سورة الذاريات | الآية ٤٩

عرض السورة
التَّفسير

ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ ﰰ

التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ابن باديس
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الآيات: (٤٧- ٦٠) [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤٧ الى ٦٠]
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ».
الأيد: القوة، والتمكن..
والآية معطوفة على الآية السابقة: «وَقَوْمَ نُوحٍ..» أي وقوم نوح أخذناهم بالعذاب، والسّماء بنيناها بأيد..
— 529 —
ومع ما يبدو من بعد المفارقة فى الظاهر بين أخذ قوم نوح، وبين بناء السماء- فإن هذه المفارقة تبدو موافقة، إذا نظرنا إلى قدرة الله سبحانه وتعالى، وقيومته جلّ شأنه، على كل شىء.. فهو سبحانه، يحيى ويميت، ويغنى، ويقنى، ويرفع ويضع، وهو سبحانه الذي أخذ الظالمين بالهلاك، وهو جلّ شأنه الذي أقام السماء بقدرته..
وفى قوله تعالى: «وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» - إشارة إلى امتداد السماء واتساعها، كما يبدو ذلك لأى ناظر ينظر إليها، حيث لا يبلغ الإنسان لها حدّا، فحيث كان من عالم الأرض، فإن السماء تظلّه على امتداد الآفاق، حوله..
فإذا نظر بعين العلم، أراه العلم أن هذا الوجود فى نماء مستمرّ، وأنه أشبه بالكائن الحىّ فى دور نموّه واكتماله.. وفى حين أن الكائن الحىّ يبلغ حدّا يقف عنده، إلا أن الوجود فى نمو دائم لا يتوقف، ولعل هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» (١: فاطر)..
قوله تعالى:
«وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ»..
معطوف على قوله تعالى: «وَالسَّماءَ بَنَيْناها»..
وقوله تعالى: «فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» - هو ثناء من الله سبحانه وتعالى من ذاته على ذاته، كما فى قوله تعالى: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» (١٤: المؤمنون) وقوله سبحانه: «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١: الملك) وقوله جل شأنه: «تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً» (١: الفرقان)..
— 530 —
وفرش الأرض: بسطها كما يبسط الفراش للنوم، والماهد: الذي يهيىء الشيء ويمهده كما تمهد الأرض للزرع، وكما يمهد الفراش للنوم، ومنه المهد، وهو ما يهيهأ من فراش لنوم الوليد..
والمخصوص بالمدح، دلّ عليه المقام، أي فنعم الماهدون نحن، أي الله سبحانه وتعالى..
قوله تعالى:
«وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»..
هو معطوف على ما قبله، أي وفرشنا الأرض، وخلقنا من كل شىء زوجين..
و «من» هنا للاستغراق.. أي وكلّ شىء خلقناه متزاوجا.. أي أن الشيء الواحد ليس فى حقيقته شيئا واحدا، وإنما هو شيئان اجتمع بعضهما إلى بعض، فكان منهما هذا الشيء.. وهذا دليل على أن الخالق وحده، هو الواحد الذي لا شريك له..
فالخليّة التي هى أصل بناء الكائن الحىّ، تنقسم على نفسها، فى عملية أشبه بعملية التوالد، وبهذا الانقسام ينمو الكائن الحىّ.. فالحلية تنقسم إلى خليتين، وكل خلية منهما تنقسم إلى خليتين.. وهكذا، إلى ما لا يحصى من الخلايا التي يضمها كيان الكائن الحىّ من مولده إلى تمام نموه.. فإذا تم نمو الكائن الحىّ لم تتوقف عملية التوالد، وإنما يقابلها من جهة أخرى عملية الهدم، فى نسب تأخذ فى ازدياد ما يهدم على ما يبنى، كلما تقدم الكائن الحىّ نحو طريق الفناء.. فإذا توقفت عملية البناء، مات الكائن الحىّ..
هذا فى الخلية.. وكذلك الشأن فى النواة، إنها تتكون من فلقين يضمان
— 531 —
بينهما بذرة الحياة، التي لا تأخذ طريقها إلى الحياة إلا إذا وجدت الظروف الملائمة التي تعمل على فلق النواة إلى شقّيها، وإخراج بذرة الحياة منهما..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى» (٩٥: الأنعام)..
والإنسان خلية كبيرة مكونة من أعداد لا تعدّ بحسابنا- من الخلايا، وكما يتم نموه الشخصىّ بالتوالد الذاتي بين خلاياه، يتم نموه الجنسي بالتزاوج بين الذكر والأنثى، وذلك بين خلية من الذكر وخلية من الأنثى عند التقاء الرجل بالمرأة.. وهكذا الحيوان، والنبات.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً» فإذا تجاوزنا عالم الأشياء التي تتوالد بالزواج، وجدنا هذه المزاوجة قائمة فى عالم المعاني، مثل الحق والباطل، والخير والشر، والإيمان والكفر، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء.
وهكذا المزاوجة فى كل شىء، حيث لا يوجد شىء إلا وله ما يقابله.. وذلك مما يشهد لله سبحانه وتعالى بالوحدانية والتفرد، فهو الواحد الأحد، الفرد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد..
قوله تعالى:
«فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»..
الفرار إلى الله: الالتجاء إليه، والاحتماء به، والاستظلال بظله..
وفى الدعوة بالفرار إلى الله، إشارة إلى أن هناك خطرا يتهدد الإنسان، إذا هو خرج عن أمر ربه، وحاد عن الصراط المستقيم.. إنه حينئذ يقع تحت
— 532 —
يد الشيطان، الذي يفترسه، كما يفترس الذئب ضالّة الغنم..
وقوله تعالى: «إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» هو بيان من الرسول- صلوات الله وسلامه عليه، يدعو الناس إلى الله، وأن يعجلوا بالفرار إليه، وتلك الدعوة ليست من عنده، وإنما هو رسول الله بها إليهم.. إنه نذير مبين من الله إليهم، يبيّن لهم بما معه من كلمات ربه، طريق الهدى، وينذرهم من عذاب الله إذا هم خرجوا عن هذا الطريق، وركبوا طريق الضلال..
قوله تعالى:
«وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»..
ومن مقتضى الفرار إلى الله، الإيمان به، والإقرار بوحدانيته، واطراح كل معبود سواه..
وجاء النهى هنا عن الشرك بالله، وعن اتخاذ إله آخر معه، تأكيدا لما تضمنه الأمر بالإيمان بالله الذي هو حبل النجاة، فإذا أمسك به الإنسان كان فى الناجين، على أي وجه كان عمله بعد ذلك..
وفى قوله تعالى: «إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» - تأكيد لهذه الدعوة التي يدعو الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- الناس إليها، وهى الإيمان بالله وحده..
وفى إعادة فاصلة الآية: «إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» - إعجاز من إعجاز القرآن، حيث يجعل من الآيتين- الآمرة والناهية آية واحدة، الأمر الذي يدعو إلى الجمع بينهما، والأخذ بهما جميعا، وأن الأخذ بواحدة منهما لا يغنى عن الأخذ بالأخرى.. وكأن نظم الآيتين هكذا..
«فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ.. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»
— 533 —
ولكن شتان بين هذا النظم، وبين ما جاء عليه النظم القرآنى المعجز..
ففى النظم القرآنى، يقوم على الأمر نذير مبين، وعلى رأس النهى يقوم هذا النذير المبين أيضا.. إن هذه دعوته، وتلك دعوته وهو بهذا يأمر، وبذلك ينهى..
فإذا أخذ المأمور بما أمر به، وانتهى المنهىّ بما نهى عنه- كانت نجاته، وكانت سلامته، وكان فوزه.. أما إذا أخذ بواحدة دون الأخرى، فهيهات أن يسلم ويبلغ مأمنه..
فقد يفر المرء إلى الله، ومعه إله أو آلهة أخرى يحملها فى كيانه، ويحتفظ لها بمكانها من قلبه..
وقد لا يجعل الإنسان مع الله إلها آخر، ولكن قد يكون ذلك كمجرد فكرة حبيسة فى عقله، أو نظرية فلسفية تقيم بناء منطقه الفلسفي.. ثم لا يكون لهذه الفكرة أو تلك النظرية منطلق نزوعىّ أو سلوكى، يرد به موارد الهدى، ويسلك به مسالك الخير..
والفرار إلى الله يجعل من الإيمان به حركة دائبة إلى العمل الطيب القائم فى ظلّ هذا الإيمان..
واستصحاب الإيمان بالله، إيمانا خالصا من الشرك فى حال الفرار إليه، يجعل هذا الفرار محمود العاقبة، بالغا بصاحبه مأمنه..
قوله تعالى:
«كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ»..
هو بيان لحال هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر، إنهم
— 534 —
لا يستجيبون لهذا النذير المبين، الذي يدعوهم إلى الإيمان الخالص من الشرك بالله، وينذرهم عاقبة هذا الضلال الذي هم فيه، وهم يأبون إلا التكذيب به، والبهت له، والسفاهة والتطاول عليه.. فيقولون فيما يقولون عن هذا النذير:
ساحر أو مجنون..
وإن حالهم تلك شبيهة بحال أهل الضلال والشرك من قبلهم، الذين لم يأتهم رسول من رسل الله يدعوهم إلى الإيمان بالله، إلّا تلقوه بهذه المقولة الآثمة: «ساحر أو مجنون».. وقد قالها من قبل فرعون، إذ جاءه موسى بآيات من الله وسلطان مبين: «فتولى بركنه وقال: ساحر أو مجنون»..
وفى هذا عزاء للنبى، ووعيد المشركين بأن يلقوا المصير الذي لقيه المكذبون برسل الله من قبلهم.
قوله تعالى:
«أَتَواصَوْا بِهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ»..
هو استفهام إنكارى يكشف عن هذه الطبيعة المنكرة المندسّة فى أهل الضلال.. ولكأنّ هذا الضلال داء خبيث معد، يرثه الأبناء عن الآباء، جيلا بعد جيل.. أو لكأنه عند أهله عمل مبرور، يتواصون به فيما بينهم، ويتركونه ميراثا لأبنائهم من بعدهم..
وقوله تعالى: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ» - إضراب على هذا الاستفهام، فإنه لم تكن هناك دعوة قائمة بالتواصى بين هؤلاء الضالين، السابقين منهم واللاحقين، ولكنها النفوس النكدة، والطباع اللئيمة، تفرز من ذاتها هذا الضلال الذي يغرقها، ويغرق من يأخذ طريقه معها..
— 535 —
قوله تعالى:
«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ»..
هو أمر للنبىّ الكريم بأن يعرض عن هؤلاء الأشقياء، وبدعهم للمصير المشئوم الذي هم صائرون إليه، مع ضلالهم وكفرهم.. وإنه ليس على النبي لوم فيما سيلقاهم من بلاء ونكال، بعد أن بلّغهم رسالة ربهم هذا البلاغ المبين الذي احتمل فى سبيله ما احتمل من سفه السفهاء، وجهل الجاهلين..
قوله تعالى:
«وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».
هو معطوف على قوله تعالى: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ» أي فتولّ عن هؤلاء المعاندين الضالين، ولا ترهق نفسك بالجري وراءهم، ولكن ذلك لا يمنعك من أن تقوم على دعوتك، وأن تؤذّن بها فى الناس.. فذلك هو شأنك، ودأبك، وهو أسلوب رسالتك التي تدعو إليها.. «إِنَّها تَذْكِرَةٌ.. فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» (٥٥: المدثر).. «فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» (٢١، ٢٢ الغاشية).. «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» (٢٧، ٢٨ التكوير) فعرض الدعوة على الناس، وكشف معالم الهدى لهم، بما يتلى عليهم من آيات الله.. وإن لم يلتفت إليه كثير منهم، ولم يأخذوا طريقهم إليه أمر مطلوب من النبي، فإن كثيرا من الناس ينتفعون به، ويقيمون وجوههم عليه، كما أن المؤمنين الذين آمنوا بالله، واستجابوا لدعوة الحق، يزيدهم هذا التذكير إيمانا، ويقع من قلوبهم موقع النفع، فيقوّى يقينهم، ويثبت أقدامهم على طريق الحق..
— 536 —
قوله تعالى:
«وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».
هو دعوة للناس إلى أن يستجيبوا لما يدعوهم الرسول إليه، وأن يقوموا على الأمر الذي خلقهم الله سبحانه وتعالى له، وهو عبادته.. فما خلق الإنسان إلا ليكون عبد الله، عابدا له، مظهرا بعبوديته وعبادته جلال المعبود، وعظمته، وسلطانه..
وليس الجنّ والإنس وحدهما، هما اللذان خلقا لعبادة الله، بل إن كل مخلوق، وكل موجود، خلق لهذه الغاية، حيث تتجلّى فى المخلوقات جميعها ألوهة الإله، وقدرته، وعظمته.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» (٩٣: مريم) ويقول جل شأنه: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» (١٥: الرعد).. ويقول سبحانه: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (٤٤: الإسراء)..
فالكافر الذي لا يؤمن بالله، ولا يسبح بحمده، هو مؤمن بالله كرها ومسبّح بحمده قسرا.. فكل ذرة فيه، وكل جارحة من جوارحه، تسبح بحمد الله، وتؤدى وظيفتها على الوجه الذي أقامها الله سبحانه وتعالى فيه.. فالخلايا التي يبنى منها الكيان الجسدى للإنسان تسبّح بحمد ربها فى عملها الذي تؤديه بناء أو هدما فى الكيان الإنسانى، والقلب بخفقاته، والدم بجريانه فى العروق، والعروق بحملها للدم، وتغذيتها الجسم به، والعين فى نقلها المرئيات، والأذن بتلقيها للمسموعات.. وهكذا كل ما فى الإنسان- ظاهرا أو باطنا- يسبح بحمد الله.. وكذلك الشأن فى كل موجودات
— 537 —
الوجود، ما نعلم منها وما لا نعلم، تسبح بحمد الله، وتقوم بما خلقها الله له..
وفى اختصاص الجن والإنس من بين المخلوقات، بالذكر، إشارة إلى أنهما هما المخلوقان اللذان لهما إرادة عاملة، وهما بهذه الإرادة يعملان، فيؤمنان أو يكفران، ويطيعان أو يعصيان، ومن هنا وقع عليها التكليف، وحقّ عليهما الحساب والجزاء، بمقتضى ما يعملان من خير أو شر..
وقد تكون هناك مخلوقات أخرى لها إرادة، وعليها تكليف وحساب وجزاء، ولكن الذي يقع فى محيط الإدراك الإنسانى، هو ما يعلمه الإنسان من نفسه، وما بلغه من رسالات الرسل، كما كان علمه بالجنّ، وأنهم مكلفون، ومنهم المؤمنون، ومنهم القاسطون.. كما أخبر بذلك رسل الله..
قوله تعالى:
«ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ»..
أي أن الله سبحانه وتعالى غنىّ عن عبادة عباده، وعن إيمان المؤمنين به.. فما يريده سبحانه وتعالى من عبادة العابدين ومن إيمان المؤمنين، هو لذات أنفسهم! وللخير الذي يحصّلونه من العبادة والإيمان، وللجزاء الحسن الذي ينالونه بطاعتهم لله، وولائهم له.. فليست هذه العبادة، وهذا الولاء مما ينتفع الله سبحانه وتعالى بشىء منه. إن الله غنى عن العالمين:
«إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ» (٧: الزمر).
— 538 —
قوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»..
فالله هو الرزاق الذي يفيض رزقه على عباده، ويمنحهم من فضله ما يمسك عليهم وجودهم، ويقيم حياتهم، وهو سبحانه، ذو القوة القادرة المقتدرة، بيده مقاليد السموات والأرض.. وإذ كان هذا شأنه سبحانه، فإن أعمال خلقه من خير أو شرّ لا تجلب له خيرا أو ضرّا.. إنه سبحانه فوق المؤثرات، خيرها وشرّها، لأن التأثر عارض يعرض للمخلوقات التي تقبل بطبيعتها الزيادة والنقص.. والله سبحانه، الكامل الكمال المطلق، الذي لا يقبل زيادة أو نقصا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا..
قوله تعالى:
«فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ»..
هو وعيد للذين لم يستجيبوا لله، ولم يؤمنوا به، فأوقعوا بأنفسهم ظلما فادحا، يتجرعون منه كؤوس البلاء والعذاب..
والذّنوب: الدلو، أو السّجل، يملا ماء، والمراد به هنا ذنوب مملوء عذابا لهؤلاء الظالمين، مثل ما يملأ لأصحابهم الذين سبقوهم من أهل الضلال، وذلك على عادة العرب فى الاستقاء من الآبار، حيث يتساجلون، فيملأ هذا دلوا، والآخر دلوا..
وقوله تعالى: «فَلا يَسْتَعْجِلُونِ» تهديد ووعيد لهم، بأن هذا الذي يستعجلونه من العذاب، استخفافا به وتكذيبا له، هو واقع بهم، ويؤمئذ لا يجدون وليّا ولا نصيرا..
— 539 —
قوله تعالى:
«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ»..
أي هلاك وبلاء واقع بهؤلاء الظالمين الذين كفروا، وذلك فى اليوم الموعود، الذي أنذروا به، وإنهم لملاقوه، وملاقو العذاب الأليم فيه..
وقوله تعالى: «مِنْ يَوْمِهِمُ» متعلق بقوله تعالى: «فَوَيْلٌ» - أي أن هذا الويل، سيرد عليهم من يومهم الموعود هذا، فهو يوم كله ويل، لا يجيئهم منهم إلا ما يسوؤهم ويلبسهم ثيابا من نار جهنم..
— 540 —
٥٢- سورة الطور
نزولها: مكية..
عدد آياتها: تسع وأربعون.. آية عدد كلماتها: ثلاثمائة واثنتا عشرة كلمة..
عدد حروفها: ألف وخمسمائة حرف..
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة الذاريات التي سبقت هذه السورة بقوله تعالى: «فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ».. وفى هذا تهديد ووعيد لأهل الكفر والضلال، بالعذاب الذي أنذروا به، والذي ينتظرهم يوم القيامة..
وقد بدئت سورة «الطور» هذه، بهذه الأقسام، التي أقسم سبحانه وتعالى بها، وأوقعها على وقوع العذاب بأهل الكفر والضلال يوم القيامة، وأنه واقع لا شك فيه.. «إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ»..
فالسورتان تتلاقيان ختاما وبدءا، حتى لكأنهما سورة واحدة..
وإن الذي ينظمهما فى التلاوة، دون أن يفصل بينهما بالبسملة، ليجد هذا الترابط الوثيق بينهما، فلا يشعر بأن سورة قد انتهت وأخرى قد بدأت..
وهذا- فى رأينا- دلالة قاطعة على أن ترتيب السور فى المصحف الكريم، هو توفيقىّ من عند الله، وبعمل الرسول، تماما كترتيب الآيات فى سورها،
— 541 —

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

عرض الكتاب