سورة النساء | الآية ٤٣

عرض السورة
التَّفسير

ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير النسائي
النسائي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر، الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محالها - التي هي المساجد - للجنب إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب من غير مكث؛ وقد كان هذا قبل تحريم الخمر كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ [ الآية : ٢١٩ ] الآية، فإن رسول الله ﷺ تلاها على عمر فقال :« اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً »، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه، فقال :« اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً »، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات حتى نزلت :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله تعالى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ؟ فقال عمر : انتهينا انتهينا. وفي رواية عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث وفيه : فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي : أن لا يقربن الصلاة سكران.
( سبب آخر ) : عن علي بن ابي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت فقدموا فلاناً قال فقرأ : قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية : إن رجالاً كانوا يأتون وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله :﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ الآية، رواه ابن جرير، وعن قتادة : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر، وقال الضحاك : لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم. ثم قال ابن جرير : والصواب أن المراد سكر الشراب، قال : ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثَّمِلُ الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله. وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له، فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنيه عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائماً والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى :
— 496 —
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك، وقوله :﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها، وقد قال الإمام أحمد عن أنَس قال، قال رسول الله ﷺ :« إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول » وفي بعض ألفاظ الحديث :« فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ».
وقوله تعالى :﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ عن ابن عباس قال : لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، قال تمر به مراً ولا تجلس، يروى أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيردون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد فأنزل الله :﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ويشهد لصحته ما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال :« سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر »، وهذا قاله في آخر حياته ﷺ علماً منه أن أبا بكر رضي الله عنه سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيراً للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه، ومن روي ( إلا باب علي ) كما وقع في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً في معناه، إلا أن بعضهم قال : يحرم مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال : إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لها المرور وإلا فلا، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال لي رسول الله ﷺ :« » ناوليني الخُمرة من المسجد «، فقلت : إني حائض، فقال :» إن حيضتك ليست في يدك «، وفيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم. وروى أبو داود عن عائشة قالت، قال رسول الله ﷺ :» إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب «، قال أبو مسلم الخطابي : ضعف هذا الحديث جماعة، لكن رواه ابن ماجة عن أم سلمة عن النبي ﷺ. فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال، قال رسول الله ﷺ :» يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك « فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالماً هذا متروك وشيخه عطية ضعيف والله أعلم.
— 497 —
وعن علي :﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافراً تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيصلي حتى يجد الماء، ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي ذر قال، قال رسول الله ﷺ :« الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير لك » ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين : والأولى قول من قال ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي إلا عابري طريق فيه، وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ﴾ إلى آخره، فكان معلوماً بذلك أن قوله :﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ﴾، لو كان معنياً به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. قال : والعابر السبيل المجتاز مراً وقطعاً، يقال منه : عبرت بهذا الطريق فأنا أعبره عبراً وعبوراً، ومنه يقال : عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار : هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار، وهذا الذي نصره هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقص مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضاً. والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة ( أبو حنيفة ومالك والشافعي ) أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة، وذهب ( الإمام أحمد ) إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد، لما روي بسند صحيح أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه عن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ أما المرض المبيح للتيمم فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو أو شينة أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض لعموم الآية، قال مجاهد : نزلت في رجل من الأنصار كان مريضاً، فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية.
— 498 —
والسفر معروف ولا فرق فيه بين الطويل والقصير، وقوله :﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كني بذلك عن التغوط وهو الحدث الأصغر.
وأما قوله تعالى :﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون الأئمة في معنى ذلك على قولين :( أحدهما ) أن ذلك كناية عن الجماع لقوله :﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال تعالى :﴿إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ قال : الجماع. وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي : ليس بالجماع، وقال ناس من العرب اللمس : الجماع، قال : فلقيت ابن عباس فقلت له : إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي : ليس بالجماع، وقالت العرب : الجماع قال : فمن أي الفريقين كنت؟ قلت : كنت من الموالي، قال غلب فريق الموالي، إن اللمس والمس والمباشرة : الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك، وقال آخرون : عنى الله تعالى بذلك كل من لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان وأوجب الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئاً من جسدها مفضياً إليه. عن عبد الله بن مسعود قال : القبلة من المس وفيها الوضوء، وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال : يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة، وكان يقول في هذه الآية :﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ هو الغمز، وروى مالك عن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يقول : قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبَّل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه على الاستحباب والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس هو قول ( الشافعي ومالك ) والمشهور عن أحمد بن حنبل، قال ناصروه : قد قرىء في هذه الآية لامستم ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد قال تعالى :﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] أي جسوه، وقال ﷺ لماعز حين أقر بالزنا يعرّض له بالرجوع عن الإقرار :
