سورة النساء | الآية ٢٥

عرض السورة
التَّفسير

ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي قَوْلِهِ: فَرِيضَةً ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْأُجُورِ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهَا وُضِعَتْ مَوْضِعَ إِيتَاءٍ، لِأَنَّ الْإِيتَاءَ مَفْرُوضٌ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أَيْ فرض ذلك فريضة.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً.
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الَّذِينَ حَمَلُوا الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ النِّكَاحِ قَالُوا: الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا حَرَجَ فِي أَنْ تَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الْمَهْرِ أَوْ تُبَرِّئَهُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَعَلَى هَذَا: الْمُرَادُ مِنَ التَّرَاضِي الْحَطُّ مِنَ الْمَهْرِ أَوِ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النِّسَاءِ: ٤] وَقَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] وَقَالَ الزَّجَّاجُ مَعْنَاهُ: لَا إِثْمَ عَلَيْكُمْ فِي أَنْ تَهَبَ الْمَرْأَةُ لِلزَّوْجِ مَهْرَهَا، أَوْ يَهَبَ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ تَمَامَ الْمَهْرِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ حَمَلُوا الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى بَيَانِ الْمُتْعَةِ قَالُوا: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا انْقَضَى أَجَلُ الْمُتْعَةِ لَمْ يَبْقَ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ سَبِيلٌ الْبَتَّةَ، فَإِنْ قَالَ لَهَا: زِيدِينِي فِي الْأَيَّامِ وَأَزِيدُكِ/ فِي الْأُجْرَةِ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ فَعَلَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تَفْعَلْ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أَيْ مِنْ بَعْدِ الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنَ الْأَجْرِ وَالْأَجَلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: إِلْحَاقُ الزِّيَادَةِ فِي الصَّدَاقِ جَائِزٌ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ إِنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، أَمَّا إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ، وَكَانَ لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّه عَلَيْهِ: الزِّيَادَةُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، فَإِنْ أَقْبَضَهَا مَلَكَتْهُ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْهَا بَطَلَتْ. احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقوله: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يَتَنَاوَلُ مَا وَقَعَ التَّرَاضِي بِهِ فِي طَرَفَيِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَكَانَ هَذَا بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ بِالصَّدَاقِ، قَالَ: بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالزِّيَادَةِ أَخَصُّ مِنْهَا بِالنُّقْصَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَهُ بِتَرَاضِيهِمَا، وَالْبَرَاءَةُ وَالْحَطُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رِضَا الزَّوْجِ، وَالزِّيَادَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبُولِهِ، فَإِذَا عُلِّقَ ذَلِكَ بِتَرَاضِيهِمَا جَمِيعًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزِّيَادَةُ.
وَالْجَوَابُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ عِبَارَةً عَمَّا ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ؟ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ شَاءَتِ الْمَرْأَةُ أَبْرَأَتْهُ عَنِ النِّصْفِ، وَإِنْ شَاءَ الزَّوْجُ سَلَّمَ إِلَيْهَا كُلَّ الْمَهْرِ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدْ زَادَهَا عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهَا، وَأَيْضًا عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا جُنَاحَ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ إِلَّا أَنَّهَا تَكُونُ هِبَةً. وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى بُطْلَانِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَوِ الْتَحَقَتْ بِالْأَصْلِ لَكَانَ إِمَّا مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، أَوْ بَعْدَ زَوَالِ الْعَقْدِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا انْعَقَدَ عَلَى الْقَدْرِ الْأَوَّلِ، فَلَوِ انْعَقَدَ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى الْقَدْرِ الثَّانِي، لَكَانَ ذَلِكَ تَكْوِينًا لِذَلِكَ الْعَقْدِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عِنْدَ إِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ لَا يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ، فَثَبَتَ فَسَادُ مَا قَالُوهُ واللَّه أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّكَالِيفِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِحْلَالِ، بَيَّنَ أَنَّهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ أَصْلًا، وَحَكِيمٌ لَا يُشَرِّعُ الْأَحْكَامَ إِلَّا عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ لِأَوَامِرِهِ وَالِانْقِيَادَ لِأَحْكَامِهِ واللَّه أَعْلَمُ.

