سورة النساء | الآية ٢٤

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى :﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.
وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه.
وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )، وقال عليه الصلاة والسلام :( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ".
ولاشك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف.
ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد.
يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال :" والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان :﴿وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً، وَكَانَ رَبُكَ قَدِيراً﴾.
والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح.
فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ هو خبر عن عفو الله سبحانه وتعالى، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.
وقوله تعالى :﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقوله تعالى :﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع : ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى :﴿ادعُوهُم لآبائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة ( أبنائكم ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى :﴿الذِينَ مِن أَصلاَبِكُم﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ ( أدعياء ) كما في قوله تعالى :﴿لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجُ فِي أزواجِ أَدعِيائِهِمُ إذاَ قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً﴾.
وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿إلا مَا قَد سَلَف﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه.


وقوله تعالى :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ معناه النساء إذا كن في عصمة الأزواج، وقوله تعالى :﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي في دار الحرب أثناء الجهاد فإنه يحل الزواج بهن بعد الاستبراء.
وقوله تعالى :﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ معناه أن ما عدا الأصناف المحدودة التي نص كتاب الله على تحريمها في هذا السياق، أو في غيره كتحريم المرأة المشركة، يكون حلالا للزواج، اللهم إلا إذا اعترض عارض، أو حدث مانع استوجب الحرمة في نظر الشرع، مثل المرأة الخامسة الزائدة على أربع، ومثل المطلقة ثلاثا، ومثل المرأة الحامل والمرأة المعتدة، قبل وضع الحمل وإتمام العدة، وكذلك اليتيمة الصغيرة في مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي.
وقوله تعالى ﴿كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ معناه أن هذا التحريم القاطع في شأن الأصناف المحرمة من النساء التي نص عليها القرآن الكريم أمر صادر من الحق سبحانه وتعالى لا يسوغ تبديله ولا تغييره، بل يجب التزام العمل به دائما، فما حرم الزواج به فهو حرام، وما أحل الزواج به فهو حلال بين المسلمين إلى يوم الدين.
الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى :﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.
وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه.
وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )، وقال عليه الصلاة والسلام :( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ".
ولاشك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف.
ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد.
يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال :" والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان :﴿وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً، وَكَانَ رَبُكَ قَدِيراً﴾.
والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح.
فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ هو خبر عن عفو الله سبحانه وتعالى، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.
وقوله تعالى :﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقوله تعالى :﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع : ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى :﴿ادعُوهُم لآبائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة ( أبنائكم ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى :﴿الذِينَ مِن أَصلاَبِكُم﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ ( أدعياء ) كما في قوله تعالى :﴿لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجُ فِي أزواجِ أَدعِيائِهِمُ إذاَ قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً﴾.
وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿إلا مَا قَد سَلَف﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه.
الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم
أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى :﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.
وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه.
وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً( ٢٢ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، ( ٢٣ ) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم :( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب )، وقال عليه الصلاة والسلام :( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :" إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ".
ولاشك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف.
ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.
ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد.
يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال :" والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان :﴿وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً، وَكَانَ رَبُكَ قَدِيراً﴾.
والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح.
فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ هو خبر عن عفو الله سبحانه وتعالى، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.
وقوله تعالى :﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره.
وقوله تعالى :﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع : ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى :﴿ادعُوهُم لآبائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة ( أبنائكم ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى :﴿الذِينَ مِن أَصلاَبِكُم﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ ( أدعياء ) كما في قوله تعالى :﴿لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجُ فِي أزواجِ أَدعِيائِهِمُ إذاَ قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً﴾.
وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿إلا مَا قَد سَلَف﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه.

التيسير في أحاديث التفسير

المكي الناصري

عرض الكتاب