سورة الأحقاف | الآية ٢٩

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ ﰜ

تفسير الشعراوي
الشعراوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أنْ حدَّثنا عن موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يُحدِّثنا عن الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة.
حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ..﴾ [الأعراف: ٢٧].
والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي.
ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الاعراف: ١٢].
صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان.
ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال في البقرة: ﴿فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده.
لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً.
ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ..﴾ [النساء: ١١٩].
فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله.
ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ..﴾ [البقرة: ٣٥] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا..﴾ [البقرة: ١٨٧].
أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا..﴾ [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار.
وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن.
فقال في سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ..﴾ [الجن: ١-٢].
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه.
وهنا يقول: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ..﴾ [الأحقاف: ٢٩] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون.
وقولهم في سورة الجن ﴿يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ..﴾ [الجن: ٢] وهنا قالوا: ﴿كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ..﴾ [الأحقاف: ٣٠] دلّ على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا.
وفي سورة الرحمن: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ﴾ [الرحمن: ٣١] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أنْ تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إيَاه.
فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف.
روُي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يُقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مِشْية جِنِّي ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركتُ من الزمن أكثره وبقى أقلُّه، ولقد شاهدتُ قابيل وهو يقتل هابيل.
فهذه الرواية دليلٌ على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملَك، فنحن لا نرى الملَك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكَّل في صورة إنسي.
وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويللذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أنْ يكون الرسول ملكاً وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملَكاً لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يُبلِّغهم وكيف يكون التلقي عنه؟
إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن المَلك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أُسوةً لمَنْ في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟
إذن: شرط في النبي الرسول أنْ يكون من جنس مَنْ أُرسل إليهم لتقوم به الأُسوة.
والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكايةً عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٤-١٥].
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية.
واسمعهم يقولون: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا..﴾ [الجن: ٣] يعني: تعالتْ عظمته، ولهذه العظمة ﴿مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ [الجن: ٣] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدقَّ منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسَّفَه، فقالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً﴾ [الجن: ٤].
نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ..﴾ [الأحقاف: ٢٩] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أنْ تذهبَ أنتَ إليهم.
﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ..﴾ [الأحقاف: ٢٩] حضروا القراءة ﴿قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ..﴾ [الأحقاف: ٢٩] استمعوا باهتمام وتدبُّر يعني: وصَّى بعضهم بعضاً بالإنصات ﴿فَلَمَّا قُضِيَ..﴾ [الأحقاف: ٢٩] انتهتْ القراءة ﴿وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويُبلِّغونهم ما سمعوه.
﴿قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ..﴾ [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن، وقولهم ﴿مِن بَعْدِ مُوسَىٰ..﴾ [الأحقاف: ٣٠] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود.
وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسمَوْهُ الكتاب المقدس.
ومعنى ﴿مُصَدِّقاً..﴾ [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن مُصدِّق ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ..﴾ [الأحقاف: ٣٠] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مُصدِّقاً لها إذن جاء بما جاءتْ به ولكن يزيد عليها أنه ﴿يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] بما يناسب عالمية التدين.
فكلّ رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب.
فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكُنْ هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كلَّ مجتمع لا يدري بغيره.
لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كلٌّ منها إلى رسول ليُصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طفَّفوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسياً عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول.
لكن لما التقى العالم، ووُجدتْ بينه وسائل انتقال كان لا بُدَّ من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكلِّ زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحمَّلوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ومن يدريك لعل المبلَّغ يكون أحرصَ على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَخُذْ بِعلْمي وَلاَ تَنْظُرْ إلَى عَملِي  وَاجْنِ الثِّمارَ وَخَلِّ العُودَ لِلنارِ
ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه:
﴿يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ...﴾.

تفسير الشعراوي

الشعراوي

عرض الكتاب