يقول الحق جلّ جلاله :﴿يا أيها النبيُّ إِذا طلقتم النساءَ﴾، خصَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالنداء، وعمَّ بالخطاب ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم، كما يُقال لرئيس القوم : يا فلان افعلوا كذا وكذا ؛ إظهاراً لتقدُّمه، واعتباراً لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلّهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم " : إذا أردتم تطليقهن، كقوله :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، تنزيلاً للمقبل على الشيء المشارِف له منزلةَ الشارع فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم :" مَن قتل قتيلاً فله سلبه " (١)، ومنه : كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المُصَلِّي. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي : مستقبلات لِعِدَّتهن، شارعة فيها، بمجرد الطلاق، من غير أن تكون في حيض أو نِفاس، فإنَّ المرأة إذا طلقت في طُهر تعتد بذلك الطُهر من أقرائها، فتخرج من العدّة برؤية الحيض الثالث، بخلاف إذا طُلقت في غير طُهر، فتنتظر الطُهر منه، فلا تخرج إلاّ برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يُطلِّق في طُهر لم يمس فيه، وهذا هو طلاق السُنَّة. قال ابن جزي : واختلف في الطلاق : هل هو مباح أو مكروه، وأمّا إن كان على غير وجه السُنة فهو ممنوع. ه. وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فطلِّقوهن في قُبل عِدّتهن " (٢).
قال ابن جزي : واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلَّل بتطويل العدة، أو تعبُّد، والصحيح : أنه معلَّل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها : هل يجوز إذا رضيت به المرأةُ أم لا ؟ ومنها : هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا ؟ ومنها : هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا ؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبُّد يقتضي المنع، ومَن طَلَّق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أُمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلَّق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلّق امرأته، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها ه(٣).
﴿وأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ ؛ اضبطوها، وأكمِلُوها ثلاثة أقراء كوامل، لِما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، ﴿واتقوا اللهَ ربكم﴾ في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن. وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لِما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء.
﴿لا تُخرجوهن من بيوتهن﴾ ؛ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. ﴿ولا يَخْرُجْن﴾ ولو بالإذن منكم، فإنَّ الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل : لا يخرجن باستبدادهن، أمّا إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المَبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلاّ لضرورة التصرُّف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكًا للزوج، أو مكترىً عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كِراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية ؛ ففي لزوم خِراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه ؛ لأنّ الاستمتاع قد انقطع بالطلاق.
﴿إِلاَّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنة﴾، قيل : الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل : سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصْهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده : قراءة أُبي :" إلاَّ أن يفحشن عليكم "، وقيل : جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضاً. ومال إليه الطبري. وقيل : الخروج من بيتها خروجَ انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، وقيل : هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلّقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة.
﴿وتلك حدودُ الله﴾ أي : تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عيّنها لعباده، ﴿ومَن يَتَعَدَّ حدودَ الله﴾ المذكورة، بأن يُخلّ بشيء منها، على أنَّ الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، ﴿فقد ظَلَمَ نفسه﴾ ؛ أضرَّ بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله :﴿لا تدري لعل اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمراً﴾ فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا : إنَّ الأمر الذي يُحدثه اللهُ تعالى : هو أن ينقلب قلبه بُغضها إلى محبتها، أو : من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظُلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعدِّيه، وهو الندم إن كان طلَّق ثلاثاً، فيمنع من الرجعة، أو : الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو : فقد ظَلَمَ نفسَه بتعريضها للعذاب الشامل ؛ الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. ﴿لا تدري﴾ أيها المخاطب ﴿لعل اللهُ يُحِدثُ بعد ذلك أمراً﴾ وهو الرجعة، والمعنى : أحصوا العِدَّة وامتثلوا ما أُمرتم به، لعل الله يُحدث الرجعة لنسائكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم ؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة : اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، أي : ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم.
الإشارة : إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم ؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة : اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، أي : ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم.
قال ابن جزي : واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلَّل بتطويل العدة، أو تعبُّد، والصحيح : أنه معلَّل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها : هل يجوز إذا رضيت به المرأةُ أم لا ؟ ومنها : هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا ؟ ومنها : هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا ؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبُّد يقتضي المنع، ومَن طَلَّق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أُمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلَّق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلّق امرأته، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها ه(٣).
﴿وأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ ؛ اضبطوها، وأكمِلُوها ثلاثة أقراء كوامل، لِما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، ﴿واتقوا اللهَ ربكم﴾ في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن. وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لِما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء.
﴿لا تُخرجوهن من بيوتهن﴾ ؛ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. ﴿ولا يَخْرُجْن﴾ ولو بالإذن منكم، فإنَّ الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل : لا يخرجن باستبدادهن، أمّا إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المَبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلاّ لضرورة التصرُّف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكًا للزوج، أو مكترىً عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كِراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية ؛ ففي لزوم خِراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه ؛ لأنّ الاستمتاع قد انقطع بالطلاق.
﴿إِلاَّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنة﴾، قيل : الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل : سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصْهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده : قراءة أُبي :" إلاَّ أن يفحشن عليكم "، وقيل : جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضاً. ومال إليه الطبري. وقيل : الخروج من بيتها خروجَ انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، وقيل : هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلّقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة.
﴿وتلك حدودُ الله﴾ أي : تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عيّنها لعباده، ﴿ومَن يَتَعَدَّ حدودَ الله﴾ المذكورة، بأن يُخلّ بشيء منها، على أنَّ الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، ﴿فقد ظَلَمَ نفسه﴾ ؛ أضرَّ بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله :﴿لا تدري لعل اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمراً﴾ فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا : إنَّ الأمر الذي يُحدثه اللهُ تعالى : هو أن ينقلب قلبه بُغضها إلى محبتها، أو : من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظُلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعدِّيه، وهو الندم إن كان طلَّق ثلاثاً، فيمنع من الرجعة، أو : الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو : فقد ظَلَمَ نفسَه بتعريضها للعذاب الشامل ؛ الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. ﴿لا تدري﴾ أيها المخاطب ﴿لعل اللهُ يُحِدثُ بعد ذلك أمراً﴾ وهو الرجعة، والمعنى : أحصوا العِدَّة وامتثلوا ما أُمرتم به، لعل الله يُحدث الرجعة لنسائكم.
١ أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤٣٢١، ومسلم في الجهاد حديث ٤١..
٢ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ١٤..
٣ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٥، حديث ٤٩٠٨، ومسلم في الطلاق حديث ١٥..
٢ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ١٤..
٣ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٥، حديث ٤٩٠٨، ومسلم في الطلاق حديث ١٥..
الإشارة : إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم ؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة : اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، أي : ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم.