سورة الحاقة | الآية ٤

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﯚﯛﯜﯝ

وقفات مع سور وآيات
عادة القرآن تقديم ذكر عاد على ثمود إلا في بعض المواضع، ومنها: في سورة الحاقة فإنه قال:(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ)، وسبب ذلك -والله أعلم- أن السورة لما ابتدأت بذكر (بِالْقَارِعَةِ) - وهي التي تقرع أسماع الناس من شدة صوتها - قدم ذكر (ثَمُودُ)؛ لأن العذاب الذي أصابهم من قبيل القرع إذ أصابتهم الصواعق المسماة في بعض الآيات بالصيحة.
ابن عاشور
بلاغة القرآن
*ما دلالة تقديم ثمود على قوم عاد في سورة الحاقة مع أنها تتأخر في باقي القرآن؟(د.فاضل السامرائي) التقديم والتأخير عموماُ قد يكون بالمتقدم أو المتأخر حتى في كلامنا العادي نضرب مثلاً بمن هو أمامنا أو بمن هو متقدم: تقول لواحد انظر إلى فلان كيف كان، انظر إلى فلان الذي قبله قد تذكره بمن تشاهده وقد تذكره بالقديم تقول له هذه سنة الله في الخلق منذ خلق الله الأرض، من آدم. أحياناً التذكير أو الذكر يبدأ بالأقرب ثم الأبعد وأحياناً بالعكس. سياق السورة والسمت العام في السورة كلها أنها تبدأ بالأقرب (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)) (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)) فرعون ومن قبله، ثم قال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)) هذا نوح، هذا سمت عام في السورة حتى في مشاهد القيامة (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14)) بدأ بالأرض ثم قال وانشقت السماء وفي أحيان كثيرة يبدأ بالسماء وهي الأبعد (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ) (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ) (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) التكوير) السمت العام في السورة أنه يبدأ بالأقرب ثم الأبعد حتى في القسم (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) الحاقة) ما تبثر أقرب مما لا تبصر، هذا السمت العام في السورة. ثم أن السورة تبدأ بالحاقة ويبدو أن كل التي تبدأ بأمثالها الحاقة والقارعة والصاخة والآزفة والغاشية والواقعة تبدأ بالأقرب (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)) (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)) (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)) (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5)) (أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59)) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)) هذه تحتاج إلى تدقيق أكثر ولكن هكذا يبدو لي بنظرة سريعة والله أعلم.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قا تعالي في سورة الحاقة : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ [4] فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [5] وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } [ الحاقة : 4 – 6 ] . سؤال : لماذا قدم ثمود علي عاد مع أن عادا أسبق من ثمود ؟ الجواب : إن التقديم والتأخير قد يكونان بصورة متعددة فقد يكون التقديم من القريب إلي البعيد أو من البعيد إلي القريب , وقد يكون من القليل إلي الكثير أو من الكثير إلي القليل وغير ذلك . وهاهنا بدا بالأقرب إليهم وهو ثمود , فإنه أقرب إليهم من عاد .وهذا هو السمت الظاهر في هذه السورة , فإنه يبدأ بالأقرب إليهم , فقد قال : { وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ } [ الحاقة : 9 ] فذكر فرعون , وذكر من قبله , وذكر المؤتفكات وهي مدائن لوط وهي الأقدم , فبدأ بالأقرب . وقال : { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ } [ الحاقة : 11 ] والكلام علي نوح وهو أقدم من كل المذكورين . ثم قال : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [13] وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [14] فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [15] وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } [ الحاقة : 13- 16 ] . فبدأ بالأقرب إليهم وهي الأرض , ثم السماء , فذكر حمل الأرض والجبال أولا , ثم ذكر بعدها انشقاق السماء . في حين يبدأ بالسماء ثم الأرض في مواطن أخري . قال تعالي : { إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [1] وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [2] وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [3] وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [4]} [ الانشقاق : 1 - 4 ] . فبدأ بالسماء , ثم ذكر الأرض بعدها . وقال : { إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ [1] وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [2] وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [3] وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [4]} [ الانفطار : 1 – 4 ] . فبدأ بالسماء ثم ذكر ما في الأرض . وقال : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [1] وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [2] وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [3]} [ التكوير : 1 – 3 ] . فبدأ بما في السماء , ثم ذكر ما في الأرض . علي غير ما ورد في سورة الحاقة , وحتي إنه قال في الحاقة : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [38] وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [39]} [ الحاقة : 38 – 39 ] فبدأ بما يبصر وهو الأقرب إليهم , ثم ما لا يبصر مما كان بعيدا , أو له حالة أخري لا تبصرها العيون . فهذا التقديم والتأخير هو السمت العام لهذه السورة . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 108)
فاضل السامرائي