— 499 —
« لعلك قبلت أو لمست » وفي الحديث الصحيح :« واليد زناها اللمس » وقالت عائشة رضي الله عنها : قلّ يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا فيقبل ويلمس، ومنه ما ثبت في الصحيحين : أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الملامسة هو يرجع إلى الجس باليد على كلا التفسيرين، قالوا : ويطلق في اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر :
ولمست كفي كفه أطلب الغنى... وقال ابن جرير وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى الله بقوله ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. وقالت عائشة : كان رسول الله ﷺ يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلي ولا يتوضأ، وحدث عروة عن عائشة : أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت : من هي إلا أنت؟ فضحكت. وعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءاً.
وقوله تعالى :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم لحديث ( عمران بن حصين ) « أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلِّ مع القوم، فقال :» يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم «؟ قال : بلى يا رسول الله ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال :» عليك بالصعيد فإنه يكفيك « ولهذا قال تعالى :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ فالتيمم في اللغة : هو القصد. تقول العرب : تيممك الله بحفظه أي قصدك ومنه قول امرىء القيس شعراً :
ولما رأت أن المنية وردهاوأن الحصى من تحت أقدامها دامي
تيممت العين التي عند ضارجيفيء عليها الفيء عرمضها طامي
والصعيد قيل : هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والنبات وهو قول مالك، وقيل : ما كان من جنس التراب كالرمل والزرنيخ والنورة وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل : هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما واحتجوا بقوله تعالى :﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف: ٤٠] أي تراباً أملس طيباً، وبما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال، قال رسول الله ﷺ :» فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراُ إذا لم نجد الماء «
— 500 —
وفي لفظ :« وجعل ترابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء » قالوا فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقام لذكره معه، والطيب هاهنا : قيل الحلال، وقيل الذي ليس بنجس.
وقوله تعالى :﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهير به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال : أحدها - وهو مذهب الشافعي في الجديد - أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقها على ما يبلغ المنكبين وعلى ما يبلغ المرفقين كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة :﴿فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قالو : وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم ما رواه الدار قطني عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :« التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين » والقول الثاني : أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول الشافعي في القديم، والثالث أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة لما روي أن رجلاً أتى عمر فقال : إني أجنبت فلم أجد ماء؛ فقال عمر : لا تصل. قال عمار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال :« إنما كان يكفيك وضرب النبي ﷺ بيده الأرض ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه » ؟. ( طريق أخرى ) : قال أحمد عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق قال : كنت قاعداً مع ( عبد الله ) و ( أبي موسى ) فقال أبو يعلى لعبد الله : لو أن رجلاً لم يجد الماء، لم يصلِّ؟ فقال عبد الله ألا تذكر ما قال عمار لعمر؟ ألا تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ وإياك في إبل فأصابتني جنابة فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله ﷺ أخبرته، فضحك رسول الله ﷺ وقال :« إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعاً، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة » ؟ فقال عبد الله : لا جرم ما رأيت عمر قنع بذلك، قال، فقال له أبو موسى : فيكف بهذه الآية في سورة النساء :﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ ؟ قال : فما درى عبد الله ما يقول. وقال : لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم.
— 501 —
وقال في المائدة :﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فقد استدل بذلك الشافعي على أنه لا بد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء.
وقوله تعالى :﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي في الدين الذي شرعه لكم ﴿ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فلهذا أباح التيمم. إذا لم تجدوا الماء أن تعدلوا إلى التيمم بالصعيد، والتيمم نعمة عليكم لعلكم تشكرون، ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة بمشروعية التيمم دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال، قال رسول الله ﷺ :« أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل »، وفي لفظ :« فعنده مسجده وطهوره، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان يبعث النبي إلى قومه وبعثت إلى الناس كافة » وقال تعالى في هذه الآية الكريمة :﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ أي ومن عفوه عنكم وغفرانه ولكم أن شرع لكم التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء، توسعة عليكم ورخصة لكم، وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحوا المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ إلا أن يكون مريضاً أو عادماً للماء، فإن الله عزَّ وجلَّ قد أرخص في التيمم - والحالة هذه - رحمة بعباده ورأفة بهم وتوسعة عليهم، ولله الحمد والمنة.
( ذكر سبب نزول مشروعية التيمم )
وإنما ذكرنا ذلك هاهنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أُحُد بيسير، في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هنا وبالله الثقة. قال البخاري عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى ابي بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال : حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء!! قالت عائشة : فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ على غير ماء حين أصبح، فأنزل الله آية التيمم فتيموا، فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.
— 502 —
( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد عن ابن عباس عن عمار بن ياسر : أن رسول الله ﷺ عرَّس بذات الجيش ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
( حديث آخر ) : قال الحافظ بن مردويه عن الأسلع بن شريك، قال :« كنت أرحِّل ناقة رسول الله ﷺ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله ﷺ وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء واغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال :» يا أسلع مالي أرى رحلتك قد تغيرت « قلت يا رسول الله : لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال :» ولم «؟ قالت : إني أصابتني جنابة فخشيت القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها ورضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، فأنزل الله تعالى :﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ » وقد روي من وجه آخر عنه.
— 503 —

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

محمد نسيب الرفاعي

عرض الكتاب