[سورة النساء (٤) : آية ٢٥]

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
النَّوْعُ السَّابِعُ: مِنَ التَّكَالِيفِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السورة قوله تعالى:
— 45 —
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ لَا يَحِلُّ: بَيَّنَ فِيمَنْ يَحِلُّ أَنَّهُ مَتَى يَحِلُّ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَحِلُّ فَقَالَ:
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ الْكِسَائِيُّ الْمُحْصِنَاتِ بِكَسْرِ الصَّادِ، وَكَذَلِكَ مُحْصِنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَكَذَلِكَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصِنَاتِ كُلُّهَا بِكَسْرِ الصَّادِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَالْفَتْحُ مَعْنَاهُ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَالْكَسْرُ مَعْنَاهُ الْعَفَائِفُ وَالْحَرَائِرُ واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الطَّوْلُ: الْفَضْلُ، وَمِنْهُ التَّطَوُّلُ وَهُوَ التَّفَضُّلُ، وَقَالَ تَعَالَى: ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] وَيُقَالُ: تَطَاوَلَ لِهَذَا الشَّيْءِ أَيْ تَنَاوَلَهُ، كَمَا يُقَالُ: يَدُ فُلَانٍ مَبْسُوطَةٌ وَأَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ الطُّولِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْقِصَرِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ طَوِيلًا فَفِيهِ كَمَالٌ وَزِيَادَةٌ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَصِيرًا فَفِيهِ قُصُورٌ وَنُقْصَانٌ، وَسُمِّيَ الْغِنَى أَيْضًا طَوْلًا، لِأَنَّهُ يُنَالُ بِهِ من المرادات مالا يُنَالُ عِنْدَ الْفَقْرِ، كَمَا أَنَّ بِالطُّولِ يُنَالُ مَا لَا يُنَالُ بِالْقِصَرِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الطَّوْلُ الْقُدْرَةُ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ «يَسْتَطِعْ» وَ «أَنْ يَنْكِحَ» فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ الْقُدْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ، وَالطَّوْلُ أَيْضًا هُوَ الْقُدْرَةُ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ/ مِنْكُمْ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى نِكَاحِ الْمُحْصَنَاتِ، فَمَا فَائِدَةُ هَذَا التَّكْرِيرِ فِي ذِكْرِ الْقُدْرَةِ؟
قُلْنَا: الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى فَمَنْ لَمْ يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ.
أَمَّا مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ فَوُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ زِيَادَةً فِي الْمَالِ وَسَعَةً يَبْلُغُ بِهَا نِكَاحَ الْحُرَّةِ فَلْيَنْكِحْ أَمَةً. الثَّانِي: أَنْ يُفَسَّرَ النِّكَاحُ بِالْوَطْءِ، وَالْمَعْنَى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا وَطْءَ الْحَرَائِرِ فَلْيَنْكِحْ أَمَةً، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَكُلُّ مَنْ لَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَائِقٌ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى التَّزَوُّجِ بِالْحُرَّةِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ. وَالثَّالِثُ: الِاكْتِفَاءُ بِالْحُرَّةِ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْأَمَةِ سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، كُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ إِنَّمَا حَصَلَتْ، لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِطَاعَةِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ هُوَ الْحَرَائِرُ، وَيَدُلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ عِنْدَ تَعَذُّرِ نِكَاحِ الْمُحْصَنَاتِ نِكَاحَ الْإِمَاءِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ من
— 46 —
الْمُحْصَنَاتِ مَنْ يَكُونُ كَالضِّدِّ لِلْإِمَاءِ، وَالْوَجْهُ فِي تَسْمِيَةِ الْحَرَائِرِ بِالْمُحْصَنَاتِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الصَّادِ:
أَنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِحُرِّيَّتِهِنَّ عَنِ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَقَدَّمَ عَلَيْهَا الْإِمَاءُ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَمَةَ تَكُونُ خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً مُمْتَهَنَةً مُبْتَذَلَةً، وَالْحُرَّةُ مَصُونَةٌ مُحْصَنَةٌ مِنْ هَذِهِ النُّقْصَانَاتِ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الصَّادِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُنَّ أَحْصَنَّ أَنْفُسَهُنَّ بِحُرِّيَّتِهِنَّ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: أَنَّ اللَّه تَعَالَى شَرَطَ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ شَرَائِطَ ثَلَاثَةً، اثْنَانِ مِنْهَا فِي النَّاكِحِ، وَالثَّالِثُ فِي الْمَنْكُوحَةِ، أَمَّا اللَّذَانِ فِي النَّاكِحِ. فَأَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِدٍ لِمَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ الْمُؤْمِنَةَ مِنَ الصَّدَاقِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَعَدَمُ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ مَا يَنْكِحُ بِهِ الْحُرَّةَ.
فَإِنْ قِيلَ: الرَّجُلُ إِذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ التَّزَوُّجَ بِالْأَمَةِ يَقْدِرُ عَلَى التَّزَوُّجِ بِالْحُرَّةِ الْفَقِيرَةِ، فَمِنْ أَيْنَ هَذَا التَّفَاوُتُ؟
قُلْنَا: كَانَتِ الْعَادَةُ فِي الْإِمَاءِ تَخْفِيفُ مُهُورِهِنَّ وَنَفَقَتِهِنَّ لِاشْتِغَالِهِنَّ بِخِدْمَةِ السَّادَاتِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ هَذَا التَّفَاوُتُ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي آخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء: ٢٥] أَيْ بَلَغَ الشِّدَّةَ فِي الْعُزُوبَةِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَنْكُوحَةِ، فَأَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ مُؤْمِنَةً لَا كَافِرَةً، فَإِنَّ الْأَمَةَ/ إِذَا كَانَتْ كَافِرَةً كَانَتْ نَاقِصَةً مِنْ وَجْهَيْنِ: الرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِلْأُمِّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ الْوَلَدُ رَقِيقًا عَلَى مِلْكِ الْكَافِرِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ نُقْصَانُ الرِّقِّ وَنُقْصَانُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْكَافِرِ، فَهَذِهِ الشَّرَائِطُ الثَّلَاثَةُ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَيَقُولُ: إِذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى طَوْلِ الْحُرَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ التَّزَوُّجَ بِالْأَمَةِ، وَذَلِكَ الْوَصْفُ يُنَاسِبُ هَذَا الْحُكْمَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى الْجِمَاعِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى جِمَاعِ الْحُرَّةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ مُؤْنَتِهَا وَمَهْرِهَا، وَجَبَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْحُكْمُ إِذَا كَانَ مَذْكُورًا عَقِيبَ وَصْفٍ يُنَاسِبُهُ، فَذَلِكَ الِاقْتِرَانُ فِي الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الْوَصْفِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ نِكَاحُ الْأَمَةِ جَائِزًا بِدُونِ الْقُدْرَةِ عَلَى طَوْلِ الْحُرَّةِ وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ أَثَرٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْبَتَّةَ، لَكِنَّا بَيَّنَّا دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى طَوْلِ الْحُرَّةِ. الثَّانِي: أَنْ نَتَمَسَّكَ بِالْآيَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: الْمَيِّتُ الْيَهُودِيُّ لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَضْحَكُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَيَقُولُ: إِذَا كَانَ غَيْرُ الْيَهُودِيِّ أَيْضًا لَا يُبْصِرُ فَمَا فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ يَهُودِيًّا، فَلَمَّا رَأَيْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَقْبِحُونَ هَذَا الْكَلَامَ وَيُعَلِّلُونَ ذَلِكَ الِاسْتِقْبَاحَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ، عَلِمْنَا اتِّفَاقَ أَرْبَابِ اللِّسَانِ عَلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالصِّفَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقَيْدِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: تَخْصِيصُ هَذِهِ الْحَالَةِ بِذِكْرِ الْإِبَاحَةِ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرِ مَا عَدَاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا
— 47 —
تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
[الْإِسْرَاءِ: ٣١] وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إِبَاحَةِ الْقَتْلِ عِنْدَ زَوَالِ هَذِهِ الحالة، وقوله: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٠] لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إِبَاحَةِ الْأَكْلِ عِنْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيُقَالُ لَهُ:
ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، إِلَّا أن تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، كَمَا أَنَّ عِنْدَكَ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَالسُّؤَالُ الْجَيِّدُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، حَيْثُ قُلْنَا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ النِّكَاحِ الْوَطْءَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ وَطْءَ الْحُرَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَكُونُ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَنْقَلِبُ الْآيَةُ حُجَّةً لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الطَّوْلَ بِالْغِنَى، وَعَدَمُ الْغِنَى تَأْثِيرُهُ فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَقْدِ، لَا فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَطْءِ. وَاحْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِالْعُمُومَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: / فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النِّسَاءِ: ٣] وَقَوْلِهِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَقَوْلِهِ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ وَقَوْلِهِ:
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة: ٥] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ. وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْإِحْصَانِ الْعِفَّةُ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ آيَتَنَا خَاصَّةٌ، وَالْخَاصُّ مقدم على العام، ولأنه دخلها التخصيص فيا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ صَوْنًا لِلْوَلَدِ، عَنِ الْإِرْقَاقِ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ يَقْتَضِي كَوْنَ الْإِيمَانِ مُعْتَبَرًا فِي الْحُرَّةِ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى طَوْلِ حُرَّةٍ مَسْلِمَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذِكْرَ الْإِيمَانِ فِي الْحَرَائِرِ نَدْبٌ وَاسْتِحْبَابٌ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنَةِ فِي كَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ وَقِلَّتِهَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالْكِتَابِيَّاتِ الْبَتَّةَ، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ يَتَعَيَّنُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَلَوْ كَانَ التَّزَوُّجُ بِالْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزًا، لَكَانَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لَمْ تَكُنِ الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ مُتَعَيِّنَةً، وَذَلِكَ يَنْفِي دَلَالَةَ الْآيَةِ. ثُمَّ أَكَّدُوا هَذِهِ الدَّلَالَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [الْبَقَرَةِ: ٢٢١] وَقَدْ بَيَّنَّا بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ مُشْرِكَةٌ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَتِ الْأُمُّ رَقِيقَةً عُلِّقَ الْوَلَدُ رَقِيقًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ النَّقْصَ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ وَفِي حَقِّ وَلَدِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمَةَ قَدْ تَكُونُ تَعَوَّدَتِ الْخُرُوجَ وَالْبُرُوزَ وَالْمُخَالَطَةَ بِالرِّجَالِ وَصَارَتْ فِي غَايَةِ الْوَقَاحَةِ، وَرُبَّمَا تَعَوَّدَتِ الْفُجُورَ، وَكُلُّ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْأَزْوَاجِ. الثَّالِثُ:
أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، فَمِثْلُ هَذِهِ الزَّوْجَةِ لَا تَخْلُصُ لِلزَّوْجِ كَخُلُوصِ الْحُرَّةِ، فَرُبَّمَا احْتَاجَ الزَّوْجُ إِلَيْهَا جِدًّا وَلَا يَجِدُ إِلَيْهَا سَبِيلًا لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْنَعُهَا وَيَحْبِسُهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَوْلَى قَدْ يَبِيعُهَا مِنْ إِنْسَانٍ آخَرَ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا، تَصِيرُ مُطَلَّقَةً شَاءَ الزَّوْجُ أَمْ أَبَى، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ فَقَدْ يُسَافِرُ الْمَوْلَى الثَّانِي بِهَا وَبِوَلَدِهَا، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَضَارِّ. الْخَامِسُ: أَنَّ مَهْرَهَا مِلْكٌ لِمَوْلَاهَا، فَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى هِبَةِ
— 48 —
مَهْرِهَا مِنْ زَوْجِهَا، وَلَا عَلَى إِبْرَائِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، فَلِهَذِهِ الْوُجُوهِ مَا أَذِنَ اللَّه فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ واللَّه أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ فِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أَيْ فَلْيَتَزَوَّجْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يُرِيدُ جَارِيَةَ أُخْتِكَ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِجَارِيَةِ نَفْسِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَتَيَاتُ: الْمَمْلُوكَةُ جَمْعُ فَتَاةٍ، وَالْعَبْدُ فَتًى،
وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي»
وَيُقَالُ لِلْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ: فَتَاةٌ، وَلِلْغُلَامِ فَتًى، وَالْأَمَةُ تُسَمَّى فَتَاةً، عَجُوزًا كَانَتْ أَوْ شَابَّةً، لِأَنَّهَا كَالشَّابَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تُوَقَّرُ تَوْقِيرَ الْكَبِيرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِمَا إِذَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً فَلَا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدٍ وَالْحَسَنِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ.
حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: أَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ تَقْيِيدٌ لِجَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِكَوْنِهَا مُؤْمِنَةً، وَذَلِكَ يَنْفِي جَوَازَ نِكَاحِ غَيْرِ الْمُؤْمِنَةِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي مَسْأَلَةِ طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى:
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [الْبَقَرَةِ: ٢٢١].
حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: النَّصِّ وَالْقِيَاسِ: أَمَّا النَّصُّ فَالْعُمُومَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا تَمَسُّكَهُ بِهَا فِي طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَآكَدُهَا قَوْلُهُ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [الْمَائِدَةِ: ٥] وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ الْحُرَّةَ مُبَاحَةٌ، وَالْكِتَابِيَّةَ الْمَمْلُوكَةَ أَيْضًا مُبَاحَةٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا تَزَوَّجَ بِالْكِتَابِيَّةِ الْمَمْلُوكَةِ وَجَبَ أَنَّهُ يَجُوزُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْعُمُومَاتِ: أَنَّ دَلَائِلَنَا خَاصَّةٌ فَتَكُونُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْعُمُومَاتِ، وَعَنِ الْقِيَاسِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ بِالْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ فَهُنَاكَ نَقْصٌ وَاحِدٌ، أَمَّا إِذَا تَزَوَّجَ بِالْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ فَهُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ النَّقْصِ: الرِّقُّ وَالْكُفْرُ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ اعْمَلُوا عَلَى الظَّاهِرِ فِي الْإِيمَانِ فَإِنَّكُمْ مُكَلَّفُونَ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ، واللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ وَالْحَقَائِقَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: كُلُّكُمْ أَوْلَادُ آدَمَ فَلَا تُدَاخِلَنَّكُمْ أَنَفَةٌ مِنْ تَزَوُّجِ الْإِمَاءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى: كُلُّكُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ أَعْظَمُ الْفَضَائِلِ، فَإِذَا حَصَلَ الِاشْتِرَاكُ فِي أَعْظَمِ الْفَضَائِلِ كَانَ التَّفَاوُتُ فِيمَا وَرَاءَهُ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التَّوْبَةِ: ٧١] وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الْحُجُرَاتِ: ١٣] قَالَ الزَّجَّاجُ: فَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الْمُؤْمِنَاتِ، أَوْ لِأَنَّ الشَّرَفَ بِشَرَفِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى مِنْهُ بِسَائِرِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ يُقَوِّي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: إِنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ لِجَوَازِ/ نِكَاحِ الْأَمَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالْأَنْسَابِ، فَأَعْلَمَ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أن
— 49 —
اللَّه لَا يَنْظُرُ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ.
رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ، وَلَا يَدَعُهَا النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ»
وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضَعُونَ مِنِ ابْنِ الْهَجِينِ، فَذَكَرَ تَعَالَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ هَذَا النِّكَاحِ فَقَالَ: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِدُونِ إِذْنِ سَيِّدِهَا بَاطِلٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْقِيَاسُ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يَقْتَضِي كَوْنَ الْإِذْنِ شَرْطًا فِي جَوَازِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النِّكَاحُ وَاجِبًا. وَهُوَ
كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»
فَالسَّلَمُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنَّهُ إِذَا اخْتَارَ أَنْ يُسْلِمَ فَعَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، كَذَلِكَ النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، لَكِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً، وَجَبَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا. وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ أَنَّ الْأَمَةَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، وَبَعْدَ التَّزَوُّجِ يَبْطُلُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَنَافِعِهَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْأَمَةِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِالْحَدِيثِ
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ فَهُوَ عَاهِرٌ».
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا إِلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: يَصِحُّ، احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ عَائِدٌ إِلَى الْإِمَاءِ، وَالْأَمَةُ ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الرِّقِّ، وَصِفَةُ الرِّقِّ صِفَةٌ زَائِلَةٌ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَةٍ زَائِلَةٍ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِشَارَةَ إِلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ مَعَ هَذَا الشَّابِّ فَصَارَ شَيْخًا ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ زَائِلَةٍ، بَاقِيَةٌ بَعْدَ زَوَالِ تِلْكَ الصِّفَةِ الْعَرَضِيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِمَاءِ، فَهَذِهِ الْإِشَارَةُ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً حَالَ زَوَالِ الرِّقِّ عَنْهُنَّ، وَحُصُولِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ لَهُنَّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَوَقَّفُ جَوَازُ نِكَاحِهَا عَلَى إِذْنِ وَلِيِّهَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجَبَ ثُبُوتُ هَذَا الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ/ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا عِبَارَةَ لِلْمَرْأَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُزَوِّجَ أمتها، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزوج أَمَتِهَا. قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ، لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِحُصُولِ إِذْنِ أَهْلِهَا، فَمَنْ قَالَ لَا يَكْفِي ذَلِكَ كَانَ تَارِكًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِذْنِ الرِّضَا. وَعِنْدَنَا أَنَّ رِضَا الْمَوْلَى لَا بُدَّ مِنْهُ، فَأَمَّا أَنَّهُ كَافٍ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ أَهْلَهُنَّ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى نِكَاحِهِنَّ، وَذَلِكَ إِمَّا الْمَوْلَى إِنْ كَانَ رَجُلًا، أَوْ وَلِيُّ مَوْلَاهَا إِنْ كَانَ مَوْلَاهَا امْرَأَةً. وَثَالِثُهَا: هَبْ أَنَّ الْأَهْلَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَوْلَى، لَكِنَّهُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَالدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا خَاصَّةٌ
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْعَاهِرُ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نفسها»
فثبت بهذا الحديث أنه عِبَارَةَ لَهَا فِي نِكَاحِ نَفْسِهَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا عِبَارَةٌ فِي نِكَاحِ مَمْلُوكَتِهَا، ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ واللَّه أَعْلَمُ.
