَذَا مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى نَفْيِ الْمِثْلِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْمَثَلِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَنَقُولُ الْمِثْلُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُسَاوِيًا لِلشَّيْءِ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ وَالْمَثَلُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُسَاوِيًا لَهُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى سَامِعًا لِلْمَسْمُوعَاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيَّاتِ، فَإِنْ قِيلَ يَمْتَنِعُ إِجْرَاءُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ قَرْعٌ أَوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الْهَوَاءُ مِنْ بَيْنَ ذَيْنِكَ الْجِسْمَيْنِ انقلابا يعنف فَيَتَمَوَّجُ الْهَوَاءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيَتَأَدَّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إِلَى سَطْحِ الصِّمَاخِ فَهَذَا هُوَ السَّمَاعُ، وَأَمَّا الْإِبْصَارُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَثُّرِ الْحَدَقَةِ بِصُورَةِ الْمَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَثُّرِ الْحَاسَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ غَيْرُ جَائِزٍ وَالْجَوَابُ:
الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مُغَايِرٌ لِتَأَثُّرِ الْحَاسَّةِ أَنَّا إِذَا سَمِعْنَا الصَّوْتَ عَلِمْنَا أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْجَوَانِبِ جَاءَ فَعَلِمْنَا أَنَّا أَدْرَكْنَا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِدْرَاكَ الصَّوْتِ حَالَةٌ مُغَايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّمَاخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الْهَوَاءِ. وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا حَالَةٌ مُغَايِرَةٌ لِتَأَثُّرِ الْحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأَنَّ نُقْطَةَ النَّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِبَاعُ الصُّورَةِ الْعَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ الصُّورَةُ الْمُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ وَالصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ فِي نَفْسِ الْعَالَمِ عَظِيمَةٌ، وَهَذَا يدل على أن الرؤية حالة مُغَايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِبَاعِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ/ لَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ التَّأَثُّرِ فِي حَقِّ اللَّهِ امْتِنَاعُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ قَالُوا هَبْ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ حَالَتَانِ مُغَايِرَتَانِ لِتَأَثُّرِ الْحَاسَّةِ إِلَّا أَنَّ حُصُولَهُمَا مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأَثُّرِ، فَلَمَّا كَانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأَثُّرِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَنِعًا كَانَ حُصُولُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِي حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا فَلَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَاسَّةَ الْمُسَمَّاةَ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأَثُّرِ، وَالتَّأَثُّرُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَنِعٌ، فَكَانَ حُصُولُ الْحَاسَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وَأَنْتُمُ الْمُدَّعُونَ لِهَذَا الِاشْتِرَاطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلَالَةُ عَلَى حُصُولِهِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ إِلَى أَنْ تَذْكُرُوا مَا يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَوْلُهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يُفِيدُ الْحَصْرَ، فَمَا مَعْنَى هَذَا الْحَصْرِ، مَعَ أَنَّ الْعِبَادَ أَيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ؟ فَنَقُولُ السَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ لَفْظَانِ مُشْعِرَانِ بِحُصُولِ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ
— 585 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب