سورة النساء | الآية ٦٢

عرض السورة
التَّفسير

ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
كعب: أنتم والله أهدى سبيلا ممّا عليه محمد، فأنزل الله الآية إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ «١» : يعني كعبا وأصحابه، يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يعني الصنمين يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أبي سفيان وأصحابه: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا محمد وأصحابه سَبِيلًا أي دينا.
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ يعني ألهم، والميم صلة نَصِيبٌ حظ مِنَ الْمُلْكِ وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم من الملك فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ محمدا وأصحابه نَقِيراً من حسدهم وبخلهم وبغضهم. رفع قوله (يُؤْتُونَ) [.....] «٢».
وفي قراءة عبد الله: فإذا لا يؤتوا الناس بالنصب [.....] «٣».
واختلفوا في النقير، فقال ابن عباس: هو النقطة في ظهر النواة، ومنها: [.....] «٤»
مجاهد: حبّة النواة التي وسطها «٥».
الضحّاك: يعني النواة الأبيض الذي يكون وسطها. أبو العالية: هو نقر الرجل الشيء بطرف إصبعه، كما ينقر الدرهم وقال: سألت ابن عباس عنه فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعها وقال: هذا هو النقير «٦».

[سورة النساء (٤) : الآيات ٥٤ الى ٦٣]

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
(١) أسباب النزول للواحدي: ١٠٤.
(٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط.
(٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط.
(٤) كلمات غير مقروءة في المخطوط.
(٥) راجع زاد المسير: ٢/ ١٤٠، ولسان العرب: ٥/ ٢٢٨.
(٦) راجع تفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٠.
— 328 —
أَمْ يَحْسُدُونَ يعني اليهود النَّاسَ: قال قتادة: يعني العرب حسدوهم على النبوّة وبما أكرمهم الله تعالى به محمد صلّى الله عليه وسلّم.
عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت عليا (عليه السلام) على المنبر في قوله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال: هو رسول الله وأبو بكر وعمر (عليهم السلام).
وقال آخرون: المراد بالناس هنا يعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حسدوه على ما أحل الله له من النساء وذلك ما
روى علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي في قوله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني بالناس في هذه الآية نبيّ الله، قالت اليهود: انظروا إلى هذا النبي، والله ما يشبع من طعام، لا والله ماله همّ إلّا النساء، لو كان نبي لشغله أمر النبوة عن النساء، فحسدوه على كثرة نسائه وعيّروه بذلك فقالوا: لو كان نبيّا ما رغب في كثرة النساء، فأكذبهم الله تعالى فقال: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، يعني بالحكمة النبوّة.
وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فأخبرهم بما كان لداود وسليمان من النساء، فوبّخهم لذلك، فأقرت اليهود لنبي الله (عليه السلام) أنّه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألف امرأة عند رجل، ومائة امرأة عند رجل أكثر أو تسع نسوة؟ وكان يومئذ تسع نسوة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسكتوا «١».
قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أعرض عنه فلم يؤمن به وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً وقودا.
قال السدي: [الآيتان] راجعتان الى إبراهيم (عليه السلام) وذلك أنه زرع ذات سنة وزرع الناس، فهلكت زروع الناس وزكا زرع إبراهيم، واحتاج الناس إليه، وكانوا يأتون إبراهيم (عليه السلام) يسألونه، فقال لهم: من آمن بالله أعطيته، ومن أبى منعته، فمن آمن به أتاه الزرع ومن أبى لم يعطه «٢».
عن عمرو بن ميمون الأودي قال: لمّا تعجل موسى (عليه السلام) إلى ربّه عزّ وجل، مرّ
(١) تفسير أبي حمزة الثمالي: ١٤٤، والدر المنثور: ٢/ ١٧٣. [.....]
(٢) المصدر السابق.
— 329 —
برجل غبطه لقربه من العرش، فسأل عنه، فقال: يا ربّ من هذا؟ فقيل له: لن يخبرك اسمه، وسيخبرك بعمله، كان لا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وكان لا يعقّ والديه.
أبو زياد عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» «١» [٣٤٩].
وعن يوسف بن الحسين الرازي قال: سمعت ذا النون يقول: الحسود لا يسود.
الأصمعي قال: قال سفيان لمغني: إنّ الله يقول: «الحاسد عدوّ نعمتي غير راض بقسمتي بين عبادي».
قال الثعلبي: وأنشدت لمنصور الفقيه في معناه:
ألا قل لمن كان لي حاسداأتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعلهإذا أنت لم ترض لي ما ذهب
جزاؤك منه الزيادات ليوأن لا تنال الذي تطلب «٢»
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً ندخلهم نارا، وقرأ حميد بن قيس: نصليهم بفتح النون: أي نسوّيهم، وقيل: معناه نصليهم. فنصب نارا على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار.
كُلَّما نَضِجَتْ (جُلُودُهُمْ) بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها غير الجلود المحترقة. قال ابن عبّاس: يبدّلون جلودا بيضا كأصناف القراطيس. نافع عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال عمر: أعدها، فأعادها، قال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها:
بدّلت في ساعة مائة مرّة؟، قال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول.
هشام عن الحسن في قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال:
تأكلهم كل يوم سبعين ألف مرّة كلّما أكلتهم فأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا.
المسيّب عن الأعمش عن مجاهد قال: ما بين جلده ولحمه ودمه دود فأجلدت كجلدة حمر الوحش.
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا وضرسه مثل أحد» «٣» [٣٥٠].
(١) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٠٨ ح ٤٢١٠.
(٢) روضة الواعظين للفتال النيشابوري: ٤٢٤.
(٣) كنز العمال: ١٤/ ٥٢٩، والدر المنثور: ٢/ ١٧٤.
— 330 —
فإن قيل: كيف جاز أن يعذّب جلد لم يعصه قلنا: إنّ المعاصي والألم واقع على نفس.
الإنسان لا الجلد، لأن الجلود إنما تألم بالأرواح، والدليل على من يقصد تعذيب الأبدان لا يعذّب [الجلود] قوله: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ «١»، لم يقل ليذوق العذاب.
وقيل: معناه: يبدّل جلودا هي تلك الجلود المحترقة، وذلك أنّ غير على ضربين: غير تضاد، وغير تناف، وغير تبديل، فغير تضاد مثل قولك: للصّائغ صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره فيكسره ويصوغ لك خاتما، فالخاتم المصوغ هو الأول ولكن الصياغة تغيّرت والفضّة واحد.
وهذا كعهدك بأخ لك صحيحا ثم تراه بعد ذلك سقيما مدنفا فتقول: فكيف أنت؟ فيقول:
أنا على غير ما عهدت، فهو هو، ولكن حاله تغيّرت، ونظير هذا قوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ «٢» وهي تلك الأرض بعينها إلّا أنها قد بدّلت جبالها وآكامها وأنهارها وأشجارها، وأنشد:
فما النّاس بالنّاس الذين عهدتهمولا الدّار بالدّار التي كنت أعرف
قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصير محمد بن محمد بن مزاحم يقول: سمعت مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت جابر بن زيد يقول:
سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت إسرائيل يقول: سمعت الشعبي يقول: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة ذمّت دهرها وذلك [أنها] أنشدت بيتي لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتلذّذون مجانة ومذلّةويعاب قائلهم وإن لم يشغب «٣»
فقالت: رحم الله لبيد وكيف لو أدرك زماننا هذا.
فقال له ابن عباس: لئن ذمّت [عائشة] دهرها لقد ذمت عاد دهرها، وذلك إنه وجد في خزانة عاد بعد ما هلكت سهم كأطول ما يكون من رماحا عليه مكتوب:
وليس لي أحناطي «٤» بذي اللوىلوى الرمل من قبل النفوس «٥» معاد
بلاد بها كنا ونحن من أهلهاإذ الناس ناس «٦» والبلاد بلاد «٧»
(١) سورة النساء: ٥٦.
(٢) سورة إبراهيم: ٤٨.
(٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٤٠، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٥، ولسان العرب: ٩/ ٨٤.
(٤) كذا في المخطوط وفي المعجم: ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى.
(٥) في المعجم: الممات.
(٦) في المعجم: إذ الأهل أهل.
(٧) معجم البلدان للحموي: ٣/ ٣٦٢.
— 331 —
البلاد باقية كما هي إلّا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت «١».
وقالت الحكماء: كما إن الجلد يلي قبل البعث فأنشئ كذلك تبدل [ورجع].
وقال: [السدّيّ] : إنما تبدل الجلود جلودا غيرها من لحم الكافر، يعيد الجلد لحما ويخرج من اللحم جلدا آخر لم يبدّل بجلد لم يعمل خطيئة.
وقيل: أراد بالجلود سرابيلهم من قطران سمّيت بها للزومها جلودهم على [المجاورة] كما يقال للشيء [الخاص] بالإنسان هو جلدة ما بين [عضمه] ووجهه فكلما احترقت السرابيل عذّب.
قال الشاعر:
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودهافويل لتيم من سرابيلها الخضر «٢»
فكنّى عن جلودهم بالسرابيل.
قال عبد العزيز بن يحيى: إن الله تعالى أبدل أهل النار جلودا لا تألم ويكون [رماده] عذاب عليهم فكلّما أحرق جلدهم أبدلهم الله تعالى جلدا غيره.
