سورة الفتح | الآية ٢٩

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وَاللَّامُ فِي لِيُظْهِرَهُ لِتَعْلِيلِ فِعْلِ أَرْسَلَ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، أَيْ أَرْسَلَهُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ هَذَا الدِّينَ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ الْإِلَهِيَّةِ السَّالِفَةِ وَلِذَلِكَ أُكِّدَ بِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَمَعْنَى يُظْهِرَهُ يُعْلِيهِ. وَالْإِظْهَارُ: أَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ ظَهَرَ بِمَعْنَى بَدَا، فَاسْتُعْمِلَ كِنَايَةً عَنِ الِارْتِفَاعِ الْحَقِيقِيِّ ثُمَّ أُطْلِقَ مَجَازًا عَنِ الشَّرَفِ فَصَارَ أَظْهَرَهُ بِمَعْنَى أَعْلَاهُ، أَيْ لِيُشَرِّفَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي حَقِّ الْقُرْآنِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَة:
٤٨].
وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى إِلَخِ الشَّهَادَةَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا صِدْقٌ ذَيَّلَ الْجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أَيْ أَجْزَأَتْكُمْ شَهَادَةُ اللَّهِ بِصِدْقِ الرُّؤْيَا إِلَى أَنْ تَرَوْا مَا صْدَقَهَا فِي الْإِبَّانِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ [٧٩].
[٢٩]

[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : آيَة ٢٩]

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ لَمَّا بَيَّنَ صدق الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَاهُ وَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِتَنْوِيهِ شَأْن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.
ومُحَمَّدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هُوَ مُحَمَّدٌ يَعُودُ هَذَا الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ عَلَى قَوْله: رَسُولَهُ [الْفَتْح: ٢٨] فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا. وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ الَّذِي وَصَفَهُ السَّكَّاكِيُّ بِالْحَذْفِ الَّذِي الِاسْتِعْمَالُ وَارِدٌ عَلَى تَرْكِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَتَرْكِ نَظَائِره. قَالَ التَّفْتَازَانِيّ فِي «الْمُطَوَّلِ» «وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرُوا رَجُلًا: فَتًى مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرُوا الدِّيَارَ أَوِ الْمَنَازِلَ رَبْعَ كَذَا وَكَذَا». وَمِنْ أَمْثِلَةِ «الْمِفْتَاحِ» لِذَاكَ قَوْلُهُ: (فَرَاجِعْهُمَا) أَيِ الْعَقْلَ السَّلِيمَ وَالطَّبْعَ الْمُسْتَقِيمَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:
سَأَشْكُرُ عَمْرًا إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِيأَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ
— 202 —
فَتًى غَيْرَ مَحْجُوبِ الْغِنَى عَنْ صَدِيقِهِوَلَا مُظْهِرَ الشَّكْوَى إِذَا النَّعْلُ زَلَّتِ (١)
إِذْ لَمْ يَقُلْ: هُوَ فَتًى.
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَظْهَرُ هُنَا إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ إِفَادَةَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ هُوَ بَعْدَ أَنْ أَجْرَى عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الْفَتْح: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الْفَتْح: ٢٨] فَيُعْتَبَرُ السَّامِعُ كَالْمُشْتَاقِ إِلَى بَيَانِ: مَنْ هَذَا الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَيْ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَهَذَا مِنَ الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِذكر مناقبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَتُعْتَبَرُ الْجُمْلَةُ الْمَحْذُوفُ مُبْتَدَؤُهَا مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا. وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لَا تَخْفَى، وَالْأَحْسَنُ مِنْهَا هَذَا.
وَفِي هَذَا نِدَاءٌ عَلَى إِبْطَالِ جَحُودِ الْمُشْرِكِينَ رِسَالَتَهُ حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ أَنْ يُكْتَبَ فِي صَحِيفَةِ الصُّلْحِ «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالُوا: لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ».
وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ مَعَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وأَشِدَّاءُ خَبَرًا عَنْهُ وَمَا بَعْدَهُ إِخْبَارٌ.
وَالْمَقْصُودُ الثَّنَاءُ عَلَى أَصْحَابِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَعْنَى مَعَهُ: الْمُصَاحَبَةُ الْكَامِلَةُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّأْيِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ. وَالْمُرَادُ: أَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ لَا خُصُوصُ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْمَقْصُودَ ابْتِدَاءً فَقَدْ عُرِفُوا بِصِدْقِ مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ اللَّهَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا
انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ نَادِ يَا أَصْلَ السَّمُرَةِ
. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَالَّذِينَ مَعَهُ عَطْفًا عَلَى رَسُولَهُ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ [التَّوْبَة: ٣٣]. وَالتَّقْدِيرُ: وَأَرْسَلَ الَّذِينَ مَعَهُ، أَيْ أَصْحَابَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِرْسَالِ مَا يَشْمَلُ الْإِذْنَ لَهُمْ بِوَاسِطَة الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(١) البيتان لعبر الله بن الزبير (بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة) الْأَسدي.
— 203 —
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس: ١٤] الْآيَةَ فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، أَمَرَهُمْ عِيسَى بِنَشْرِ الْهُدَى وَالتَّوْحِيدِ. فَيَكُونُ الْإِرْسَالُ الْبَعْثَ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَرْسَلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
وأَشِدَّاءُ: جَمْعُ شَدِيدٍ، وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالشِّدَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ صَلَابَةُ الْمُعَامَلَةِ وَقَسَاوَتُهَا، قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ النَّارِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التَّحْرِيم: ٦].
وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ: هِيَ الشِّدَّةُ فِي قِتَالِهِمْ وَإِظْهَارُ الْعَدَاوَةِ لَهُمْ، وَهَذَا وَصْفُ مَدْحٍ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا هُمْ فِئَةَ الْحَقِّ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلِيقُ بِهِمْ إِلَّا إِظْهَارُ الْغَضَبِ لِلَّهِ وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَصْحَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا مِنْ أَجْلِ إشراق أنوار النبوءة عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ فَإِنَّ بَيْنَ نُفُوسِ الْفَرِيقَيْنِ تَمَامَ الْمُضَادَّةِ وَمَا كَانَتْ كَرَاهِيَتُهُمْ لِلصُّلْحِ مَعَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَغْبَتُهُمْ فِي قَتْلِ أَسْرَاهُمُ الَّذِينَ ثَقِفُوهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَفَا عَنْهُم النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ آثَارِ شِدَّتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَلَمْ تَكُنْ لَاحَتْ لَهُمُ الْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ عَلَى الْقِتَالِ وَعَلَى الْقَتْلِ الَّتِي آثرها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُحَاوَرَةً فِي إِبَاءِ الصُّلْحِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ أَشِدَّائِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَكَانَ أَفْهَمَهُمْ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي توخاها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إبرام الصُّلْح أَبَا بَكْرٍ. وَقَدْ قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَرَدَدْنَاهُ. وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ تَكُونُ أَحْكَامُ الشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ وَأَحْكَامِ صُحْبَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ جَارِيَةً عَلَى مُخْتَلِفِ الْأَحْوَالِ وَلِعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِيهَا مَقَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ
ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ. وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ اقْتَبَسُوهَا مِنْ شدَّة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التَّوْبَة: ١٢٨].
وَأَمَّا كَوْنُهُمْ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ فَذَلِكَ مِنْ رُسُوخِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ.
— 204 —
وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارُ أُخُوَّتِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَلَام الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي الْجَمْعِ لَهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَلَّتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ الشِّدَّةِ وَالرَّحْمَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَصَالَةِ آرَائِهِمْ وَحِكْمَةِ عُقُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ تَصَرُّفَ الْحِكْمَةِ وَالرُّشْدِ فَلَا تَغْلِبُ عَلَى نُفُوسِهِمْ مَحْمَدَةٌ دُونَ أُخْرَى وَلَا يَنْدَفِعُونَ إِلَى الْعَمَلِ بِالْجِبِلَّةِ وَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ. وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٥٤].
وَفِي تَعْلِيقِ رُحَماءُ مَعَ ظَرْفِ (بَيْنَ) الْمُفِيدِ لِلْمَكَانِ الدَّاخِلِ وَسَطَ مَا يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ تَنْبِيهٌ عَلَى انْبِثَاثِ التَّرَاحُمِ فِيهِمْ جَمِيعًا
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَجِدُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ اشْتَكَى لَهُ جَمِيعُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»
. وَالْخِطَابُ فِي تَراهُمْ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لِكُلِّ مَنْ تَتَأَتَّى رُؤْيَتُهُ إِيَّاهُمْ، أَيْ يَرَاهُمُ الرَّائِي.
وَإِيثَارُ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ، أَيْ تَرَاهُمْ كُلَّمَا شِئْتَ أَنْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا. وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِشِدَّةِ إِقْبَالِهِمْ عَلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الْمُزَكِّيَةِ لِلنَّفْسِ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ مَفْرُوضُهَا وَنَافِلَتُهَا وَأَنَّهُمْ يتطلبون بذلك رضى اللَّهِ وَرِضْوَانِهُ. وَفِي سَوْقِ هَذَا فِي مَسَاقِ الثَّنَاءِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ حَقَّقَ لَهُمْ مَا يَبْتَغُونَهُ.
وَالسِّيمَا: الْعَلَّامَةُ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ فِي الْبَقَرَةِ [٢٧٣] وَهَذِهِ سِيمَا خَاصَّةٌ هِيَ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنَ السِّيمَا الَّتِي وُصِفَتْ بِأَنَّهَا مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ الْأَوَّلِ: أَنَّهَا أَثَرٌ مَحْسُوسٌ لِلسُّجُودِ، الثَّانِي أَنَّهَا مِنَ الْأَثَرِ النَّفْسِيِّ لِلسُّجُودِ، الثَّالِثِ أَنَّهَا أَثَرٌ يَظْهَرُ فِي وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَبِالْأَوَّلِ فَسَّرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ قَالَ مَالِكٌ: السِّيمَا هِيَ مَا
— 205 —
يَتَعَلَّقُ بِجِبَاهِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ مِثْلَ مَا تَعَلَّقَ بجبهة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَثَرِ الطِّينِ وَالْمَاءِ لَمَّا وَكَفَ الْمَسْجِدَ صَبِيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ السَّعِيدُ وَعِكْرِمَةُ: الْأَثَرُ كَالْغُدَّةِ يَكُونُ فِي جَبْهَةِ الرَّجُلِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّفُونَ حُدُوثَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ وَلَكِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ
بِسَبَبِ تَكَرُّرِ مُبَاشَرَةِ الْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ وَبَشَرَاتُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّأَثُّرِ بِذَلِكَ فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَكَلَّفُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ رِيَاءً.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَسْجُدُونَ عَلَى التُّرَابِ لَا عَلَى الْأَثْوَابِ.
وَإِلَى النَّحْوِ الثَّانِي فَسَّرَ الْأَعْمَشُ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالرَّبِيعُ وَمُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جَزْءٍ وَالضَّحَّاكُ. فَقَالَ الْأَعْمَشُ: مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ عَنْ عَطَاءٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ حُسْنُ السَّمْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ نُورٌ مِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ: بَيَاضٌ وَصُفْرَةٌ وَتَهَيُّجٌ يَعْتَرِي الْوُجُوهَ مِنَ السَّهَرِ. وَإِلَى النَّحْوِ الثَّالِثِ فَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَيْضًا وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ وَالْحَسَنُ أَيْضًا وَخَالِدٌ الْحَنَفِيُّ وَعَطِيَّةُ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: أَنَّهَا سِيمَا تَكُونُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالُوا: هِيَ بَيَاضٌ يَكُونُ فِي الْوَجْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ كَرَامَةً لَهُمْ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الْفَتْح: ٢٩] النُّورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
قِيلَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي تَعْطِيلَ بَقِيَّةِ الِاحْتِمَالَاتِ إِذْ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ السِّيمَا الْمَحْمُودَةِ ولكنّ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَعْلَاهَا.
وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: تَراهُمْ ويَبْتَغُونَ وسِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ عَائِدَةٌ إِلَى الَّذِينَ مَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَإِلَى كُلٍّ مِنْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
— 206 —
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ.
الْإِشَارَة ب ذلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ صِفَاتِ الَّذِينَ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ السَّابِقَ فِي الذِّكْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ فَيُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأٌ ومَثَلُهُمْ خَبَرُهُ.
وَالْمَثَلُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّظِيرِ، أَيِ الْمُشَابِهِ فَإِنْ كَانَ هُنَا مَحْمُولًا عَلَى الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ فَالْمَعْنَى: أَنَّ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ هِيَ حَالُهُمُ الْمَوْصُوفُ فِي «التَّوْرَاةِ». وَقَوْلُهُ: فِي التَّوْراةِ مُتَعَلِّقٌ بِ مَثَلُهُمْ أَوْ حَالٌ مِنْهُ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ فِي «التَّوْرَاةِ» وَصْفَ قَوْمٍ سَيَأْتُونَ وَوُصِفُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمُ الْمَقْصُودُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي فِي «التَّوْرَاةِ»، أَيْ أَنَّ «التَّوْرَاةَ» قَدْ جَاءَتْ فِيهَا بِشَارَةٌ بمجيء مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصْفِ أَصْحَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي «التَّوْرَاةِ» مِمَّا يَصْلُحُ
لِتَطْبِيقِ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْبِشَارَةُ الرَّمْزِيَّةُ الَّتِي فِي الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ وَالثَلَاثِينَ مِنْ «سِفْرِ التَّثْنِيَةِ» مِنْ قَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَا وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرٍ وَتَلَأْلَأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رَبَوَاتِ الْقُدُسِ وَعَنْ يَمِينِهِ نَارٌ شَرِيعَةٌ لَهُمْ فَأَحَبَّ الشَّعْبُ جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ وَهُمْ جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يَتَقَبَّلُونَ مِنْ أَقْوَالِكَ» فَإِنَّ جَبَلَ فَارَانَ هُوَ حِيَالُ الْحِجَازِ. وَقَوْلُهُ:
«فَأَحَبَّ الشَّعْبُ جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ» يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الْفَتْح: ٢٩]، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَا يَنْطَبِقُ عَلَى هَذَا مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ وَقَوْلُهُ: قِدِّيسِيهِ يُفِيدُ مَعْنَى تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الْفَتْح: ٢٩] وَمَعْنَى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الْفَتْح: ٢٩]. وَقَوْلُهُ فِي «التَّوْرَاةِ» «جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ» يُفِيدُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [الْحَشْر: ٨]. وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ إِشَارَةً إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْوَصْفِ.
وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ.
ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مُبْتَدَأٍ. وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: فِي التَّوْراةِ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ:
— 207 —
كَزَرْعٍ خَبَرُهُ، وَهُوَ الْمَثَلُ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ فَيَكُونُ مُشِيرًا إِلَى نَحْوِ قَوْلِهِ فِي «إِنْجِيلِ مَتَّى» الْإِصْحَاحِ ١٣ فِقْرَةِ ٣ «هُوَ ذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ» إِلَى أَنْ قَالَ «وَسَقَطَ الْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرُهُ بَعْضَ مِائَةٍ وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ». قَالَ فِقْرَةً، ثُمَّ قَالَ: «وَأَمَا الْمَزْرُوعُ عَلَى الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِائَةً وَبَعْضٌ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ». وَهَذَا يَتَضَمَّنُ نَمَاءَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الدِّينِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا تُنْبِتُ الْحَبَّةُ مِائَةَ سُنْبُلَةٍ وَكَمَا تَنْبُتُ مِنَ النَّوَاةِ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: أَخْرَجَ شَطْأَهُ اسْتِعَارَةُ الْإِخْرَاجِ إِلَى تَفَرُّعِ الْفِرَاخِ مِنَ الْحَبَّةِ لِمُشَابَهَةِ التَّفَرُّعِ بِالْخُرُوجِ وَمُشَابَهَةِ الْأَصْلِ الْمُتَفَرَّعِ عَنْهُ بِالَّذِي يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ مَكَانٍ.
وَالشَّطْءُ بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ وَسُكُونِ الطَّاءِ: فِرَاخُ الزَّرْعِ وَفُرُوعُ الْحَبَّةِ. وَيُقَالُ: أَشْطَأَ الزَّرْعُ، إِذَا أَخْرَجَ فُرُوعًا. وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِسُكُون الطَّاء وبالهمزة وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ شَطْأَهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ عَلَى تَخْفِيفِ الْهمزَة ألفا.
وفَآزَرَهُ قَوَّاهُ، وَهُوَ مِنَ الْمُؤَازَرَةِ بِالْهَمْزِ وَهِيَ الْمُعَاوَنَةُ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الْإِزَارِ لِأَنَّهُ يَشُدُّ ظَهْرَ الْمُتَّزِرِ بِهِ وَيُعِينُهُ شَدُّهُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْحَمْلِ كَذَا قِيلَ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِزَارُ مُشْتَقًّا اسْمُهُ مِنْ: آزَرَ، لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ نَادِرٌ
لَا يُصَار إِلَى ادعائه إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَ. وَصِيغَةُ المفاعلة فِي فَآزَرَهُ مُسْتَعَارَةٌ لِقُوَّةِ الْفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: عَافَاكَ اللَّهُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبارَكَ فِيها [فصلت: ١٠].
وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي فَآزَرَهُ لِلشَّطْءِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلزَّرْعِ، أَيْ قَوَّى الشَّطْءُ أَصْلَهُ.
— 208 —
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَآزَرَهُ. وَقَرَأَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ فَأَزَّرَهُ بِدُونِ أَلِفٍ بَعْدِ الْهَمْزَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِد.
وَمعنى فَاسْتَغْلَظَ غَلُظَ غِلْظًا شَدِيدًا فِي نَوْعِهِ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ:
اسْتَجَابَ. وَالضَّمِيرَانِ المرفوعان فِي فَاسْتَغْلَظَ واستوى عَائِدَانِ إِلَى الزَّرْعِ.
وَالسَّوَقُ: جَمْعُ سَاقٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ سَاقًا لَيْسَ بِوَصْفٍ وَهُوَ اسْمٌ عَلَى زِنَةِ فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ. وَقِرَاءَةُ الْجَمِيعِ عَلى سُوقِهِ بِالْوَاوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأَ ابْن كثير سُوقِهِ بِالْهَمْزَةِ أَيْ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ الْمَضْمُومَةِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ يَهْمِزُونَ الْوَاوَ الَّتِي قَبْلَهَا ضَمَّةٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ (١) :
لَحَبُّ الْمُؤْقِدَانِ إِلَيَّ مُؤْسَى وَتُنْسَبُ لِقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُفَسِّرُونَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي «حِرْزِ الْأَمَانِي» وَذَكَرَهَا النَوْرِيُّ فِي كِتَابِ «غَيْثِ النَّفْعِ» وَكَلَامُهُ غَيْرُ وَاضِحٍ فِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى قُنْبُلٍ.
وَسَاقُ الزَّرْعِ وَالشَّجَرَةِ: الْأَصْلُ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ السُّنْبُلُ وَالْأَغْصَانُ. وَمَعْنَى هَذَا التَّمْثِيلِ تَشْبِيه حَال بده الْمُسْلِمِينَ وَنَمَائِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ بَدْءِ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَعِيفًا وَتَقَوِّيهِ يَوْمًا فَيَوْمًا حَتَّى اسْتَحْكَمَ أَمْرُهُ وَتَغَلَّبَ عَلَى أَعْدَائِهِ. وَهَذَا التَّمْثِيلُ قَابِلٌ لِاعْتِبَارِ تَجْزِئَةِ التَّشْبِيهِ فِي أَجْزَائِهِ بِأَنْ يشبه مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزَّارِعِ
_________
(١) هُوَ جرير، وَتَمام الْبَيْت:
وجعدة إِذا أضاءهما الْوقُود وتقدّم عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فِي سُورَة الْبَقَرَة [٤]. وَالْبَيْت من قصيدة فِي مدح هِشَام بن عبد الْملك.
— 209 —
كَمَا مَثَّلَ عِيسَى غَلَبَ الْإِسْلَامَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَيُشبه الْمُؤْمِنُونَ الْأَولونَ بِحَبَّاتِ الزَّرْعِ الَّتِي يَبْذُرُهَا فِي الْأَرْضِ مِثْلِ: أَبِي بَكْرٍ
وَخَدِيجَةَ وَعَلِيٍّ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ، وَالشَّطْءُ: مَنْ أَيَّدُوا الْمُسْلِمِينَ فَإِن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ نَفَرٌ قَلِيلٌ ثُمَّ قَوَّاهُ اللَّهُ بِمَنْ ضَامَنَ مَعَهُ كَمَا يُقَوِّي الطَّاقَةَ الْأَوْلَى مِنَ الزَّرْعِ مَا يَحْتَفُّ بِهَا مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا حَتَّى يُعْجِبَ الزُّرَّاعَ. وَقَوْلُهُ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ تَحْسِينٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ لِيُفِيدَ تَحْسِينَ الْمُشَبَّهِ.
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.
تَعْلِيلٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ تَمْثِيلُهُمْ بِالزَّرْعِ الْمَوْصُوفِ مِنْ نَمَائِهِمْ وَتَرَقِّيهِمْ فِي الزِّيَادَةِ وَالْقُوَّةِ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ بِتِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهَا فَمَثَّلْ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ أَبُو عُرْوَةَ الزُّبَيْرِيُّ (١) : كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَذَكَرُوا عِنْدَهُ رَجُلًا يَنْتَقِصُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَرَأَ مَالِكٌ هَذِهِ الْآيَةَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَنْ بَلَغَ قَوْلَهُ:
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ فِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقُلْتُ: رَحِمَ اللَّهُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَرَضِيَ عَنْهُ مَا أَدَقَّ اسْتِنْبَاطَهُ.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً.
أَعْقَبَ تَنْوِيهَ شَأْنِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِوَعْدِهِمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَهَا الْأَثَرُ الْمَتِينُ فِي نَشْرِ وَنَصْرِ هَذَا الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) لِلْبَيَانِ كَقَوْلِهِ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الْحَج: ٣٠]
_________
(١) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: من ولد الزبير، قلت لَعَلَّه سعيد بن عمر الزبيرِي الْمدنِي من أَصْحَاب مَالك، تَرْجمهُ فِي المدارك وَلم يذكر كنيته.
— 210 —
وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ، وَيَجُوزُ إِبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَعْنَى مِنَ التَّبْعِيضِ لِأَنَّهُ وَعْدٌ لِكُلِّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ ذِكْرُ (مِنْ) تَحْذِيرًا وَهُوَ لَا يُنَافِي الْمَغْفِرَةَ لِجَمِيعِهِمْ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَصْحَاب الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ خِيرَةُ الْمُؤْمِنِينَ.
— 211 —

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٩- سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
سُمِّيَتْ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ وَالتَّفْسِيرِ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ وَلَيْسَ لَهَا اسْمٌ غَيْرُهُ، وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا أَنَّهَا ذُكِرَ فِيهَا لَفْظُ الْحُجُرَاتِ. وَنَزَلَتْ فِي قِصَّةِ نِدَاءِ بَنِي تَمِيمٍ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ، فَعُرِفَتْ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ. وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، أَيْ مِمَّا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَحَكَى السُّيُوطِيُّ فِي «الْإِتْقَانِ» قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَلَا يُعْرَفُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ.
وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الحجرات: ١٣] الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ كَمَا سَيَأْتِي. وَلَمْ يَعُدَّهَا فِي «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّورِ الْمُسْتَثْنَى بَعْضُ آيَاتِهَا. وَهِيَ السُّورَةُ الثَّامِنَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ وَقَبْلَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَأَوَّلُ آيِهَا فِي شَأْنِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١] وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الحجرات:
٤]. وَعَدَّ جَمِيعُ الْعَادِّينَ آيَهَا ثَمَانَ عَشْرَةَ آيَةً.
أَغْرَاضُ هَاتِهِ السُّورَةِ
تَتَعَلَّقُ أَغْرَاضُهَا بِحَوَادِثَ جَدَّتْ مُتَقَارِبَةً كَانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ مَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ وَآدَابٍ.
وَأَوَّلُهَا تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَدَبِ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
— 213 —
مُعَامَلَتِهِ وَخِطَابِهِ وَنِدَائِهِ، دَعَا إِلَى تَعْلِيمِهِمْ إِيَّاهَا مَا ارْتَكَبَهُ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ جَفَاءِ الْأَعْرَابِ لَمَّا نادوا الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بُيُوتِهِ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤]. وَوُجُوبِ صِدْقِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ. وَالتَّثَبُّتِ فِي
نَقْلِ الْخَبَرِ مُطْلَقًا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خُلُقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُجَانَبَةِ أَخْلَاقِ الْكَافِرِينَ وَالْفَاسِقِينَ، وَتَطَرَّقَ إِلَى مَا يَحْدُثُ مِنَ التَّقَاتُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ آدَابِ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَحْوَالِهِمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَتَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْ بَقَايَا خُلُقِ الْكُفْرِ فِي بَعْضِ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ تَقْوِيمًا لِأَوَدِ نُفُوسِهِمْ.
وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] : هَذِهِ السُّورَةُ فِيهَا إِرْشَادُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهِيَ إِمَّا مَعَ اللَّهِ أَوْ مَعَ رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَو مَعَ غير هما من أنباء الْجِنْسِ، وَهُمْ عَلَى صِنْفَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَدَاخِلِينَ فِي رُتْبَةِ الطَّاعَةِ أَوْ خَارِجِينَ عَنْهَا وَهُوَ الْفُسُوقُ، وَالدَّاخِلُ فِي طَائِفَتِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عِنْدَهُمْ أَوْ غَائِبًا عَنْهُمْ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ، قَالَ: فَذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَرْشَدَ بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ إِلَى مَكْرُمَةٍ مِنْ قِسْمٍ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَسَنَأْتِي عَلَى بَقِيَّةِ كَلَامِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ سُوَرِ الْمُفَصَّلِ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَيُسَمَّى الْمُحْكَمُ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَفِي مَبْدَأِ الْمُفَصَّلِ عِنْدَنَا أَقْوَالٌ عَشَرَةٌ أَشْهَرُهَا قَوْلَانِ قِيلَ: إِنَّ مَبْدَأَهُ سُورَةُ ق وَقِيلَ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، وَفِي مَبْدَأِ وَسَطِ الْمُفَصَّلِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ سُورَةُ عَبَسَ، وَفِي قِصَارِهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا مِنْ سُورَةِ وَالضُّحَى.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي مَبْدَأِ الْمُفَصَّلِ عَلَى أَقْوَالٍ اثْنَيْ عَشَرَ، وَالْمُصَحَّحُ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنَ
— 214 —

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

ابن عاشور

عرض الكتاب