سورة آل عمران | الآية ١٧٠

عرض السورة
التَّفسير

ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وَالْجَوَابُ: هَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَمَشَّى إِلَّا إِذَا اعْتَرَفْنَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا قُلْنَا لَا يَدْخُلُ الشَّيْءُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، اعْتَرَفْنَا بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَبَيْنَ الْمَوْتِ فَرْقٌ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ أَمَّا إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ ظَاهِرًا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، فَتُفْضِي إِلَى فَسَادِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُفْضِيَ إِلَى ذَلِكَ يَكُونُ بَاطِلًا، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يَعْنِي: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي كَوْنِكُمْ مُشْتَغِلِينَ بِالْحَذَرِ عَنِ الْمَكَارِهِ والوصول إلى المطالب.

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)
[وقوله تَعَالَى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ] اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا ثَبَّطُوا الرَّاغِبِينَ فِي الْجِهَادِ بِأَنْ قَالُوا: الْجِهَادُ يُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ، كَمَا قَالُوا فِي حَقِّ مَنْ خَرَجَ إِلَى الْجِهَادِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالْقَتْلُ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، فَوَجَبَ الْحَذَرُ عَنِ الْجِهَادِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بين أن قولهم:
الجهاد يقضي إِلَى الْقَتْلِ بَاطِلٌ، بِأَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ كَمَا أَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَمَنْ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ الْقَتْلَ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الْقَتْلَ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَالْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ الْقَتْلِ وَخَصَّهُ بِدَرَجَاتِ الْقُرْبَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَأَعْطَاهُ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الرِّزْقِ وَأَوْصَلَهُ إِلَى أَجَلِّ مَرَاتِبِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ؟ فَأَيُّ عَاقِلٍ يَقُولُ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَتْلِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَهَذَا وَجْهُ النَّظْمِ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، لِأَنَّ فِي وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ إِلَّا مَنْ قُتِلَ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ، وَالْمُنَافِقُونَ إِنَّمَا يُنَفِّرُونَ الْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ لِئَلَّا يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ مِثْلَ مَنْ قُتِلَ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فَضَائِلَ مَنْ قُتِلَ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَاعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى التَّشَبُّهِ بِمَنْ جَاهَدَ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ وَقُتِلَ، وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْجِهَادَ فَرُبَّمَا وَصَلَ إِلَى نَعِيمِ الدُّنْيَا وَرُبَّمَا لَمْ يَصِلْ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ فَهُوَ حَقِيرٌ وَقَلِيلٌ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الْجِهَادِ فَازَ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ قَطْعًا وَهُوَ نَعِيمٌ عَظِيمٌ، وَمَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا فَهُوَ دَائِمٌ مُقِيمٌ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ الْإِقْبَالَ عَلَى الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ هَؤُلَاءِ الْمَقْتُولِينَ أَحْيَاءً، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ هُوَ الْحَقِيقَةَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ فِي الْآخِرَةِ أَحْيَاءً، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْحَالِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِثْبَاتَ الْحَيَاةِ الرُّوحَانِيَّةِ أَوْ إِثْبَاتَ الْحَيَاةِ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَهَذَا ضَبْطُ الْوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ ذِكْرُهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ فِي الْآخِرَةِ أَحْيَاءً، قَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ، مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَعْبِيُّ قَالَ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ مَا حَكَى، كَانُوا يَقُولُونَ:
أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَرِّضُونَ أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ فَيُقْتَلُونَ وَيَخْسَرُونَ الْحَيَاةَ وَلَا يَصِلُونَ إِلَى خَيْرٍ، وَإِنَّمَا كانوا يقولون
— 425 —
ذَلِكَ لِجَحْدِهِمُ الْبَعْثَ وَالْمِيعَادَ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ وَيُرْزَقُونَ وَيُوصَلُ إليهم أنواع الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَالْبِشَارَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَنَا بَاطِلٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ قَوْلَهُ: بَلْ أَحْياءٌ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ أَحْيَاءً بَعْدَ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ جَانِبَ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ أَرْجَحُ مِنْ جَانِبِ الْعَذَابِ وَالْعُقُوبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي أَهْلِ الْعَذَابِ أَنَّهُ أَحْيَاهُمْ قَبْلَ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ التَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [٢٥:
نُوحٍ] وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَالتَّعْذِيبُ مَشْرُوطٌ بِالْحَيَاةِ، وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غَافِرٍ: ٤٦] وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْعَذَابِ أَحْيَاءً قَبْلَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ التَّعْذِيبِ، فَلِأَنْ يَجْعَلَ أَهْلَ الثَّوَابِ أَحْيَاءً قَبْلَ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ الْإِحْسَانِ وَالْإِثَابَةِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّهُ سَيَجْعَلُهُمْ أَحْيَاءً عِنْدَ الْبَعْثِ فِي الْجَنَّةِ لَمَا قَالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ/ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَلا تَحْسَبَنَّ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ، أَمَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ثَوَابِ الْقَبْرِ حَسُنَ قَوْلُهُ:
وَلا تَحْسَبَنَّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَعَلَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَالَى يُشَرِّفُ الْمُطِيعِينَ وَالْمُخْلِصِينَ بِهَذَا التَّشْرِيفِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُحْيِيهِمْ قَبْلَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ إِيصَالِ الثَّوَابِ إِلَيْهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ عِنْدَ الْبَعْثِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَجَازَ أَنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ أَحْيَاءً وَيَصِلُونَ إِلَى الثَّوَابِ وَالسُّرُورِ.
قُلْنَا: قَوْلُهُ: وَلا تَحْسَبَنَّ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَوْتَ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً فَالَّذِي يُزِيلُ هَذَا الْحُسْبَانَ هُوَ كَوْنُهُمْ أَحْيَاءً فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَا حُسْبَانَ هُنَاكَ فِي صَيْرُورَتِهِمْ أَحْيَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَوْلُهُ: يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ الْحُسْبَانِ فَزَالَ هَذَا السُّؤَالُ.
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وَالْقَوْمُ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونُوا فِي الدُّنْيَا، فَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَنْ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَالِاسْتِبْشَارُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ الْحَيَاةِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بَحْثٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ.
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: مَا
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي صِفَةِ الشُّهَدَاءِ: «إِنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَإِنَّهَا تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَمَّا رَأَوْا طِيبَ مَسْكَنِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ قَالُوا: يَا لَيْتَ قَوْمَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَمَا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَا كَيْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مُخْبِرٌ عَنْكُمْ وَمُبَلِّغٌ إِخْوَانَكُمْ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ»
وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: سَأَلْنَا عَنْهَا فَقِيلَ لَنَا إِنَّ الشُّهَدَاءَ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ،
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُبَشِّرُكَ أَنَّ أَبَاكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ أَحْيَاهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ أَفْعَلَ بِكَ فَقَالَ يَا رَبِّ أُحِبُّ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فأقتل فيها مَرَّةً أُخْرَى»
وَالرِّوَايَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَأَنَّهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إِنْكَارُهَا؟ طَعَنَ الْكَعْبِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَتَنَعَّمُ، وَإِنَّمَا يَتَنَعَّمُ الْجِسْمُ إِذَا كَانَ فِيهِ رَوْحٌ لَا الرُّوحُ، وَمَنْزِلَةُ الرُّوحِ مِنَ الْبَدَنِ مَنْزِلَةُ الْقُوَّةِ، وَأَيْضًا: الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ
— 426 —
الْأَرْوَاحَ/ فِي حَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَأَيْضًا ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ، وَهَذَا يُنَاقِضُ كَوْنَهَا فِي حَوَاصِلِ الطَّيْرِ.
وَالْجَوَابُ: أَمَّا الطَّعْنُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْجِسْمِ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الطَّعْنُ الثَّانِي: فَهُوَ مَدْفُوعٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْكِنَايَاتُ عَنْ حُصُولِ الرَّاحَاتِ وَالْمَسَرَّاتِ وَزَوَالِ الْمَخَافَاتِ وَالْآفَاتِ، فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنَ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ فِي هذه الآية هو أن المراد أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي الْحَالِ، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الْحَيَاةَ لِلرُّوحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلْبَدَنِ، وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْبِنْيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَجْزَاءَ هَذِهِ الْبِنْيَةِ فِي الذَّوَبَانِ وَالِانْحِلَالِ، وَالتَّبَدُّلِ، وَالْإِنْسَانُ الْمَخْصُوصُ شَيْءٌ بَاقٍ مِنْ أَوَّلِ عُمُرِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَالْبَاقِي مُغَايِرٌ لِلْمُتَبَدِّلِ، وَالَّذِي يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ: أَنَّهُ تَارَةً يَصِيرُ سَمِينًا وَأُخْرَى هَزِيلًا، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ صَغِيرَ الْجُثَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَكْبُرُ وَيَنْمُو، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ أَوَّلِ عُمُرِهِ إِلَى آخِرِهِ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ عَالِمًا بِنَفْسِهِ حَالَ مَا يَكُونُ غَافِلًا عَنْ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَأَجْزَائِهِ، وَالْمَعْلُومُ مُغَايِرٌ لِمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ شَيْءٌ مُغَايِرٌ لِهَذَا الْبَدَنِ الْمَحْسُوسِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا مَخْصُوصًا سَارِيًا فِي هَذِهِ الْجُثَّةِ سَرَيَانَ النَّارِ فِي الْفَحْمِ وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ، وَمَاءِ الْوَرْدِ فِي الْوَرْدِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا حَالٍّ فِي الْجِسْمِ، وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْبَدَنُ انْفَصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَيًّا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ أَمَاتَهُ اللَّهُ إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى يُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَزُولُ الشُّبُهَاتُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ ثَوَابِ الْقَبْرِ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نُوحٍ: ٢٥] فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ دَالٌّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَالَّذِي يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ الْقُرْآنُ والحديث والعقل. أما القرآن فآيات: إحداها: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الْفَجْرِ: ٢٧- ٣٠] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ:
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ الْمَوْتُ. ثُمَّ قَالَ: فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَفَاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُصُولَ هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَقِيبَ الْمَوْتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَثَانِيهَا: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الْأَنْعَامِ: ٦١] وَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِ الْبَدَنِ.
ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الْأَنْعَامِ: ٦٢] فَقَوْلُهُ: رُدُّوا ضَمِيرٌ عَنْهُ. وَإِنَّمَا هُوَ بِحَيَاتِهِ وَذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِ الْبَدَنِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ/ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الْوَاقِعَةِ: ٨٨، ٨٩] وَفَاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّوْحَ وَالرَّيْحَانَ وَالْجَنَّةَ حَاصِلٌ عَقِيبَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ
فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ»
وَالْفَاءُ فَاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَةَ كُلِّ أَحَدٍ حَاصِلَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى فَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَيْضًا
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ»
وَأَيْضًا
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ يُنَادِي الْمَقْتُولِينَ وَيَقُولُ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ أَمْوَاتٌ، فَكَيْفَ تُنَادِيهِمْ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّهُمْ أَسْمَعُ مِنْكُمْ»
أَوْ لَفْظًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَأَيْضًا
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا يَمُوتُونَ وَلَكِنْ يُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ»
وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّفُوسَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الْجَسَدِ.
— 427 —
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّ وَقْتَ النَّوْمِ يُضْعِفُ الْبَدَنَ، وَضَعْفُهُ لَا يَقْتَضِي ضَعْفَ النَّفْسِ، بَلِ النَّفْسُ تَقْوَى وَقْتَ النَّوْمِ فَتُشَاهِدُ الْأَحْوَالَ وَتَطَّلِعُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ، فَإِذَا كَانَ ضَعْفُ الْبَدَنِ لَا يُوجِبُ ضَعْفَ النَّفْسِ، فَهَذَا يُقَوِّي الظَّنَّ فِي أَنَّ مَوْتَ الْبَدَنِ لَا يَسْتَعْقِبُ مَوْتَ النَّفْسِ. الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْكَارِ سَبَبٌ لِجَفَافِ الدِّمَاغِ، وَجَفَافُهُ يُؤَدِّي إِلَى الْمَوْتِ، وَهَذِهِ الْأَفْكَارُ سَبَبٌ لِاسْتِكْمَالِ النَّفْسِ بِالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ غَايَةُ كَمَالِ النَّفْسِ، فَمَا هُوَ سَبَبٌ فِي كَمَالِ النَّفْسِ فَهُوَ سَبَبٌ لِنُقْصَانِ الْبَدَنِ، وَهَذَا يُقَوِّي الظَّنَّ فِي أَنَّ النَّفْسَ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ الْبَدَنِ. الثَّالِثُ: أَنَّ أَحْوَالَ النَّفْسِ عَلَى ضِدِّ أَحْوَالِ الْبَدَنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ إِنَّمَا تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ بِالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: ٢٨]
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»
وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ لَيْسَ إِلَّا عِبَارَةً عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالِاسْتِنَارَةِ بِأَنْوَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ وَأَيْضًا، فَإِنَّا نَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِبْشَارُ بِخِدْمَةِ سُلْطَانٍ، أَوْ بِالْفَوْزِ بِمَنْصِبٍ، أَوْ بِالْوُصُولِ إِلَى مَعْشُوقِهِ، قَدْ يَنْسَى الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، بَلْ يَصِيرُ بِحَيْثُ لَوْ دُعِيَ إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَوَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً مِنْهُ، وَالْعَارِفُونَ الْمُتَوَغِّلُونَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ يَجِدُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا لَاحَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَارِ، وَانْكَشَفَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ، لَمْ يَحُسُّوا الْبَتَّةَ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالسَّعَادَةُ النَّفْسَانِيَّةُ كَالْمُضَادَّةِ لِلسَّعَادَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّفْسَ مُسْتَقِلَّةٌ بِذَاتِهَا وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْبَدَنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا تَمُوتَ النَّفْسُ بِمَوْتِ الْبَدَنِ، وَلْتَكُنْ هَذِهِ الْإِقْنَاعِيَّاتُ كَافِيَةً فِي هَذَا الْمُقَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ زَالَتِ الْإِشْكَالَاتُ وَالشُّبُهَاتُ عَنْ كُلِّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ثَوَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فَنَقُولُ: قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ أَحْيَاءٌ/ وَهِيَ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَيَقُولُ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَجَسَدُهُ فِي خِدْمَتِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ: أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَفْظُ «عند»
فكما أنه مذكور هاهنا فَكَذَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ مَذْكُورٌ وَهُوَ قَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٩] فَإِذَا فَهِمْتَ السَّعَادَةَ الْحَاصِلَةَ لِلْمَلَائِكَةِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَهِمْتَ السَّعَادَةَ الْحَاصِلَةَ لِلشُّهَدَاءِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ تَفْتَحُ عَلَى الْعَقْلِ أَبْوَابَ مَعَارِفِ الْآخِرَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ هَذِهِ الْحَيَاةَ لِلْأَجْسَادِ، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السموات وَإِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَيُوصِلُ أَنْوَاعَ السَّعَادَةِ وَالْكَرَامَاتِ إِلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتْرُكُهَا فِي الْأَرْضِ وَيُحْيِيهَا وَيُوصِلُ هَذِهِ السَّعَادَاتِ إِلَيْهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّا نَرَى أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ قَدْ تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهَا حَالَ كَوْنِهَا فِي بُطُونِ هَذِهِ السِّبَاعِ وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا، أَوْ يُقَالُ: إِنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ يُرَكِّبُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤَلِّفُهَا وَيَرُدُّ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا وَيُوصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ، وَلِأَنَّا قَدْ نَرَى الْمَيِّتَ الْمَقْتُولَ بَاقِيًا أَيَّامًا إِلَى أَنْ تَنْفَسِخَ أَعْضَاؤُهُ وَيَنْفَصِلَ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ، فَإِنْ جَوَّزْنَا كَوْنَهَا حَيَّةً مُتَنَعِّمَةً عَاقِلَةً عَارِفَةً لَزِمَ الْقَوْلُ بِالسَّفْسَطَةِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ نَقُولَ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهَا أَحْيَاءً حُصُولَ الْحَيَاةِ فِيهِمْ، بَلِ الْمُرَادُ بَعْضُ الْمَجَازَاتِ وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْأَصَمُّ الْبَلْخِيُّ: إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْمَنْزِلَةِ فِي الدِّينِ،
— 428 —
وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَهْجَةَ وَالسَّعَادَةَ وَالْكَرَامَةَ، صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ حَيٌّ وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ، كَمَا يُقَالُ فِي الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نفسه ولا ينتقع بِهِ أَحَدٌ إِنَّهُ مَيِّتٌ وَلَيْسَ بِحَيٍّ، وَكَمَا يُقَالُ لِلْبَلِيدِ، إِنَّهُ حِمَارٌ، وَلِلْمُؤْذِي إِنَّهُ سَبُعٌ، وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لَمَّا رَأَى الزُّهْرِيَّ وَعَلِمَ فِقْهَهُ وَتَحْقِيقَهُ قَالَ لَهُ: مَا مَاتَ مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ وَخَلَّفَ ثَنَاءً جَمِيلًا وَذِكْرًا حَسَنًا، فَإِنَّهُ يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ إِنَّهُ مَا مَاتَ بَلْ هُوَ حَيٌّ. الثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ مَجَازُ هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ بَاقِيَةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَأَنَّهَا لَا تَبْلَى تَحْتَ الْأَرْضِ الْبَتَّةَ.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، أَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيُخْرِجْهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابَ الْأَبْدَانِ، فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَقَطَرَتْ دَمًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِمْ أَحْيَاءً أَنَّهُمْ لَا يُغَسَّلُونَ كَمَا تُغَسَّلُ الْأَمْوَاتُ، فَهَذَا/ مَجْمُوعُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ الْمَخْلُوقَاتِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : وَلا تَحْسَبَنَّ الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ وَقُرِئَ بِالْيَاءِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: وَلَا يَحْسَبَنَّ رَسُولُ اللَّهِ. وَالثَّانِي: وَلَا يَحْسَبَنَّ حَاسِبٌ، وَالثَّالِثُ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أَنْفُسَهُمْ أَمْوَاتًا قَالَ: وَقُرِئَ تَحْسَبَنَّ بِفَتْحِ السِّينِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ قُتِّلُوا بِالتَّشْدِيدِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: بَلْ أَحْياءٌ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: التَّقْدِيرُ: بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ، قَالَ صَاحِبُ «الكشاف» :
قرئ أحياء بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء. وَأَقُولُ: إِنَّ الزَّجَّاجَ قَالَ: وَلَوْ قُرِئَ أَحْيَاءً بالنصب لجاز على معنى بل أحسبهم أحياء، وَطَعَنَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِيهِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالشَّكِّ وَالْأَمْرُ بِالشَّكِّ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحُسْبَانِ بِالْعِلْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلِلزَّجَّاجِ أَنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: الْحُسْبَانُ ظَنٌّ لَا شَكٌّ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالظَّنِّ، أَلَيْسَ أَنَّ تَكْلِيفَهُ فِي جَمِيعِ الْمُجْتَهَدَاتِ لَيْسَ إِلَّا بِالظَّنِّ.
وَأَقُولُ: هَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ مِنَ الزَّجَّاجِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ما قرئ أحياء بِالنَّصْبِ بَلِ الزَّجَّاجُ كَانَ يَدَّعِي أَنَّ لَهَا وَجْهًا فِي اللُّغَةِ، وَالْفَارِسِيُّ نَازَعَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا لَهُ وَجْهٌ فِي الْإِعْرَابِ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: عِنْدَ رَبِّهِمْ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ أَحَدٌ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: هُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أَيْ هُمْ أَحْيَاءٌ فِي عِلْمِهِ وَحُكْمِهِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَذَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِخِلَافِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ عِنْدَ مَعْنَاهُ الْقُرْبُ وَالْإِكْرَامُ، كَقَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ [الأنبياء: ١٩] وقوله: الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [الأعراف: ٢٠٦].
أَمَّا قَوْلُهُ: يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ قَالُوا الثَّوَابُ مَنْفَعَةٌ خَالِصَةٌ دَائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: يُرْزَقُونَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَنْفَعَةِ، وَقَوْلُهُ: فَرِحِينَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفَرَحِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْظِيمِ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا أَشْرَقَتْ جَوَاهِرُ الْأَرْوَاحِ الْقُدُسِيَّةِ بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ كَانَتْ مُبْتَهِجَةً مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ذَوَاتُهَا مُنِيرَةً مُشْرِقَةً مُتَلَأْلِئَةً بِتِلْكَ الْجَلَايَا الْقُدُسِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالثَّانِي:
بِكَوْنِهَا نَاظِرَةً إِلَى يَنْبُوعِ النُّورِ وَمَصْدَرِ الرَّحْمَةِ وَالْجَلَالَةِ، قَالُوا: وَابْتِهَاجُهَا بِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي أَتَمُّ مِنِ ابْتِهَاجِهَا بِالْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ: يُرْزَقُونَ إِشَارَةٌ إِلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَقَوْلُهُ: فَرِحِينَ إِشَارَةٌ إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَلِهَذَا قَالَ:
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يَعْنِي أَنَّ فَرَحَهُمْ لَيْسَ بِالرِّزْقِ، بَلْ بِإِيتَاءِ الرِّزْقِ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِالرِّزْقِ مَشْغُولٌ
— 429 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب