سورة آل عمران | الآية ١٧٠

عرض السورة
التَّفسير

ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٩ الى ١٧٥]

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
فقوله- تعالى- وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ كلام مستأنف ساقه الله- تعالى- لبيان أن القتل في سبيل الله الذي يحذره المنافقون ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر، بل هو أجل المطالب وأسناها، إثر بيان أن الحذر لا يدفع القدر، لأن من قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه. ومن لم يقدر له ذلك لا خوف عليه منه.
فهذه الآيات الكريمة رد على شماتة المنافقين إثر الردود السابقة، وتحريض للمؤمنين على القتال، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة هي أن الاستشهاد في سبيل الله ليس فناء بل هو بقاء.
والخطاب في قوله «ولا تحسبن» للنبي صلّى الله عليه وسلّم أو لكل من يتأتى له الخطاب.
— 335 —
والحسبان: لظن، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن، أى أنهاكم عن أن تظنوا أنهم أموات، ونون التوكيد في قوله «ولا تحسبن» لتأكيد هذا النهى.
أى: لا تحسبن أيها الرسول الكريم، أو أيها المؤمن أن الذين قتلوا في سبيل الله، من أجل إعلان كلمته، لا تحسبنهم أمواتا لا يحسون شيئا ولا يلتذون ولا يتنعمون، بل هم أحياء عند ربهم، يرزقون رزق الأحياء، ويتنعمون بألوان النعم التي أسبغها الله عليهم، جزاء إخلاصهم وجهادهم وبذلهم أنفسهم في سبيل الله.
وقوله الَّذِينَ مفعول أول لقوله: تَحْسَبَنَّ وقوله أَمْواتاً مفعوله الثاني وقوله أَحْياءٌ خبر لمبتدأ محذوف أى بل هم أحياء.
وقوله عِنْدَ رَبِّهِمْ يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ المقدر أو صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى: يحيون عند ربهم.
والمراد بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف، أى هم أحياء مقربون عنده، قد خصهم بالمنازل الرفيعة، والدرجات العالية، وليس المراد بها القرب المكاني لاستحالة ذلك في حق الله- تعالى-.
وقوله يُرْزَقُونَ صفة لقوله أَحْياءٌ وحال من الضمير فيه أى يحيون مرزوقين.
هذا وقد وردت أحاديث متعددة تصرح بأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت في شهداء أحد، ويدخل في حكمهم كل شهيد في سبيل الله، ومن هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش.
فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب. فقال الله- تعالى-: «أنا أبلغهم عنكم. قال: فأنزل الله هؤلاء الآيات وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً... إلخ الآيات.
وأخرج الترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: لقيني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا جابر مالي أراك منكسا مهتما»
؟ قلت يا رسول الله استشهد أبى- في أحد- وترك عيالا وعليه دين.
فقال: ألا أبشرك بما لقى الله- عز وجل- به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا- أى مواجهة ليس بينهما حجاب- وما كلم أحدا قط إلا من وراء حجاب، فقال له يا عبدى تمن أعطك. قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال
— 336 —
الرب- تعالى- إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائي فأنزل الله- تعالى- وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً... الآية.
قال القرطبي- بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما- ما ملخصه: «فقد أخبر الله- تعالى- في هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون. والذي عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة. وقال آخرون أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وحديث ابن عباس- الذي سقناه قبل قليل- نص يرفع الخلاف» «١».
والذي تطمئن إليه النفس: أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية خاصة تجعلهم يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس، وهي أنهم في حياة سارة، ونعيم لذيذ، ورزق حسن عند ربهم. وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال في غيرهم: أموات، وإن كان المعنى اللغوي للموت- بمعنى مفارقة الروح للجسد في ظاهر الأمر- حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى.
إلا أن هذه الحياة البرزخية التي أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله- تعالى- ولا ندرك حقيقتها، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، فقد قال- تعالى- في آية أخرى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أى ولكن لا تحسون ولا تدركون حال هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله بمشاعركم وحواسكم، لأنها من شئون الغيب التي لا طريق للعلم بها إلا بالوحي.
ثم بين- سبحانه- ما هم فيه من مسرة وحبور فقال: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أى فرحين فرحا عظيما بعد انتقالهم من الدنيا، بما أعطاهم الله في حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة التي من بينها الثواب العظيم، والنعيم الدائم، والسعادة التي ليس بعدها سعادة.
وقوله فَرِحِينَ يصح أن يكون حالا من الضمير في يُرْزَقُونَ أو من الضمير في «أحياء» وقوله مِنْ فَضْلِهِ متعلق بآتاهم.
ومِنْ يصح أن تكون للسببية أى الذي آتاهم متسبب عن فضله. أو لابتداء الغاية وقوله
(١) تفسير القرطبي ج ٤ ص ٢٦٨.
— 337 —
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون. أو هو حال من الضمير في فَرِحِينَ بتقدير وهم يستبشرون...
وأصل الاستبشار: طلب البشارة وهو الخبر السار الذي تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد هنا السرور استعمالا للفظ في لازم معناه.
أى: أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم الله من فضله من شرف الشهادة، ومن الفوز برضا الله، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة، لأن الأحياء عند ما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها. فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم: رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم في الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد، لأنهم ما زالوا على قيد الحياة.
وفي هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها الله- تعالى- من الكشف والصفاء ما جعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم في الدنيا.
وقيل: إن معنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم.
وقوله مِنْ خَلْفِهِمْ متعلق بمحذوف حال من فاعل يَلْحَقُوا أى لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا. أو متعلق بقوله يَلْحَقُوا ذاته على معنى أنهم قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم.
وقوله أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بدل اشتمال من قوله بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم.
والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم في الدنيا من رفقائهم المجاهدين، وهو أنهم لا خوف عليهم في المستقبل ولا هم يحزنون على ما تركوه في الدنيا، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم للدنيا وعند ما يبعثون يوم القيامة.
ونفى عنهم الخوف والحزن، لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل.
والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي. فبين- سبحانه- أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة، ولا حزن لهم فيما فاتهم من متاع الدنيا.
وقوله يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ استئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق بذواتهم. بعد أن بين- سبحانه- سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم.
والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم.
— 338 —
كما أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بسبب ما أنعم الله به عليهم من نعم جزيلة وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة الكرامة، وسمو المنزلة.
وهذا يدل على أن هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط. وإنما يهتمون أيضا بأحوال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا، وفي ذلك ما فيه من صفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم، حيث أحبوا الخير لغيرهم كما أحبوه لأنفسهم، بل إن تقديم استبشارهم بحال إخوانهم على استبشارهم بما يتعلق بأنفسهم ليشعر بأن اهتمامهم بحال إخوانهم أشد من اهتمامهم بحال أنفسهم.
ويرى بعضهم أن الضمير في قوله يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ يعود على الذين لم يلحقوا بهم فتكون جملة يَسْتَبْشِرُونَ حالا من الذين لم يلحقوا بهم. وعليه يكون المعنى: أن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا حزن، فهم مستبشرون بنعمة من الله وفضل..».
وقوله وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ معطوف على بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، وهذا على قراءة الجمهور بفتح همزة أن على معنى وبأن.
والتقدير: يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن الله- تعالى- لا يضيع أجر المؤمنين، وإنما سيعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم.
وقرأ الكسائي «وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين»، بكسر همزة إن على الاستئناف والمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مؤمن يخاف مقام ربه وينهى نفسه عن الهوى، ويجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله فإن الله- تعالى- لا يضيع شيئا من أجره، بل يعطيه من الجزاء الحسن- بفضله وإحسانه- أكثر مما يستحق.
ثم مدح- سبحانه- المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن الاستجابة لأمر رسولهم صلى الله عليه وسلّم فقال- تعالى-: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: اعلم أن الله- تعالى- مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما: بغزوة حمراء الأسد، والثانية: بغزوة بدر الصغرى، وكلتاهما متصلة بغزوة أحد.
أما غزوة حمراء الأسد فهي المرادة من هذه الآية، فإن الأصح في سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء، ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع.
فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة.
— 339 —
فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبى سفيان وقال: لا أريد أن يخرج الآن معى إلا من كان معى في القتال- في أحد-.
فخرج الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد. وهي مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة.
فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا.
وروى أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى. وكان كل ذلك لإثخان الجراح فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.
وقوله اسْتَجابُوا بمعنى أجابوا. وقيل: استجابوا، أصلها طلبوا الإجابة لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل. والقرح: الجراح الشديدة.
والمعنى: أن الله- تعالى- لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين أجابوا داعي الله وأطاعوا رسوله، بأن خرجوا للجهاد في سبيل عقيدتهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة مع مآبهم من جراح شديدة، وآلام مبرحة.
ثم بين- سبحانه- جزاءهم فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ أى الذين أحسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات، واتقوا الله في كل أحوالهم بأن صانوا أنفسهم عن جميع المنهيات، لهؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله- تعالى-.
وقوله الَّذِينَ اسْتَجابُوا في موضع رفع على الابتداء وخبره قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ويجوز أن يكون في موضع جر على أنه صفة للمؤمنين في قوله: وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قال صاحب الكشاف: و «من» في قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ للتبيين مثلها في قوله- تعالى- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم «١».
ثم مدحهم- سبحانه- على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم- عز وجل-، بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن استجابتهم لله ولرسوله فقال- تعالى-:
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٤١.
— 340 —
لما عزم على الانصراف إلى مكة في أعقاب غزوة أحد نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر: قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء الله.
فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع. فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له: يا نعيم، إنى وعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر. وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن. وقد بدا لي أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل.
فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأى. أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد.
فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. فلما رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك قال: «والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي».
ثم خرج صلّى الله عليه وسلّم في جمع من أصحابه، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى- وهي ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام- ولم يلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أحدا من المشركين.
ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين.
أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران «١»...
وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكة جماعة من بنى عبد القيس، وقد قال لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عند ما أزمع العودة إلى مكة بعد أن قذف الله الرعب في قلبه من لقاء المسلمين.
وعلى أية حال ففي سبب نزول هذه الآية والتي قبلها أقوال أخرى للمفسرين اكتفينا بما ذكرناه خشية الإطالة..
وقوله الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ بدل من قوله الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أو صفة له.
أو في محل نصب على المدح أى أمدح الذين قال لهم الناس... إلخ.
والمراد في الموصول في الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم تمنعهم الجراح عن الخروج للقتال، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن الناس قد جمعوا لكم.
(١) تفسير الفخر الرازي ج ٩ ص ٩٩.
— 341 —
والمراد من الناس الأول وهو قوله الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف قيل «الناس» إن كان نعيم هو المثبط وحده؟
قلت: قيل ذلك لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل، ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد وبرد فرد. أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه «١».
والمراد من الناس الثاني وهو قوله: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ أبو سفيان ومن معه. فأل فيهما للعهد، والناس الثاني غير الأول.
وقوله- تعالى- حكاية عن هؤلاء المثبطين: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ أى إن أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم، فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم.
وحذف مفعول جَمَعُوا فلم يقل: جمعوا جيشا كبيرا أو جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من رجال وسلاح وأموال، ولكن هذا القول الذي صدر من هؤلاء المثبطين، لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون في جهادهم وفي اعتمادهم على خالقهم، بل كانوا كما أخبر الله تعالى- عنهم فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
أى أن هذا القول الذي قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ويقينا على يقينهم، وثباتا على ثباتهم، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة واطمئنان: حَسْبُنَا اللَّهُ أى كافينا الله أمر أعدائنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أى نعم النصير خالقنا- عز وجل- فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا.
وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم، وشدة ثقتهم في نصر الله- تعالى- لهم، مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج. ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله: إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم. يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار». وعن عمر- رضى الله عنه- أنه كان يأخذ بيد الرجل
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٤٤١.
— 342 —
فيقول: قم بنا نزداد إيمانا. وعنه: «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به» «١».
وقال ابن كثير: روى البخاري عن ابن عباس: قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» قالها إبراهيم- عليه السلام- حين ألقى به في النار. وقالها محمد صلّى الله عليه وسلّم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم».
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» «٢».
ثم حكى- سبحانه- ما تم لهؤلاء المجاهدين الذين خرجوا للقاء أعدائهم من عاقبة حسنة وعود حميد فقال- تعالى-: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.
فالفاء في قوله فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ للتعقيب، وهي معطوفة على مقدر دل عليه السياق.
ومعنى فَانْقَلَبُوا عادوا ورجعوا.
والنعمة: هي العطاء الذي ينفع صاحبه. والفضل: الزيادة في العطاء والنعمة.
والمعنى: أن هؤلاء المجاهدين الصادقين خرجوا للقاء أعدائهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة فلم يجدوهم، فرجعوا إلى ديارهم مصحوبين بِنِعْمَةٍ عظيمة مِنَ اللَّهِ- تعالى-، إذ خذل أعداءهم، وسلمهم من شرورهم، ومصحوبين بفضل جليل منه- سبحانه- حيث أغدق عليهم ربحا وفيرا في تجارتهم، وأجرا جزيلا بسبب قوة إيمانهم، وإخلاصهم في دينهم.
قال الآلوسى: «روى البيهقي عن ابن عباس أن عيرا مرت في أيام الموسم- أى موسم بدر- فاشتراها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل».
