سورة الحاقة | الآية ٦

عرض السورة
التَّفسير

ﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الآيات: (١- ١٢) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ».
هكذا تبدأ السورة الكريمة، بهذه الكلمة: «الحاقة» التي تقع على الأسماع موقع الصيحة الراعدة المزلزلة فى هدأة الليل تغشى الناس بالفزع المذعور، الذي تدهش له العقول، وزيغ به الأبصار، وتخرس معه الألسنة، وقد امتلأ الجو بهذا التساؤل الكبير الذي يطلّ من كل عين:
ما هذا؟ ما هذا؟.
— 1123 —
«مَا الْحَاقَّةُ؟».
إنها مع صوتها الراعد المزلزل، ملففة فى أطواء المجهول.. لا يعرف لها وجه، ولا تبين لها حقيقة، حتى لكأنها القدر، ترمى الناس بما فى يديها من نذر، من حيث لا يحتسبون، ولا يقدّرون.. وهذا مما يضاعف فى فزع الناس منها، وفى الكرب المشتمل عليهم إزاءها..
«وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟».
ومن يستطيع أن يجيب على هذا السؤال: «مَا الْحَاقَّةُ؟» إن أحدا لا يستطيع أن يتصور حقيقتها، أو يبلغ إدراكه الإحاطة بها.. وفى هذا التجهيل فى الجواب الذي يجاب به عنها، مضاعفة للفزع والكرب المستوليين على الناس منها.
وكأنّ المعنى هو:
«الْحَاقَّةُ».. وهذا إخبار من الله سبحانه وتعالى بها، وإعلان للناس بوقوعها حيث يشتمل عليهم الفزع، ويستبدّ بهم الخوف من مجرد التلفظ بها..
«مَا الْحَاقَّةُ؟» وهذا سؤال من الناس عن هذا الكائن العجيب، الذي يشيع ذكره الرعب والفزع.. وكأنهم يتجهون بهذا السؤال إلى النبىّ الذي ألقى بهذا الاسم على أسماعهم!! «وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟» وهذا جواب من الله سبحانه على تساؤل السائلين للنبىّ عن الحاقة.. إن النبىّ الذي يسألونه، ويرجون الجواب عنده، لا يدرى ما هى الحاقة؟ إنها شىء من وراء تصورات العقول، واحتمال المدارك..
أما معنى الحاقة من حيث اللغة، فهو اسم فاعل من الحقّ.. وحقّ
— 1124 —
الشيء: وجب.. ووقع، فالحاقة لغة، بمعنى الواجبة، والواقعة.. أي الواجبة الوقوع.. وهذا يعنى أنها شىء سيقع حتما.. أما ما صفة هذا الشيء الذي سيقع، وما صورته فى العقول- فهذا شىء لا يمكن أحدا أن يدرك وصفه، أو يتمثل صورته.. إنه شىء مهول لم يقع للناس شىء مثله، فكيف يستقيم له تصور فى أفهامهم؟
وجواب السؤال عن الحاقة فى قوله تعالى: «مَا الْحَاقَّةُ» يمكن أن يكون هو قوله تعالى «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ».. كما سنتعرض لهذا بعد قليل، ويمكن أن يكون السكوت عن الجواب هو الجواب، لأن الذين كفروا لا يستمعون إلى هذا الجواب، ولا يؤمنون به، كما فعلت ذلك عاد وثمود..
وإذن، فخير جواب على هؤلاء السائلين المتعنتين، هو عدم الردّ عليهم، وتركهم فى بلبال وحيرة.
قوله تعالى:
«كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ».
يمكن أن يكون هذا- كما قلنا- جوابا للتساؤل عن «الحاقة»..
وهو جواب من الله سبحانه وتعالى، بعد أن نفى عن النبىّ إمكان الإجابة عليه.. كما يمكن أن يكون استئنافا يراد به التعقيب على هذه التساؤلات عن الحاقة..
وفى هذا الجواب تشنيع على فعلة ثمود وعاد، وتكذيبهم بالقارعة.. فكأن التكذيب بالقارعة، يضاهى الحاقة نفسها، فى هو لها الذي لا تتصوره العقول، وكأنّ الجواب هو: كذبت ثمود وعاد بالحاقة التي هذا شأنها.. و «القارعة» كائن مجهول أيضا، كالحاقة..