— 50 —
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأُجُورِ: الْمُهُورُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِهَا إِذَا نَكَحَهَا، سَمَّى لَهَا الْمَهْرَ أَوْ لَمْ يُسَمِّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ سَمَّى، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فِي إِيجَابِ الْمَهْرِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مَهْرَ الْمِثْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: بِالْمَعْرُوفِ وَهَذَا إِنَّمَا يُطْلَقُ فِيمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ فِي الْمُعْتَادِ وَالْمُتَعَارَفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [الْبَقَرَةِ: ٣٣] الثَّانِي: قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْ أُجُورِهِنَّ النَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمَهْرَ مُقَدَّرٌ، وَلَا مَعْنًى لِاشْتِرَاطِ الْمَعْرُوفِ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ كَوْنَهَا أَمَةً لَا يَقْدَحُ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا وَكِفَايَتِهَا كَمَا فِي حَقِّ الْحُرَّةِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ مِنَ الْمَوْلَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى الْعَادَةِ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ يَحْمِلُونَهُ عَلَى الْمَهْرِ، وَحَمَلُوا قَوْلَهُ: بِالْمَعْرُوفِ عَلَى إِيصَالِ الْمَهْرِ إِلَيْهَا عَلَى الْعَادَةِ الْجَمِيلَةِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَتَأْخِيرٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الْأَمَةَ هِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِقَبْضِ مَهْرِهَا، وَأَنَّ الْمَوْلَى إِذَا آجَرَهَا لِلْخِدْمَةِ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْأَجْرِ دُونَهَا وَهَؤُلَاءِ احْتَجُّوا فِي الْمَهْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ مَهْرَهَا لِمَوْلَاهَا بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النَّحْلِ: ٧٥] وَهَذَا يَنْفِي كَوْنَ الْمَمْلُوكِ مَالِكًا لِشَيْءٍ أَصْلًا، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ أَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ عِوَضًا عَنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ، وَتِلْكَ الْمَنَافِعُ مَمْلُوكَةٌ لِلسَّيِّدِ، وَهُوَ الَّذِي أَبَاحَهَا لِلزَّوْجِ بِقَيْدِ النِّكَاحِ، فَوَجَبَ أَنْ/ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِبَدَلِهَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا إذا حملنا لفظ الْأُجُورَ فِي الْآيَةِ عَلَى النَّفَقَةِ زَالَ السُّؤَالُ بِالْكُلِّيَّةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَضَافَ إِيتَاءَ الْمُهُورِ إِلَيْهِنَّ لِأَنَّهُ ثَمَنُ بُضْعِهِنَّ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَآتُوهُنَّ مَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمَهْرِ مِلْكًا لَهُنَّ،
وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «الْعَبْدُ وَمَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ»
فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْمَهْرُ مِلْكًا لِلْمَوْلَى بِهَذِهِ الطَّرِيقِ واللَّه أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُحْصَنَاتٌ أَيْ عَفَائِفُ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، فَظَاهِرُ هَذَا يُوجِبُ حُرْمَةَ نِكَاحِ الزَّوَانِي مِنَ الْإِمَاءِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّ نِكَاحَ الزَّوَانِي هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ وَسَنَذْكُرُهُ فِي قَوْلِهِ: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النُّورِ: ٣] وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مَحْمُولَةً عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مُسافِحاتٍ أَيْ غَيْرَ زَوَانٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ جَمْعِ خِدْنٍ، كَالْأَتْرَابِ جَمْعِ تِرْبٍ، وَالْخِدْنُ الَّذِي يُخَادِنُكَ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مَعَكَ فِي كُلِّ أَمْرٍ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ. قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُسَافِحَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَاجِرُ نَفْسَهَا مَعَ أَيِّ رَجُلٍ أَرَادَهَا، وَالَّتِي تَتَّخِذُ الْخِدْنَ فَهِيَ الَّتِي تَتَّخِذُ خِدْنًا مُعَيَّنًا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْصِلُونَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَمَا كَانُوا يَحْكُمُونَ عَلَى ذَاتِ الْخِدْنِ بِكَوْنِهَا زَانِيَةً، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْفَرْقُ مُعْتَبَرًا عِنْدَهُمْ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بالذكر، ونص على حرمتها مَعًا، وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣].
— 51 —
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْآيَةُ أَحَدُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ لَا يَجْعَلُ الْإِيمَانَ فِي نِكَاحِ الْفَتَيَاتِ شَرْطًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَكَانَ كَوْنُهُنَّ مُحْصَنَاتٍ عَفِيفَاتٍ أَيْضًا شَرْطًا، وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا مَعْطُوفٌ لَا عَلَى ذِكْرِ الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، بَلْ عَلَى قَوْلِهِ: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي هَذَا، عَدَمُ الْوُجُوبِ فِيمَا قَبْلَهُ واللَّه أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ. وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ أُحْصِنَّ بِالْفَتْحِ فِي الْأَلِفِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ الْأَلِفِ، فَمَنْ فَتَحَ فَمَعْنَاهُ: أَسْلَمْنَ، هَكَذَا قَالَهُ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ، وَمَنْ/ ضَمَّ الْأَلِفَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِالْأَزْوَاجِ. هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ طَعَنَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْإِمَاءَ بِالْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَمِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يُقَالَ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ، ثُمَّ يُقَالَ: فَإِذَا آمَنَّ، فَإِنَّ حَالَهُنَّ كَذَا وَكَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ حُكْمَيْنِ: الْأَوَّلُ:
حَالُ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، فَاعْتَبَرَ الْإِيمَانَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَالثَّانِي: حُكْمُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ عِنْدَ إِقْدَامِهِنَّ عَلَى الْفَاحِشَةِ، فَذَكَرَ حَالَ إِيمَانِهِنَّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِذا أُحْصِنَّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ فِي قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَائِرَ الْمُتَزَوِّجَاتِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَائِرَ الْأَبْكَارَ. وَالسَّبَبُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُحْصَنَاتِ عَلَيْهِنَّ حُرِّيَّتُهُنَّ. وَالْأَوَّلُ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْحَرَائِرِ الْمُتَزَوِّجَاتِ فِي الزِّنَا: الرَّجْمُ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ فِي زِنَا الْإِمَاءِ نِصْفُ الرَّجْمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: الْحَرَائِرَ الْأَبْكَارَ، فَنِصْفُ مَا عَلَيْهِنَّ هُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةً، وَهَذَا الْقَدْرُ وَاجِبٌ فِي زِنَا الْأَمَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُحْصَنَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الزِّنَا عَنْهُنَّ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّقًا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ:
الْإِحْصَانِ وَالزِّنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ شَرْطٌ بَعْدَ شَرْطٍ، فَيَقْتَضِي كَوْنَ الْحُكْمِ مَشْرُوطًا بِهِمَا نَصًّا، فَهَذَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ فِي الْآيَةِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّا نَخْتَارُ الْقِسْمَ الثَّانِيَ، وَقَوْلُهُ: فَإِذا أُحْصِنَّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ جَعْلَ هَذَا الْإِحْصَانِ شَرْطًا لِأَنْ يَجِبَ فِي زِنَاهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ حَدَّ الزِّنَا يُغَلَّظُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَهَذِهِ إِذَا زَنَتَ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَحَدُّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَبِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ هَذَا الْقَدْرُ أَيْضًا أَوْلَى، وَهَذَا مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْمَفْهُومِ بِالنَّصِّ، لِأَنَّ عِنْدَ حُصُولِ مَا يُغَلِّظُ الْحَدَّ، لَمَا وَجَبَ تَخْفِيفُ الْحَدِّ لِمَكَانِ الرِّقِّ، فَبِأَنْ يَجِبَ هَذَا الْقَدْرُ عند مالا يُوجَدُ ذَلِكَ الْمُغَلِّظُ كَانَ أَوْلَى واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْخَوَارِجُ اتَّفَقُوا عَلَى إِنْكَارِ الرَّجْمِ، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْأَمَةِ نِصْفَ مَا عَلَى الْحُرَّةِ الْمُحْصَنَةِ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْحُرَّةِ الْمُحْصَنَةِ الرَّجْمُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ عَلَى الْأَمَةِ نِصْفَ الرَّجْمِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْحُرَّةِ الْمُتَزَوِّجَةِ لَيْسَ إِلَّا الْجَلْدَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ النُّورِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢].
— 52 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب