قال قتادة بن دعامة: ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ خُوَيلَة بنت ثَعْلَبة١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾ يعني: تكلّمك ﴿فِي زَوْجِها﴾١
٣
قال المقاتلان مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيّان: خَوْلَة بنت ثَعْلَبة بن مالك بن حرام الخَزْرَجيّة، مِن بني عمرو بن عوف١٢
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وتَشْتَكِي﴾ يعني: وتَضرع ﴿إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ يعني: خَوْلة امرأة أوْس بن الصّامت، والنبي ﷺ، ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ تَحاوُركما ﴿بَصِيرٌ﴾١
٥
عن أبي يزيد، قال: لَقِيَتِ امرأةٌ عمرَ بن الخطاب -يُقال لها: خَوْلة- وهو يسير مع الناس، فاستَوقفتْه، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على مَنكِبيها حتى قَضتْ حاجتها، وانصَرفتْ، فقال له رجلٌ: يا أمير المؤمنين، حَبَسْتَ رجالاتِ قريشٍ على هذه العجوز! قال: ويحكَ، وتدري مَن هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأةٌ سمع الله شكواها مِن فوق سبع سموات، هذه خَوْلَة بنت ثَعْلَبة، واللهِ، لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفتُ حتى تقضي حاجتها١
٦
عن عائشة -من طريق تميم بن سلمة، عن عُروة- قالت: تبارك الذي وسِع سمعُه كلَّ شيء، إني لأسمع كلام خَوْلَة بنت ثَعْلَبة، ويخفى عَلَيَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجَها إلى رسول الله ﷺ، وهي تقول: يا رسول الله، أكَل شبابي، ونَثَرْتُ له بطني، حتى إذا كَبِرَت سِنّي، وانقطع ولدي، ظاهَر منِّي، اللهم، إني أشكو إليك. فما بَرِحَتْ حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ وهو أوْس بن الصّامت١
٧
قال عبد الله بن عباس: ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ هي خَوْلَة بنت خُوَيلد الخزرجية١
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾: خَوْلَة بنت الصّامت١
٩
عن أبي العالية الرِّياحيّ: ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ خَوْلَة بنت الدُلَيج١
١٠
عن عُروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة- أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبتَ إليّ تسألني عن خُوَيلَة ابنة أوْس بن الصّامت، وإنها ليستْ بابنة أوْس بن الصّامت، ولكنها امرأة أوْس، وكان أوْس امرأً به لَمَمٌ، وكان إذا اشتدّ به لَمَمُه تظاهَر منها، وإذا ذهب عنه لَمَمه لم يقل مِن ذلك شيئًا، فجاءت رسولُ الله ﷺ تَستَفتيه، وتشتكي إلى الله، فأَنزل الله فيها ما سمعتَ، وذلك شأنهما١
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله عز وجل: ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾، قال: تجادل محمدًا ﷺ، فهي تشتكي إلى الله عند كِبَره وكِبَرها حتى انتفض وانتفض رَحِمها١
١٢
عن عامر الشعبي -من طريق زكريا- قال: المرأة التي جادلتْ في زوجها: خَوْلَة بنت الصّامت١، وأُمّها معاذة التي أنزل الله فيها: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلى البِغاءِ﴾ [النور:٣٣]، وكانت أمَةً لعبد الله بن أُبيّ٢
نزول الآيات
٢١ قولًا
١
عن عطاء بن يَسار -من طريق محمد بن أبي حَرملة-: أنّ أوْس بن الصّامت ظاهَر مِن امرأته خَوْلَة بنت ثَعْلَبة، فجاءتْ إلى رسول الله ﷺ، فأَخبرتْه، وكان أوْس به لَمَمٌ، فنزل القرآن: ﴿والَّذِينَ يُظاهَرونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾. فقال لامرأته: «مُريه، فَليُعْتِق رقبة». فقالت: يا رسول الله، والذي أعطاك ما أعطاك، ما جئتُ إلا رحمة له، إنّ له فِيَّ منافع، واللهِ، ما عنده رقبة، ولا يَملِكها. قالت: فنزل القرآن، وهي عنده في البيت. قال: «مُريه، فليَصُم شهرين متتابعين». فقالت: والذي أعطاك ما أعطاك، ما يَقدِر عليه. فقال: «مُريه، فَليتصدَّق على ستين مسكينًا». فقالت: يا رسول الله، ما عنده ما يَتصدّق به. فقال: «يذهب إلى فلان الأنصاري، فإنّ عنده شَطر وسْق تمر، أخبَرني أنه يريد أن يَتصدَّق به، فليأخذ منه، ثم ليَتصدَّق على ستين مسكينًا»١
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ امرأة أخي عبادة بن الصّامت جاءت إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها تظاهَر عنها، وامرأة تَفْلي رأسَ رسول الله ﷺ -أو قال: تَدْهُنُه-، فرفع رسول الله ﷺ نَظره إلى السماء، فقالت التي تَفْلي لامرأة أخي عبادة بن الصّامت -واسمها خَوْلَة بنت ثَعْلَبة-: يا خَوْلَة، ألا تَسكُني، فقد تَرَينه ينظر إلى السماء! فأنزل الله فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾. فعَرض رسولُ الله ﷺ عليه عِتق رقبة، فقال: لا أجد. فعَرض عليه صيام شهرين متتابعين، فقال: لا أُطيق، إن لم آكل كلّ يوم ثلاث مرات شقّ بي. فقال له النبيُّ ﷺ: «فَأطْعِم ستين مسكينًا». قال: لا أجد. فأتى النبيّ ﷺ بشيء من تمر، فقال له: «خُذ هذا، فاقسِمْه». فقال الرجل: ما بين لابَتَيْها أفقر مني. فقال له النبي ﷺ: «كُله أنتَ وأهلك»١
٣
عن الحسن البصري: أنّ رجلًا ظاهَر مِن امرأته على عهد النبي ﷺ، وكان الظِّهارُ أشدَّ مِن الطلاق، وأَحْرَم الحرام، إذا ظاهَر من امرأته لم تَرْجِع إليه أبدًا، فأتَتِ النبيَّ ﷺ، فقالتْ: يا رسول الله، إنّ زوجي وأبا ولدي ظاهَر مِنِّي، وما يَطَّلع إلا الله على ما يدخل عَلَيَّ مِن فِراقه. فقال لها النبيُّ ﷺ: «قد قال ما قال!». قالت: فكيف أصنع؟ ودَعَتِ الله، واشتَكتْ إليه، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى آخر الآيات. فدعا رسولُ الله ﷺ زوجَها، فقال: «تُعْتِق رقبة». فقال: ما في الأرض رقبة أملِكها. قال: «تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: يا رسول الله، إني بلغتُ سِنًّا، وبي دَوَران، فإذا لم آكل في اليوم مِرارًا أُدير عليّ حتى أقع. قال: «تستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: واللهِ، ما أجد. فقال رسول الله ﷺ: «سَنُعِينك»١
٤
عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق أبي مَعْشر المدني- قال: كانت خَوْلة ابنة ثَعْلَبة تحت أوْس بن الصّامت، وكان رجلًا به لِمَمٌ، فقال في بعض هِجراته: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنّك إلا قد حَرُمتِ عَلَيَّ. قالت: لا تَقُل ذلك، فواللهِ، ما أحبَّ اللهُ طلاقًا. قالت: ائت رسولَ الله ﷺ، فسَلْه. فقال: إنّي أجدني أستحي منه أنْ أسأله عن هذا. فقالت: فَدَعْني أنْ أسأله. فقال لها: سَلِيه. فجاءتْ إلى رسول الله ﷺ، فقالتْ: يا نبي الله، إنّ أوْس بن الصّامت أبو ولدي، وأَحبّ الناس إلَيَّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب، ما ذكر طلاقًا؛ قال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. فقال النبيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه». قالت: لا تَقُل ذلك، يا نبي الله، واللهِ، ما ذكر طلاقًا. فرادّت النبي ﷺ مرارًا، ثم قالت: اللهم، إني أشكو اليوم شدّة حالي ووِحْدتي، وما يشقّ عليّ مِن فِراقه، اللهم، فأنزِل على لسان نبيّك. فلم تَرِمْ١ مكانها حتى أنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبي ﷺ، فقال: «أعتِق رقبة». فقال: لا أجد. فقال: «صُم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع، إني لَأصوم اليوم الواحد، فيشُقّ عليّ. قال: «أطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: أمّا هذا فنعم٢
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾، قال: ذاك أوْس بن الصّامت، ظاهَر مِن امرأته خُوَيلَة ابنة ثَعْلَبة، قالتْ: يا رسول الله، كَبِرتْ سِنِّي، ورَقَّ عظمي، وظاهَر مِنِّي زوجي. قال: فأنزل الله: ﴿والَّذِينَ يُظاهَرونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يريد: أن يَغْشى بعد قوله، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فدعاه إليه نبيُّ الله ﷺ، فقال: «هل تستطيع أن تُعْتِق رقبة؟». قال: لا. قال: «أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: إنّه إذا أخطأه أن يأكل كلَّ يوم ثلاث مرات يَكِلّ بصره. قال: «أتستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، إلا أن يُعِينني فيه رسولُ الله ﷺ بعَونٍ وصلاة. فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعًا، وجَمع الله له أمره، والله غفور رحيم١
٦
عن عمران بن أبي أنس، قال: كان أول مَن ظاهَر في الإسلام أوْس بن الصّامت، وكان به لَمَمٌ، وكان يُفِيق أحيانًا، فَلاحى امرأته خَوْلَة بنت ثَعْلَبة في بعض صَحواته، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. ثم ندم، فقال: ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عَلَيَّ. قالتْ: ما ذكرتَ طلاقًا! فأتَتِ النبيَّ ﷺ، فأَخبَرتْه بما قال، وجادلتْ رسول الله ﷺ مرارًا، ثم قالت: اللهم، إنّي أشكو إليك شِدَّة وحْدتي، وما يشقّ عليّ مِن فِراقه. قالت عائشة: فلقد بكيتُ وبكى مَن كان في البيت رحمةً لها، ورِقّة عليها، ونزل على رسول الله ﷺ الوحي، فسُرِّي عنه وهو يَبتَسم، فقال: «يا خَوْلَة، قد أنزل اللهُ فيكِ وفيه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾». ثم قال: «مُريه أن يُعْتِق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فمُريه أن يصوم شهرين متتابعين». قالت: لا يُطيق ذلك. قال: «فمُريه فَليُطْعِم ستين مسكينًا». قالت: وأنّى له؟! قال: «فمُريه، فليأتِ أُمَّ المُنذر بنت قيس، فليأخذ منها شَطر وسْق تمر، فَليتصدَّق به على ستين مسكينًا». فرجعتْ إلى أوْس، فقال: ما وراءكِ؟ قالت: خيرٌ وأنت ذميم. ثم أخبرتْه، فأتى أُمّ المُنذر، فأخذ ذلك منها، فجعل يُطْعِم مُدَّين مِن تمر كلّ مسكين١
٧
عن أبي إسحاق -من طريق معمر- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾، قال: نَزَلَتْ في امرأةٍ اسمها: خَوْلَة -وقال عكرمة: اسمها: خُوَيلَة ابنة ثَعْلَبة، وزوجها أوْس بن الصّامت- جاءت النبيَّ ﷺ، فقالتْ: إنّ زوجها جعلها عليه كظَهْر أُمّه. فقال النبي ﷺ: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه». وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر، جُعِلتُ فداك، يا نبي الله. فقال: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه». فقالت: انظر في شأني، يا رسول الله. فجَعلت تجادله، ثم حوّل رأسه ليغسله، فتَحوّلتْ من الجانب الآخر، فقالت: انظر، جعلني الله فداك، يا نبي الله. فقالت الغاسلة: أقْصِري حديثكِ ومُخاطبتكِ، يا خُوَيلَة، أما ترين وجه رسول الله ﷺ مُتربّدًا١ ليُوحى إليه. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ حتى بلغ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾. قال قتادة: فحرّمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾٢
٨
عن صالح بن كيسان -من طريق إبراهيم بن سعد الزُّهريّ- قال: أوّل مَن بلغنا أنّه تظاهَر مِن امرأته مِن المسلمين أوْس بن صامت الواقِفي، وكانت تحته ابنة عمّه خَوْلَة بنت ثَعْلَبة، وكان رجلًا به لَمَمٌ -زعموا-، فقال لابنة عمّه: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. فقالتْ: واللهِ، لقد تكلّمتَ بكلام عظيم، ما أدري ما مَبلغه. ثم عَمدتْ لرسول الله ﷺ، فقَصّتْ أمرها وأمر زوجها عليه، فأرسل رسولُ الله إلى أوْس بن صامت، فأتاه، فقال رسول الله: «ماذا تقولُ ابنة عمّك؟». فقال: صدقتْ، قد تَظهّرتُ منها، وجعلتُها كظَهْر أُمّي، فما تأمر -يا رسول الله- في ذلك؟ فقال رسول الله: «لا تدنُ منها ولا تَدْخل عليها حتى آذن لك». قالت خَوْلَة: يا رسول الله، ما له مِن شيء، وما ينفق عليه إلاّ أنا. وكان بينهم في ذلك كلام ساعة، ثمّ أنزل الله القرآن: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾ إلى آخر الآيات. فأمره رسول الله بما أمره الله مِن كفارة الظِّهار، فقال أوْس: لولا خَوْلَة هَلكتُ١
٩
قال مقاتل بن سليمان: ذلك أن خَوْلَة بنت ثَعْلَبة بن مالك بن أحرم الأنصاري، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج، كانت حَسنة الجسم، فرآها زوجُها ساجدةً في صلاتها، فلما انصرفتْ أرادها زوجُها، فأَبتْ عليه، فغضب، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. واسمه أوْس بن الصّامت أخو عبادة بن الصّامت بن قيس بن أحرم الأنصاري، فأَتتْ خَوْلةُ النبيَّ ﷺ، فقالت: إنّ زوجي -يا رسول الله- تَزَوّجَني وأنا شابّة، ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكَبِرت سِنّي، ووهن عظمي؛ جعلني عليه كظَهْر أُمّه، ثم ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه؟ فسكتَ النبيُّ ﷺ عنها، وكان الظِّهار والإيلاء وعدد النّجوم مِن طلاق الجاهلية، فوقّتَ اللهُ تعالى في الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظِّهار الكفارة، ووقّتَ مِن عدد النّجوم ثلاث تطليقات، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهَرونَ مِنكُمْ مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾١
١٠
عن يزيد بن زيد الهمداني، في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾، قال: هي خَوْلَة بنت الصّامت، وكان زوجُها مريضًا، فدعاها، فلم تُجِبه، وأَبطأتْ عليه، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. فأَتَت النبيَّ ﷺ؛ فنَزَلَتْ هذه الآية: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. فقال له النبيُّ ﷺ: «أعْتِق رقبة». قال: لا أجِد. قال: «فَصُم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع. قال: «فَأطْعِم ستين مسكينًا». قال: لا، واللهِ، ما عندي، إلا أن تُعِينني. فأعانه النبيُّ ﷺ بخمسة عشر صاعًا، فقال: واللهِ، ما في المدينة أحوج إليها مِنِّي. فقال النبيُّ ﷺ: «فكُلها أنتَ وأهلكَ»١
١١
عن ثُمامة بن حزن، قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره لَقِيَتْه امرأةٌ، فقالت: قِف، يا عمر. فوقف، فأَغْلظتْ له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، ما رأيتُ كاليوم! فقال: وما يمنعني أنْ أستمع إليها، وهي التي استمع الله لها، أنزل فيها ما أنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾١
١٢
عن عبد الله بن عباس: أنّ خَوْلَة -أو خُوَيلَة- أتَت النبيَّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنّ زوجي ظاهَر مِنِّي. فقال لها النبيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلا قد حرُمتِ عليه». فقالت: أشكو إلى الله فاقتي. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾١
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان الرجل في الجاهلية لو قال لامرأته: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. حرُمتْ عليه، وكان أول مَن ظاهَر في الإسلام أوْس، وكانت تحته ابنةُ عمٍّ له، يقال لها: خَوْلَة بنت خُوَيلد. فظاهَر منها، فأُسقط في يده، وقال: ما أراكِ إلا قد حرُمتِ عليَّ، فانطلِقي إلى النبي ﷺ، فاسْأليه. فأتَت النبي ﷺ، فوجدتْ عنده ماشطةً تَمشُط رأسه، فأخبَرتْه، فقال: «يا خَوْلَة، ما أُمِرنا في أمركِ بشيء». فأنزل اللهُ على النبي ﷺ، فقال: «يا خَوْلَة، أبْشِري». قالت: خيرًا. قال: «خيرًا». فقرأ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ الآيات١
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان الظِّهار في الجاهلية يُحَرِّم النساء، فكان أول مَن ظاهَر في الإسلام أوْسُ بن الصّامت، وكانت امرأته خَوْلَة بنت خُوَيلد، وكان الرجل ضعيفًا، وكانت المرأة جَلْدَة، فلمّا أن تكلّم بالظِّهار قال: لا أراكِ إلا قد حرُمتِ عليّ، فانطلِقي إلى رسول الله ﷺ، لعلّك تبتغي شيئًا يرُدّك عليّ. فانطلَقتْ، وجلس ينتظرها، فأتَت النبيَّ ﷺ وماشطةٌ تَمشُط رأسَه، فقالت: يا رسول الله، إنّ أوْس بن الصّامت مَن قد علمتَ في ضعف رأيه، وعَجْز مقدرته، وقد ظاهَر منّي، يا رسول الله، فأبتغي شيئًا يرُدُّني إليه. قال: «يا خُوَيلَة، ما أُمِرنا بشيء من أمركِ، وإن نُؤمر فسأخبِرك». فبَينا ماشطته قد فَرَغت من شِقّ رأسه، وأخَذتْ في الشِّق الآخر؛ أنزل الله عز وجل وكان إذا أُنزِل عليه الوحي تَرَبَّد لذلك وجهُه١، حتى يجد بَردَه، فإذا سُرِّي عنه عاد وجهه أبيض كالقُلْب٢، ثم تكلّم بما أُمر به- فقالت ماشطته: يا خَوْلَة، إني لَأظنّه الآن في شأنك. فأخذها أفْكَلٌ٣، ثم قالت: اللهم، بك أعوذ أن تُنزِل فِيَّ إلا خيرًا، فإني لم أبغِ من رسولك إلا خيرًا. فلمّا سُرِّي عنه قال: «يا خَوْلَة، قد أنزل اللهُ فيكِ وفي صاحبكِ». فقرأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾. فقالت: واللهِ، يا رسول الله، ما له خادِمٌ غيري، ولا لي خادِمٌ غيره. قال: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾. قالت: واللهِ، إنّه إذا لم يأكل في اليوم مرّتين يَسْدَر٤ بصره. قال: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قالت: واللهِ، ما لنا في اليوم إلا وُقِيَّةٌ٥. قال: «فمُرِيه، فلينطَلِق إلى فلان، فليأخذ منه شَطر وسْقٍ مِن تمر، فليتصدَّق به على ستين مسكينًا، وليُراجعك»٦
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: كان ظِهار الجاهلية طلاقًا، فأول مَن ظاهَر في الإسلام أوْس بن الصّامت أخو عبادة بن الصّامت مِن امرأته الخَزْرَجيّة، وهي خَوْلَة بنت ثَعْلَبة بن مالك، فلما ظاهَر منها حَسِبتْ أن يكون ذلك طلاقًا، فأتَت به نبيَّ الله ﷺ، فقالتْ: يا رسول الله، إنّ أوْسًا ظاهَر منِّي، وإنّا إنِ افتَرقنا هَلكنا، وقد نَثَرَتْ بطني منه، وقَدُمَتْ صُحبته. فهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى قوله: ﴿وللكافرين عذاب أليم﴾. فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: «أتقدر على رقبةٍ تُعْتِقها؟». فقال: لا، واللهِ، يا رسول الله، ما أقدر عليها. فجمع له رسول الله ﷺ حتى أعْتَق عنه، ثم راجع أهله١
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾: وذلك أنّ خَوْلَة -امرأة من الأنصار- ظاهَر منها زوجها، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. فأتَتْ رسول الله ﷺ، فقالتْ: إنّ زوجي كان تَزَوّجَني وأنا أحبُّ الناس إليه، حتى إذا كَبِرتُ ودخَلتُ في السِّنِّ قال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. وتركني إلى غير أحد، فإن كنتَ تجد لي رخصةً -يا رسول الله- تَنعَشُنِي١ بها وإيّاه، فحَدِّثني بها. قال: «واللهِ، ما أُمِرتُ في شأنكِ بشيءٍ حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك، فإنْ أُومر بشيءٍ لا أُعَمِّه عليك إن شاء الله». فرجعتْ إلى بيتها، فأنزل اللهُ على رسوله ﷺ في الكتاب رُخْصتَها ورخصةَ زوجها، فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فأرسَلَ إلى زوجها، فقال: «هل تستطيع أن تُعْتِق رقبة؟». قال: إذن يذهب مالي كلّه؛ الرقبة غالية، وأنا قليل المال. قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: واللهِ، لولا أنّي آكلُ كلَّ يومٍ ثلاث مرات لَكَلَّ بصري. قال: «هل تستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، والله، إلا أن تُعِينني. قال: «إنِّي مُعِينُك بخمسة عشر صاعًا»٢
١٧
عن أنس: أنّ أوْس بن الصّامت ظاهَر مِن امرأته خَوْلَة بنت ثَعْلَبة، فشَكتْ ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقالت: ظاهَر مِنِّي زوجي حين كَبِر سِنّي، ودقَّ عظمي. فأنزل اللهُ آية الظِّهار، فقال رسول الله ﷺ لأَوْس: «أعْتِق رقبة». قال: مالي بذلك يدان. قال: «فصُم شهرين متتابعين». قال: إني إذا أخطأني أنْ آكل في اليوم ثلاث مرات كلَّ بصري. قال: «فأَطْعِم ستين مسكينًا». قال: ما أجد، إلا أن تُعِينني. فدعا رسولُ الله ﷺ خمسة عشر صاعًا، حتى جَمع اللهُ له أهلَه١
١٨
عن عائشة -من طريق هشام بن عُروة، عن أبيه-: أنّ خَوْلَة كانت امرأة أوْس بن الصّامت، وكان امرءًا به لِمَمٌ، فإذا اشتدّ لَمَمُه ظاهَر مِن امرأته؛ فأنزل الله فيه كفارة الظِّهار١
١٩
عن عائشة -من طريق تميم بن سلمة، عن عُروة- قالت: الحمد لله الذي وسِع سمعُه الأصوات، لقد جاءتِ المُجادِلةُ إلى النبي ﷺ تُكلّمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول؛ فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى آخر الآية١
٢٠
عن خَوْلَة بنت ثَعْلَبة -من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام- قالت: فِيَّ -واللهِ- وفي أوْس بن الصّامت أنزل اللهُ صدر سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلقُه، فدخل عليّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يُريدني عن نفسي، فقلتُ: كلّا، والذي نفس خُوَيلَة بيده، لا تصل إلَيّ وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم اللهُ ورسولُه فينا. ثم جئتُ إلى رسول الله ﷺ، فذكرتُ له ذلك، فما بَرِحتُ حتى نزل القرآن، فتغشّى رسولُ الله ﷺ ما كان يتغشّاه، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: «يا خَوْلَةُ، قد أنزل الله فيكِ وفي صاحبكِ». ثم قرأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فقال لي رسولُ الله ﷺ: «مُريه، فَليُعْتِق رقبة». قلتُ: يا رسول الله، ما عنده ما يُعْتِق. قال: «فليَصُم شهرين متتابعين». قلتُ: واللهِ، إنه لَشيخ كبير، ما به مِن صيام. قال: «فَليُطْعِم ستين مسكينًا وسْقًا من تمر». قلتُ: واللهِ، ما ذاك عنده. قال رسول الله ﷺ: «فإنّا سَنُعِينه بعَرَقٍ١ من تمر». فقلتُ: وأنا -يا رسول الله- سأُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «فقد أصبتِ وأحسنتِ، فاذهبي، فتَصدَّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمّكِ خيرًا». قالتْ: ففعلتُ٢٣
٢١
عن أبي العالية -من طريق أبي داود بن أبي هند- قال: كانت خَوْلَةُ بنت الدُّلَيْج تحت رَجُلٍ مِن الأنصار، وكان سيِّئ الخُلق، ضرير البصر، فقيرًا، وكانت الجاهليةُ إذا أراد الرجل أن يُفارِق امرأته، قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. فنازعَتْه في بعض الشيء، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. وكان له عَيِّل أو عَيِّلان، فلما سَمعتْه يقول ما قال احتَملتْ صبيانها، فانطلَقت تسعى إلى رسول الله ﷺ، فوافَقتْه عند عائشة، وإذا عائشة تغسل شِقّ رأس رسول الله ﷺ، فقامت عليه، ثم قالت: يا رسول الله، إنّ زوجي فقير، ضرير البصر، سيِّئ الخُلق، وإني نازعتُه في شيء، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. ولم يُرِد الطلاق. فرفع النبيُّ ﷺ رأسه، فقال: «ما أعلم إلا قد حَرُمتِ عليه». فاستكانتْ، وقالتْ: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبِصِبْيتي. وتَحوّلتْ عائشةُ تغسل شِقّ رأسه الآخر، فتَحوّلتْ معها، فقالت مثل ذلك، قالت: ولي منه عَيِّل أو عَيِّلان. فرفع النبيُّ رأسَه إليها، فقال: «ما أعلم إلا قد حَرُمتِ عليه». فبَكَتْ، وقالتْ: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبِصِبْيتي. وتَغيّر وجهُ رسول الله ﷺ، فقالتْ عائشة: وراءكِ. فتَنَحّتْ، ومَكث رسولُ الله ﷺ ما شاء الله، ثم انقطع الوحي، فقال: «يا عائشة، أين المرأة؟». قالت: هاهي. قال: «ادْعِيها». فدَعَتْها، فقال النبيُّ ﷺ: «اذهبي، فجيئي بزوجكِ». فانطلَقت تسعى، فلم تَلبثْ أن جاءتْ، فَأدخَلتْه على النبي ﷺ، فإذا هو كما قالت: ضرير البصر، فقير، سيئ الخُلق. فقال النبيُّ ﷺ: «أستعيذ بالسميع العليم مِن الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾» إلى آخر الآية. فقال له النبيُّ ﷺ: «أتجد رقبة؟». قال: لا. قال: «أفتستطيع صوم شهرين متتابعين؟». قال: والذي بعثكَ بالحقّ، إنّي إذا لم آكلِ المرّة والمرّتين والثلاثة يكاد يُغشى عَلَيَّ. قال: «فتستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، إلا أن تُعِينني فيها. فأعانه رسولُ الله ﷺ، فكفّر يمينه١
قراءات
قول واحد
١
في قراءة عبد الله بن مسعود: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُحاوِرُكَ فِي زَوْجِها)١