— 1125 —
فالقارعة، والحاقة، كلمتان مترادفتان.. وقد سميت بكل منهما سورة من سور القرآن الكريم.. وبدئت سورة القارعة بلفظ «القارعة» كما بدئت سورة الحاقة بلفظ «الحاقة».. وكما جاء نظم الآيات الثلاث الأولى من الحاقة، جاء نظم الآيات الثلاث الأولى من القارعة.. هكذا: «الْقارِعَةُ، مَا الْقارِعَةُ؟ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ؟»..
وقد كشفت سورة «الحاقة» عن وجه من وجوه هذه «الحاقة» وما بين يديها من نذر البلاء، فيما أخذ الله المكذبين بها، من بلاء ونكال، هو أشبه فى هوله بما يكون من أحداث الساعة، أو موقف الحساب والجزاء يوم القيامة، وذلك فيما يقول سبحانه وتعالى، عن مهلك ثمود وعاد.. يقول سبحانه:
«فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ».
فهذا ما أخذ الله به المكذبين «بالقارعة» من ثمود، وعاد.
فأما ثمود، فقد أهلكهم الله بالطاغية، وهى الصاعقة المزلزلة العاتية، التي جاوزت كلّ حدّ معروف لها فى ظواهر الطبيعة، ولهذا سميت طاغية، ولهذا كان عقاب ثمود بها، لأنها طغت، واعتدت على صالح رسول الله، وعلى ناقة الله، كما يقول سبحانه: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها» (١١- ١٥ الشمس) وكما يقول جل شأنه:
«وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (١٧: فصلت).
وأما عاد، فقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية..
— 1126 —
والريح الصرصر، هى الريح العاصفة الباردة، القاتلة ببردها.
وفى قوله تعالى: «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» - إشارة إلى اشتمال العذاب عليهم هذا الزمن الذي تجرعوا فيه غصص الموت، قطرة قطرة..
وحصر عدد الليالى بسبع، وعدد الأيام بثمانية- إشارة إلى أن الأيام تسبق الليالى، وأن النهار يسبق الليل، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ» (٤٠: يس) »
..
فهذا هو كتاب الله الذي يصدّق بعضه بعضا، «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢: النساء).
كما يشير هذا إلى أن العذاب وقع بالقوم نهارا، وجاءهم عيانا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» (٢٤: الأحقاف).
وقوله تعالى: «حسوما» صفة أيام، التي تحتوى فى كيانها الليالى أيضا لأن الأيام ثمانية، والليالى سبع.. فهو فى حقيقته صفة للأيام والليالى معا.
والحسوم، من الحسم، وهو القطع.. يقال حسم فلان الأمر: أي قطعه..
ومنه الحسام، وهو السيف، إذ أن من أفعاله أنه يحسم حياة من يضرب به.
وأعجاز النخل: أصولها، الممسكة بها على الأرض..
والخاوية: الجوفاء، التي فرغ جوفها، بعد موتها وجفافها.
وفى تشبيه القوم بأعجاز النخل- إشارة إلى ما كان عليه القوم من فراهة الأجسام، وضخامة الأبدان، وقوة الكيان، كما وصفهم الله سبحانه على لسان
(١) انظر فى هذا تفسيرنا لتلك الآية فى سورة «يس»
— 1127 —
نبيهم هود، عليه السلام: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» (٦٩: الأعراف) ويقول سبحانه: «وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ» (١٣٠: الشعراء).
وكما كشفت سورة «الحاقة» عن هذا الهول الذي حلّ بالمكذبين بالقارعة، والذي تتمثل فيه بعض مشاهد القيامة- كشفت سورة «القارعة» عن أحداث القارعة نفسها، وهى القيامة، كما يقول سبحانه: «الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» وهكذا تلتقى السورتان: «الحاقة» و «القارعة» فى تصوير أحداث هذا اليوم العظيم، يوم القيامة، الذي يكذب به المشركون، ويلحّون في التساؤل عنه، وعن اليوم الذي يقع فيه، تحديا لما ينذرهم به الرسول من أهواله، وإمعانا فى تكذيبه، حيث يلقاهم العذاب فى الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً».
هو معطوف على قوله تعالى: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ».
والمؤتفكات: هى قرى قوم لوط، التي ائتفكها الله، أي قلبها على أهلها، وجعل عاليها سافلها.. وقد جاء فى آية أخرى أنها مؤتفكة، وذلك فى قوله تعالى: «وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى» (٥٣: النجم).. كذلك ورد فى أكثر من موضع من القرآن أنها قرية. كما فى قوله تعالى: «إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ» (٣١: العنكبوت).. فما تأويل هذا؟
تأويل هذا- والله أعلم- أن هذه القرية كانت رأس القرى التي حولها، فهى أشبه بالأمّ لها.. ومن هنا كان الحديث عنها، وعن أهلها، لأنهم هم
— 1128 —
الذين يمثلون غالبية القوم، ووجوههم، كما تحدث القرآن الكريم عن مكة ووصفها أنها أمّ القرى، فقال تعالى: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» ! (٩٢:
الأنعام).
«والخاطئة» أي الفعلة الخاطئة، التي بيّنها الله سبحانه وتعالى بقوله: «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» ومجيئهم بالخاطئة: أي ارتكابهم الخطيئة، وحملهم إياها يوم القيامة.
وفى الجمع بين فرعون، وقوم لوط، مع اختلافهما زمانا، ومكانا، وخطيئة- إشارة بليغة محكمة، إلى ما بين القوم من نسب قريب فى الضلال، لا من حيث صورته، ولكن من حيث واقعه ومضمونه..
فقوم لوط، قد أتوا منكرا ابدعا، لم يأته أحد فى العالمين من قبلهم، كما يقول سبحانه وتعالى على لسان نبيهم لوط عليه السلام: «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» (٨٠: الأعراف) وأما فرعون فقد كان أمة وحده فى الضلال والاستعلاء.. ولهذا ذكر وحده، دون أن يكون معه قومه، فهو كيان الضلال كله، الذي نضح منه على قومه رذاذ من هذا الضلال، فكانوا من المجرمين.. ففرعون صورة فريدة فى الجبارين، وقوم لوط صورة فريدة فى المجرمين.
وفى الجمع بين فرعون وقوم لوط فى مقام العصيان لرسول الله، مع أن كلّا منهما كان له موقف مع رسول من رسل الله- إشارة إلى أن رسل الله جميعا، هم رسول واحد، من حيث الرسالة التي يحملها الرسول من الله إلى الناس، والدعوة التي يدعوهم إليها، وهى الإيمان بالله.. فمن كذب برسول من رسل الله فهو مكذب برسل الله جميعا..
وقوله تعالى: «فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» أي أخذهم الله أخذة متمكنة منهم بحيث تنالهم جميعا، وتشتمل على كل شىء منهم ولهم.
— 1129 —
والرابية، المكان العالي المرتفع عما حوله، كالربوة.
وقد ابتلع البحر فرعون ومن معه، كما ابتلعت الأرض قوم لوط، واحتوتهم ومنازلهم فى بطنها.. إنهم هووا جميعا إلى القاع.
قوله تعالى:
«إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ-» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، ذكرت مصارع القوم الظالمين، وقطع دابرهم جميعا، بحيث لم يترك الخراب من دار ولا ديار..
ومع هذا، فإن هؤلاء المشركين من قريش، ما زالوا أحياء، يعيشون فى الناس، لم يأخذهم الله سبحانه بما أخذ به الضالين من قبل.. وهؤلاء المشركون هم بقية من ذرية القوم الذين نجوا من الهلاك، وهم الذين آمنوا بالله، من بين المكذبين والضالين.. وإنه لجدير بهؤلاء المشركين أن يأخذوا طريق النجاة من عذاب الله، كما أخذه آباؤهم الأولون من المؤمنين الذين نجوا من عذاب الله..
هذا وإذا كانت الآية تشير من قريب إلى أظهر صورة من صور النجاة للمؤمنين، وهلاك الكافرين، وهو ما كان من نوح، وقومه، وسفينته، وطوفانه.. حيث غرق الكافرون فى الطوفان، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين بالسفينة- إذا كانت الآية تشير من قريب إلى هذا، فإنها تشير من بعيد إلى نجاة الذين آمنوا بالله من كل بلاء ساقه الله إلى الكافرين المكذبين برسل الله، فى كل زمان ومكان.
وقوله تعالى:
«لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
أي لنجعل هذه الإشارة إلى نجاتكم فى أصلاب آبائكم الأولين، الذين
— 1130 —

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

عرض الكتاب