وأخرج ابن جرير عن السدى قال: أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين خرج في غزوة بدر الصغرى أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم، فأصابوا تجارة- فربحوا فيها» «٣».
وقوله بِنِعْمَةٍ في موضع الحال من الضمير في فَانْقَلَبُوا فتكون الباء للملابسة أو للمصاحبة فكأنه قيل: فانقلبوا متلبسين بنعمة أو مصاحبين لها.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٤٢.
(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٤٣٠. [.....]
(٣) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ١٢٩.
— 343 —
وقوله مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف صفة لنعمة، وهو مؤكد لفخامتها وأنها نعمة جزيلة لا يقدر قدرها.
وقوله لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أى لم يصبهم أى أذى أو مكروه عند خروجهم وعودتهم.
والجملة في موضع الحال من فاعل فَانْقَلَبُوا أى رجعوا منعمين مبرئين من السوء والأذى.
وقوله وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ معطوف على قوله فَانْقَلَبُوا.
أى اتبعوا ما يرضى الله ويوصلهم إلى مثوبته ورحمته، باستجابتهم لرسولهم صلّى الله عليه وسلّم وخروجهم للقاء أعدائهم بإيمان عميق، وعزم وثيق.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم في عودتهم أمور أربعة:
أولها: النعمة العظيمة.
وثانيها: الفضل الجزيل.
وثالثها: السلامة من السوء.
ورابعها: اتباع رضوان الله.
وهذا كله قد منحه الله لهم جزاء إخلاصهم وثباتهم على الحق الذي آمنوا به.
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.
أى والله تعالى صاحب الفضل العظيم الذي لا يحده حصر، ولا يحصيه عد، هو الذي تفضل على هؤلاء المؤمنين الصادقين بما تفضل به من عطاء كريم، وثواب جزيل.
وفي هذا التذيل زيادة تبشير للمؤمنين برعاية الله لهم، وزيادة تحسير للمتخلفين عن الجهاد في سبيله- عز وجل-، حيث حرموا أنفسهم مما فاز به المؤمنون الصادقون.
ثم أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده، فقال تعالى:
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
فالخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين، والإشارة بذلكم إلى المثبط بالذات أو بالواسطة.
وقوله إِنَّما أداة حصر، وذلِكُمُ مبتدأ والشَّيْطانُ خبره، وقوله: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ جملة مستأنفة مبينة لشيطنته.
وقيل إن ذلِكُمُ مبتدأ أول، والشَّيْطانُ مبتدأ ثان. وقوله يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ خبر للمبتد الثاني. وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول.
والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذي يخوف بالوسوسة. وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكي يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعي.
— 344 —
إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان، الذي يوسوس في قلوبكم بالشر بذاته، أو بواسطة أتباعه الضالين، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف الإيمان.
وقوله يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ أى يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء الإيمان ليقعدوا عن مقاتلة المشركين. أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون فإنكم لن يقعدكم تخويفه، لأن هذا التخويف لا أثر له في قلب من آمن بالله حق الإيمان، واتقاه حق تقاته.
وقيل إن معنى يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول وحذف الجار. كما في قوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ أى فإذا خفت عليه فرعون. فحذف المفعول. وكما في قوله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ أى لينذركم يوم التلاقي.
وقيل إن المعنى: يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول: أعطيت الأموال، أى أعطيت القوم الأموال.
وقوله فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أى فلا تخافوا أولياء الشيطان، بل اجعلوا خوفكم منى وحدي، إن كنتم مؤمنين حقا.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم، وتقويتهم، وإلهاب شعورهم، إذ الإيمان الحق يستلزم الخوف من الله دون سواه.
والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسي: النهى عن أسبابه التي من أهمها حب الدنيا وكراهية الموت أى خذوا بأسباب القوة التي من أهمها التمسك بتقوى الله فإن ذلك يزيل الخوف من قلوبكم.
وفي المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان، وبين الأمر بأن يكون خوفهم من الله وحده، في هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذي يزيل الخوف والفزع من نفوسهم. لأن الذي يجعل خشيته وخوفه من الله وحده لن يستطيع الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق الله إذ يقول: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.
وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات، وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. كما أثنت ثناء مستطابا على الذين لبوا دعوة رسولهم صلّى الله عليه وسلّم حين دعاهم إلى الجهاد في سبيل الله، ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح، أو ما قاله لهم المرجفون من أقوال باطلة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم عما يراه من كفر الكافرين. وعناد المعاندين، وفي بيان أن
— 345 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب