سورة النساء | الآية ١

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
التفسير قال تعالى:

[سورة النساء (٤) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
افتتحت السورة الكريمة بهذا النداء الشامل لجميع المكلفين من وقت نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون قبيل، ولا بقوم دون قوم، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق ولأن ما في مضمون هذا النداء من إنذار وتبشير وأمر بمراقبة الله وخشيته، يتناول جميع المكلفين لا أهل مكة وحدهم كما ذكره بعضهم لأن تخصيص قوله- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ بأهل مكة تخصيص بغير مخصص.
والمراد بالنفس الواحدة هنا: آدم- عليه السلام-. وقد جاء الوصف وهو واحدة بالتأنيث باعتبار لفظ النفس فإنها مؤنثة.
ومن في قوله مِنْها للتبعيض. والضمير المؤنث «ها» يعود إلى النفس الواحدة.
والمراد بقوله- تعالى-: زَوْجَها حواء فإنها أخرجت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله- تعالى- مِنْها.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: «المراد من هذا الزوج هو حواء. وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان:
الأول: وهو الذي عليه الأكثرون: أنه لما خلق الله- تعالى- آدم ألقى عليه النوم؟ ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من
— 19 —
جزء من أجزائه. واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها».
والقول الثاني: وهو اختيار أبى مسلم الأصفهاني: أن المراد من قوله وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها أى من جنسها. وهو كقوله- تعالى- وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً.
وكقوله إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وقوله لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
قال القاضي: والقول الأول أقوى، لكي يصح قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة «١».
وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين:
أولهما: وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له. فهو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجد أبيضهم وأسودهم، وعربيهم وأعجميهم.
وثانيهما: وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم- عليه السلام-.
فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم. وأن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس على جنس، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
والمعنى: يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم، وذلك من أظهر الأدلة على كمال قدرته- سبحانه، ومن أقوى الدواعي إلى اتقاء موجبات نقمته، ومن أشد المقتضيات التي تحملكم على التعاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم- سبحانه- من نفس واحدة.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «فإن قلت: الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها؟
قلت: لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء،
(١) تفسير الفخر الرازي ج ٩ ص ١٦١ طبعة عبد الرحمن محمد- الطبعة الأولى سنة ١٣٥٧ هـ سنة ١٩٣٨ م.
— 20 —
ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل: اتقوا ربكم الذي وصل بينكم حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه، وهذا المعنى مطابق لمعانى السورة» «١».
وقوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها معطوف على قوله خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ. أو معطوف على محذوف والتقدير: خلقكم من نفس واحدة ابتدأها وخلق منها زوجها.
ثم بين- سبحانه- ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً.
والبث معناه: النشر والتفريق. يقال: بث الخيل في الغارة، أى فرقها ونشرها. ويقال:
بثثت البسط إذا نشرتها. قال- تعالى- وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ أى منشورة.
والمعنى: ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد والتناسل، رجالا كثيرا ونساء كثيرة.
والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها، قد تكاثروا وانتشروا في أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم. وقوله كَثِيراً صفة لقوله رِجالًا وهو صفة مؤكدة لما أفاده التنكير من معنى الكثرة. وجاء الوصف بصيغة الإفراد، لأن كَثِيراً وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى عن وصف النساء بالكثرة، اكتفاء بوصف الرجال بذلك، ولأن الفعل بَثَّ يقتضى الكثرة والانتشار.
وقال الفخر الرازي: خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء، لأن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز. واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول» «٢».
وقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة في النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره. وقوله تَسائَلُونَ أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وهي قراءة عاصم وحمزة الكسائي.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٦٣.
(٢) تفسير الفخر الرازي ج ٩ ص ١٦٢.
— 21 —
وقرأ الباقون «تساءلون» بالتشديد بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس.
والأرحام: جمع رحم وهي القرابة. مشتقة من الرحمة، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على بعض.
وكلمة الْأَرْحامَ قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله تعالى.
والمعنى واتقوا الله الذي يسأل بعضكم بعضا به، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف:
أسألك بالله أن تفعل كذا، أو أن تترك كذا. واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإحسان، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبتعد عنه، وإنما الذي يجب أن يفعل هو صلتها وبرها.
وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور في (به). أى: اتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك بالله وبالرحم أن تفعل كذا.
وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام بالله تعالى- في المناشدة والسؤال فيقولون:
اسألك بالله وبالرحم.
ولم يرتض كثير من النحويين هذه القراءة من حمزة، وقالوا: إنها تخالف القواعد النحوية التي تقول: إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح، لأن الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه. إلى غير ذلك مما قالوه في تضعيف هذه القراءة. وقد دافع كثير من المفسرين عن هذه القراءة التي قرأها حمزة. وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه.
ومما قاله القرطبي في دفاعه عن صحة هذه القراءة: ومثل هذا الكلام- أى من النحويين- مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به.
وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي ﷺ ولا يشك أحد في فصاحته.
ثم قال: والكوفي يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه، ومنه قولهم:
فاذهب فما بك والأيام من عجب «١»
(١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣ وما بعدها- بتصرف وتلخيص. [.....]
— 22 —
ومما قاله الفخر الرازي في ذلك: واعلم أن هذه الوجوه- أى التي احتج بها النحويون في تضعيف قراءة حمزة- ليست وجوها قوية في رفع الروايات الواردة في اللغات وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، ولم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت.
وأيضا فلهذه القراءة وجهان:
أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار. كأنه قيل: تساءلون به وبالأرحام.
وثانيهما: أنه ورد ذلك في الشعر ومنه:
نعلق في مثل السواري سيوفناوما بينها والكعب غوط نفانف
ثم قال: والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل هذه الأبيات المجهولة، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن» «١».
هذا، وهناك قراءة بالرفع. قال الآلوسى: وقرأ ابن زيد وَالْأَرْحامَ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر. أى والأرحام كذلك أى مما يتقى لقرينة اتَّقُوا. أو مما يتساءل به لقرينة تَسائَلُونَ «٢».
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يحمل العقلاء على المبالغة في تقوى الله، وفي صلة الرحم فقال- تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. أى حافظا يحصى عليكم كل شيء. من رقبه إذا حفظه.
أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم، ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف منه الرقيب ليطلع على ما دونه.
وقد أكد- سبحانه- رقابته على خلقه، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق المؤكدات. فقد أكد- سبحانه- الجملة الكريمة بإن، وبتكرار لفظ الجلالة الذي يبعث في النفوس كل معاني الخشية والعبودية له، وبالتعبير بكان الدالة على الدوام والاستمرار، وبذكر الفوقية التي يدل عليها لفظ عَلَيْكُمْ إذ هو يفيد معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وبالإتيان بصيغة المبالغة وهي قوله: رَقِيباً أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم وأعمالكم فهو يراها ويعلمها
(١) تفسير الفخر الرازي ج ٩ ص ١٦٣- بتصرف وتلخيص.
(٢) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ١٨٥.
— 23 —
وسيحاسبكم عليها يوم القيامة.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب مراقبته- سبحانه- وخشيته وإخلاص العبادة له، لأنه هو الذي أوجدهم من نفس واحدة، وهو الذي أوجد من هذه النفس الموحدة زوجها، وهو الذي أوجد منها عن طريق التناسل الذكور والإناث الذين يملؤون أقطار الأرض على اختلاف صفاتهم وألوانهم ولغاتهم، وهو الذي لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، بل هو مطلع عليهم وسيحاسبهم على أعمالهم يوم الدين، ومن كان كذلك فمن حقه أن يتقى ويخشى ويطاع ولا يعصى.
كما أخذوا منها جواز المسألة بالله- تعالى- لأنه- سبحانه- قد أقرهم على هذا التساؤل لكونهم يعتقدون عظمته وقدرته.
وقد ورد في هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه. ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئون به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه».
نعم من أداه التساؤل باسمه- تعالى- إلى التساهل في شأنه، وجعله عرضة لعدم إجلاله، فإنه يكون محظورا قطعا. وعليه يحمل ما ورد من أحاديث تصرح بلعن من سأل بوجه الله.
ومنها ما رواه الطبراني عن أبى موسى الأشعرى مرفوعا: ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا. أى ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق.
كما أخذوا منها أيضا وجوب صلة الرحم، فقد جعل- سبحانه- الإحسان طلى الآباء وإلى الأقارب في المنزلتين الثانية والثالثة بعد الأمر بعبادته فقال: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ «١».
ومن الأحاديث التي وردت في وجوب صلة الرحم ما رواه البخاري عن أبى هريرة قال:
«سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله، فليصل رحمه.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي ﷺ قال: الرحم معلقة بالعرش. تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله.
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: ليس الواصل بالمكافئ.
(١) سورة النساء الآية ٣٦.
— 24 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب