سورة الشورى | الآية ٢٣

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
ولما تقرر ما شرع من الدين مما وصى به جميع النبيين فبانت أصوله، واتضحت فروعه وفصوله، وظهرت غرائبه وأشرقت فرائده وآياته، وختم بالقانون الأعظم في أمر الدارين مما هو مشاهد ولا يقدر عليه غيره، فكان التقدير من غير خفاء: هذا شرع الله الذي ارتضاه لعباده وحكم بأن الإقبال عليه غير ضار بطلب الرزق وقدر الأرزاق فلا قدرة لأحد أن يزيد في رزقه شيئاً، ولا أن ينقص منه شيئاً، أقبلوه؟ عادل ذلك بقوله تعالى مقرراً موبخاً منبهاً على ما هو الأصل في الضلال عن قوانينه المحررة وشرائعه الثابتة المقررة: ﴿أم لهم﴾ أي لهؤلاء الذيب يروغون يميناً وشمالاً ﴿شركاء﴾ على زعمهم شاركوا الشارع الذي مضى بيان عزته وظهور جلاله وعظمته في أمره حتى ﴿شرعوا﴾ أي الشركاء الذين طرقوا ونهجوا ﴿لهم﴾ أي للكفار، ويجوز أن يكون المعنى: شرع الكفار لشركائهم ﴿من الدين﴾ في العبادات والعادات التي تقرر في الأذهان أنه لا بد من الجزاء عليها لما جرت به عوائدهم عن محاسبة من تحت أيديهم وقدروا لهم من الأرزاق، وعدل عن أسلوب العظمة إلى الاسم الأعظم إشارة إلى ما فيه مع العظمة
— 290 —
من الإكرام الذي من جملته الحلم المقتضي لعدم معاجلتهم بالأخذ فقال تعالى: ﴿ما لم يأذن به الله﴾ أي يمكن العباد منه بأمرهم به وتقريرهم عليه الملك الذي لا أمر لأحد معه، وقد محقت صفاته كل صفة وتضاءل عندها كل عظمة، فأقبلوا عليه دون غيره لكونه معتداً به، فإن كان كذلك فليسعدوا من أقبل على الدنيا التي هي محط أمرهم فلا يعرفون غيرها بأن يعطوه جميع مراده ويشقوا من أراد الآخرة وسعى لها سعيها، ونسب الشرع إلى الأوثان لأنها سببه كما كانت سبب الضلال في قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام ﴿رب إنهن أضللن كثيراً من الناس﴾ ويضاف الشركاء إليهم تارة لأنهم متخذوها وتارة إلى الله تعالى لأنهم أشركوهم به، والعبارة تأتي بحسب المقام.
ولما علم قطعاً أن التقدير: فلولا أن هذه الأفعال التي يفعلونها من غير إذن منه لا تنقص من ملكه سبحانه شيئاً، ولا تضر إلا فاعلها مع أنها بإرادته، فكانت لمنعهم عنها لم يصلوا إلى شيء منها، عطف عليه قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة الفصل﴾ التي سبق في الأزل أنها لا تكون
— 291 —
ولما كان أمرهم هيناً، بني الفعل للمفعول، فقال: ﴿لقُضي بينهم﴾ أي بين الذين امتثلوا أمره فالتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت ولكنه قد سبق القضاء في أزل الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة، فهي تجري على ما حد لها لا تقدم لشيء منها ولا تأخر ولا تبدل ولا تغير، وستنكشف لكم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق به القضاء بأن يكون للمقسطين نعيم مقيم.
ولما كانوا ينكرون أن يقع بهم عذاب، قال مؤكداً عطفاً على ما قدرته بما أرشد إليه السياق: ﴿وإن الظالمين﴾ بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره ﴿لهم عذاب أليم *﴾ أي مؤلم بليغ إيلامه.
ولما علم من هذا السياق كما ترى أنه لا بد من الفصل، وأن الفصل لا يكون إلا يوم القيامة، قال شارحاً للفصل بين الفريقين في ذلك اليوم مقبلاً على خطاب أعلى الخلق إشارة إلى أن هذا لا يفهمه حق الفهم ويوقن به حق الإيقان غيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو يكون المراد
— 292 —
كل من يصح أن يخاطب إشارة إلى أن الأمر في الوضوح بحيث لا يختص به أحد دون أحد فقال: ﴿ترى﴾ أي في ذلك اليوم لا يشك فيه عاقل لما له من الأدلة الفطرية الأولية والعقلية والنقلية ﴿الظالمين﴾ أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها ﴿مشفقين﴾ أي خائفين أشد الخوف كما هو حال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو مقصر. ولما كان الكلام في الذين ظلمهم صفة راسخة لهم، كان من المعلوم أن كل عملهم عليهم، فلذلك عبر بفعل الكسب مجرداً فقال: ﴿مما كسبوا﴾ أي عملوا معتقدين لأنه غاية ما ينفعهم ﴿وهو﴾ أي جزاءه ووباله الذي هو من جنسه حتى كأنه هو ﴿واقع بهم﴾ لا محالة من غير أن يزيدهم خوفهم إلا عذاباً في غمرات النيران، ذلك هو الخسران المبين، ذلك الذي ينذر به الذين ظلموا ﴿والذين آمنوا﴾ يصح أن يكون معطوفاً على مفعول ﴿ترى﴾ وأن يكون معطوفاً على جميع الجملة فيكون مبتدأ ﴿وعملوا الصالحات﴾ وهي التي أذن الله فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه ﴿في روضات الجنات﴾ أي في الدنيا بما يلذذهم الله به من لذائد
— 293 —
الأقوال والأعمال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة بلا زوال ﴿لهم ما يشاؤون﴾ أي دائماً أبداً كائن ذلك لكونه في غاية الحفظ والتربية والتنبيه على مثل هذا الحفظ لفت إلى صفة الإحسان، فقال: ﴿عند ربهم﴾ أي الذي لم يوصلهم إلى هذا الثواب العظيم إلا حسن تربيته لهم، ولطف بره بهم على حسب ما رباهم.
ولما ذكر ما لهم من الجزاء عظمه فقال: ﴿ذلك﴾ أي الجزاء العظيم الرتبة الجليل القدر ﴿هو﴾ لا غيره ﴿الفضل﴾ أي الذي هو أهل لأن يكون فاضلاً عن كفاية صاحبه، ولو بالغ في الإنفاق ﴿الكبير *﴾ الذي ملأ جميع جهات الحاجة وصغر عنده كل ما ناله غيرهم من هذا الحطام، فالآية كما ترى من الاحتباك: أثبت الإشفاق أولاً دليلاً على حذف الأمن ثانياً، والجنات ثانياً دليلاً على حذف النيران أولاً.
ولما ذكر محلهم ومآلهم فيه، بين دوامه زيادة في تعظيمه فقال مبتدئاً: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الجنة ونعيمها، وأخبر عن المبتدأ بقوله: ﴿الذي يبشر﴾ أي مطلق بشارة عند من خفف وبشارة كثيرة عند من ثقل، وزاد البشارة بالاسم الأعظم، فقال لافتاً القول إليه: ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم والعائد وهو «به» محذوف
— 294 —
تفخيماً للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالبشارة وبجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي، وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد مع الإضافة إلى ضميره سبحانه فأفهم حذفه أن الفعل واقع عليه واصل بغير واسطة إليه، فصار كأنه مذكور وظاهر ومنظور فقال: ﴿عباده﴾ ومن المعلوم أن كل أحد يعظم من اختصه لعبوديته.
ولما أشعر بالإضافة لصلاحهم، نص عليه بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ أي صدقوا بالغيب ﴿وعملوا﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ وذلك الذي مضى قلبه الذي ينذر به الذين كفروا. ولما كانت العادة جارية بأن البشير لا بد له من حياء وإن لم يسأل لأن بشارته قائمة مقام السؤال، قال كعب بن مالك رضي الله عنه: لما أذن الله بتوبته علينا ركض نحوي راكض على فرس وسعى ساع على رجليه، فأوفى على جبل سلع ونادى: يا كعب بن مالك أبشر، فقد تاب الله عليك، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته خلعت له ثوبي، فدفعتهما إليه، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما - إلى آخر حديثه، كان كأنه قيل: ماذا تطلب على هذه البشارة، فأمر
— 295 —
بالجواب بقوله: ﴿قل﴾ أي لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين: ﴿لا أسئلكم﴾ أي الآن ولا في مستقبل الزمان ﴿عليه﴾ أي البلاغ بشارة ونذارة ﴿أجراً﴾ أي وإن قل ﴿إلا﴾ أي لكن أسألكم ﴿المودة﴾ أي المحبة العظيمة الواسعة.
ولما كانوا يثابرون على صلة الأرحام وإن بعدت والأنساب لذلك قال: ﴿في القربى﴾ أي مظروفة فيها بحيث يكون القربى موضعاً للمودة وظرفاً لها، لا يخرج شيء من محبتكم عنها، فإنها بها يتم أمر الدين ويكمل الاجتماع فيه، فإنكم إذا وصلتم ما بيني وبينكم من الرحم لم تكذبوني بالباطل، ولم تردوا ما جئتكم به من سعادة الدارين، فأفلحتم كل الفلاح ودامت الألفة بيننا حتى نموت ثم ندخل الجنة فتستمر ألفتنا دائماً أبدا وقد شمل ذلك جميع القرابات ولم يكن بطن من قريش إلا وله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم قرابة، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وروى البخاري عن سعيد بن جبير: إلا أن تؤدوني في قرابتي
— 296 —
أي تبروهم وتحسنوا إليهم، قال ابن كثير: وقال السدي: لما جيء بعلي بن الحسين أسيراً فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: ما قرأت ﴿قلا لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ قال: وإنكم لأنتم هم، قال: نعم.
وعن
العباس
رضي
الله
عنه
قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضباَ شديداً وقال: «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله»، وعنه أنه دخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودر عرق بين عينيه، ثم قال: «والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي» وعبر في المنقطع بأداة الاستثناء إعراقاً في النفي بالإعلام بأنه لا يستثني أجر أصلاً إلا هذه المودة إن قدر أحد أنها تكون أجراً، ويجوز أن تكون «
— 297 —
إلا» بمعنى «غير» فيكون من باب:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
فمن كان بينه وبين أحد من المسلمين قرابة فهو مسؤول أن يراقب الله في قرابته تلك، فيصل صاحبها بكل ما تصل قدرته إليه من جميع ما أمره الله به من ثواب أو عقاب، فكيف بقرابة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه قد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي ذر رضي الله عنه: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك» وقال فيما رواه في الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم» قال الأصبهاني: ونحن الآن في بحر التكليف محتاجون إلى السفينة الصحيحة والنجوم الزارهة، فالسفينة حب الآل، والنجوم حب الصحب، فنرجو من الله السلامة والسعادة بحبهم في الدنيا والآخرة - والله أعلم.
ولما كان التقدير حتماً: فمن يقترف سيئة فعليه وزرها، ولكنه طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه، عطف عليه قوله: ﴿ومن يقترف﴾ أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج ﴿حسنة﴾ أي ولو صغرت، وصرف القول
— 298 —
إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان إلا العظماء، وإلى أن الإحسان قد يكون سبباً لعظمة المحسن فقال: ﴿نزد﴾ على عظمتنا ﴿له فيها حسناً﴾ بما لا يدخل تحت الوهم، ومن الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدي به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، وهذا من أجر الرسل على إبلاغه إلى الأمم، فهم أغنياء عن طلب غيره - هذا إن اهتدوا به، وإن دعاهم فلم يهتدوا كان له مثل أجورهم لو اهتدوا، فإن عدم اهتدائهم ليس من تقصيره، بل قدر الله وما شاء فعل.
ولما كانوا يقولون: إنا قد ارتكبنا من المساوىء ما لم ينفع معه شيء، قال نافياً لذلك على سبيل التأكيد معللاً مبيناً بصرف القول إلى الاسم الأعظم أن مثل ذلك لا يقدر عليه ملك غيره على الإطلاق: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا يتعاظمه شيء ﴿غفور﴾ لكل ذنب تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم يتب منه إن شاء، فلا يصدن أحداً سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة.
ولما كان إثبات الحسنة فضلاً عن الزياة عليها لا يصح إلا مع الغفران، ولا يمكن أن يكون مع المناقشة، فذكر ذلك الوصف الذي هو أساس الزيادة، أفادها - أي الزيادة - بقوله: ﴿شكور *﴾ فهو يجزي
— 299 —
بالحسنة أضعافها ويترك سائر حقوقه. ولما أثبت أنه أنزل الكتاب بالحق، ودل على ذلك إلى أن ختم بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع بمضمون الخبر، كان كأنه قيل إنكاراً عليهم وتوبيخاً لهم: هل عملوا بما نبهناهم عليه مما يدعون أنهم عريقون فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي الأخلاق باجتناب السئيات وارتكاب الحسنات، والبعد عن الكذب والمكابرة والبهتان، فاعتقدوا أنه حق وأنه وحي من عند الله بما قام على ذلك من البرهان: ﴿أم يقولون﴾ عناداً: ﴿افترى﴾ أي تعمد أن يقطع، وقدم ذكر الملك الأعظم تنبيهاً على أنه لا أفظع من الكذب على ملك الملوك مع فهم المفعول به من لفظ الافتراء فقال: ﴿على الله﴾ الذي أحاط بصفات الكمال، فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه ﴿كذباً﴾ حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله لهذا الدين.
ولما كان التقدير قطعاً: إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولاً معلوم البطلان لأنه تحداهم بشيء من مثله في زعمهم أن له مثلاً ليعلم صحة قولهم فلم يأتوا بشيء وهم وإن كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا يستجيزون الكذب مبطلون لا يمتري عاقل
— 300 —
في بطلان ذلك منهم أيضاً لأنهم لم يكلب منهم أن ينسوا ما يأتون به إلى الله على أنه لو طلب منهم ذلك لما كان عذراً، لأنه لا يتوقف أحد في أن الضرورات تبيح المحذورات، وأنه يرتكب أخف الضررين لدفع أثقلهما، فالإتيان بكلام يسر يسكن به فتن طوال وتنقطع به شرور كبار في غاية الحسن لأن الخطب فيه سهل، والأمر يسير، فكان ذلك وهم يرتكبون أكبر منه من قطع الأرحام وتفريق الكلمة لقتل النفوس وتخريب الديار وإتلاف الأموال دليلاً قاطعاً على أنهم إنما يتركونه عجزاً، تسبب عن قولهم هذا وهو نسبتهم له إلى تعمد الكذب أن قال تعالى رداً عليهم ببيان كذبهم فيما قالوا ببيان ما له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نور القلب اللازم عن استقامة القول: ﴿فإن﴾ وأظهر الجلالة ولم يضمر تعظيماً للأمر بأن الختم لا يقدر عليه إلا المتصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق من غير تقيد بقيد أصلاً فقال: ﴿يشأ الله﴾ أي الذي له الإحاطة بالكمال ﴿يختم﴾ وجرى على الأسلوب السابق في الخطاب لأعظم أولي الألباب فقال معبراً بأداة الاستعلاء: ﴿على قلبك﴾ فيمنعه من قبول روح هذا
— 301 —
الوحي كما ختم على قلوب أعدائك من قبول ذلك، فتستوي حينئذ معهم في عدم القدرة على الإتيان بشيء منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما يصح نسبته إلى الباطل لم تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانه كما أنهم هم كذلك لا يزالون مفضوحين بما على أقوالهم من الأدلة قائمة على بطلانها، وكان الأصل في الكلام: أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد شرح صدرك وأنار قلبك فلا تقول فولاً إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه، ولكنه ساق الكلام هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم القلوب، وذلك دال قطعاً على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم الموجب لأنها تقول ما الأدلة قائمة على كذبه.
ولما كان التقدير كما دل عليه السياق: ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء جعله قابلاً لروح الوحي واعياً لفنون العلم فهو يقذف بأنواع المعارف، ويهتف بتلقي أعاجيب اللطائف، ويثبت الله ذلك كله من غير
— 302 —
مانع ولا صارف، عطف عليه قوله: ﴿ويمحُ الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿الباطل﴾ وهو قولهم «افترى» وكل كذب فلا يدع له أثراً، وهنالك يظهر خسران الجاحد وينقطع لسان الألد المعاند، ولم يذكر أن آلة المحو الكلمات وغيرها استهانة به بالإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة بأضعف الأسباب وتارة بأعلى منه، وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع أنه استئناف غير داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً إيماء إلى أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ولفظه، ومعناه تأكيداً للبشارة يمحوه محواً لا يدع له عيناً ولا أثراً لمن ثبت لصولته: وصبر كما أمر لحولته، اعتماداً على صادق وعد الله إيماناً بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الحذف أيضاً تشبيه له بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع، وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال: ﴿ويحق﴾ أي يثبت على وجه لا يمكن زواله ﴿الحق﴾ أي كل من شأنه الثبات
— 303 —
لأنه أذن فيه وأقره، وعظم الحق وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال: ﴿بكلماته﴾ أي التي
﴿لو كان البحر مداداً﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قوله وصاب أمره، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتاً مقروناً بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته، وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم.
ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل، وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده من ذلك الشيء، بين ذلك بقوله معللاً على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم: ﴿إنه عليم﴾ أي بالغ ﴿بذات الصدور *﴾ أي ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبطل بسيف
— 304 —
هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه، ومن أصدق من الله قيلاً.
— 305 —

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

عرض الكتاب