يكون هذا عذابا عليهم كما قال: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ «٣» فتكون السرابيل تؤلمهم ولا يألم.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إلى قوله ظِلًّا ظَلِيلًا.
كثيف لا يسخنه الشمس.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.
نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلّى الله عليه وسلّم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المفتاح، فقيل: إنّه مع عثمان، فطلب منه علي (رضي الله عنه) فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصلّى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليا أن يردّ المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي (رضي الله عنه).
فقال له عثمان: يا علي [كرهت] «٤» وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية.
(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٥.
(٢) لسان العرب: ١١/ ٧٣٨ وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٤.
(٣) سورة إبراهيم: ٥٠. [.....]
(٤) هكذا في الأصل.
— 332 —
فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم.
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا أي نعم الشيء أي يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.
اختلفوا فيهم، فقال عكرمة: أولي الأمر منكم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ويدلّ عليه ما
روى مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر «١» إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض أما في السماء جبرئيل وميكائيل، وفي الأرض أبو بكر وعمر» ! «٢» [٣٥١] وهما عندي بمنزلة الرأس من الجسد! ومثلهما في الدنيا بالرأفة فمثل أبي بكر كمثل ابراهيم وعيسى، قال إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي «٣».
وقال عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ «٤» الآية.
ومثل عمر كمثل موسى ونوح قال موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ «٥».
وقال نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٦».
وقال أبو بكر [الورّاق] : هم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (عليهم السلام)، ويدلّ عليه ما
روى [هشيم] عن ابن بشير عن أبي [الزبير عن] جابر بن عبد الله قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الخلافة بعدي في أمتي في أربع في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي» [٣٥٢].
وروي سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: لما بنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد، جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه فقال: هؤلاء ولاة الأمر من بعدي.
(١) المستدرك: ٣/ ٧٥.
(٢) الجامع الصغير: ١/ ٣٧٣ ح ٢٤٣٨ وفيه: من أهل السماء، بدل: في السماء، ومن أهل الأرض، بدل:
في الأرض.
(٣) سورة إبراهيم: ٣٦.
(٤) سورة المائدة: ١١٨.
(٥) سورة يونس: ٨٨.
(٦) سورة نوح: ٢٦.
— 333 —
عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بالإحسان، دليل قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الآية.
بكر بن عبد الله المزني: هم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدلّ عليه
قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» [٣٥٣] «١».
وعن الحسن: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «مثل أصحابي في الناس مثل الملح في الطعام فلما ذهب فسد الطعام» [٣٥٤] «٢».
جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد والمبارك بن فضالة وإسماعيل بن أبي خالد:
هم الفقهاء والعلماء أهل الدين والفضل الذين يعلّمون الناس معالم دينهم ويأمرونكم بالمعروف وينهونكم عن المنكر، وأوجب الله طاعتهم على العباد.
هذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو دليل هذا التأويل.
قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ الآية.
فقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعزّ من العلم الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك.
ابن كيسان: أولو العقل والرأي الذين [يهتمّون] بأمور الناس.
قال ابن عباس: أساس الدين بني على العقل وفرضت الفرائض على العقل، وربّنا يعرف بالعقل ويتوسل إليه بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من [بر] العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام «٣».
وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: قال: [الثوري] أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء:
إذا رأيت عاقلا فكن له خادما.
ميمون بن مهران ومقاتل والسدي [والشعبي] : أمراء السرايا.
[سعيد بن جبير] عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء العرب وكان معه عمار بن ياسر فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرّس لكي ينصحهم فأتاهم [النذير] وهربوا غير رجل كان قد أسلم فأمر أصحابه تهيّأوا للمسير فثم انطلق حتى اتى عسكر خالد فدخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني مسلم وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا وأقمت كلامي ونافعي ذلك أو أهرب كما هرب قومي.
(١) كشف الخفاء: ١/ ١٣٢.
(٢) الجامع الصغير: ٢/ ٥٣٣ ح ٨١٦ بتفاوت يسير، وكنز العمال: ١١/ ٥٣١ ح ٣٢٤٧٦.
(٣) راجع روضة الواعظين: ٤.
— 334 —
فقال: أقم فإنّ ذلك نافعك، فانصرف الرجل إلى أهله وأمرهم بالمقام، فأصبح خالد وقام على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل فأخذه وأخذ ماله فأتاه عمار فقال: خلّ سبيل الرجل فإنه مسلم وقد كنت آمنته وأمرته بالمقام.
فقال خالد: إنك تجير عليّ وأنا الأمير، فقال: نعم. أجير عليك وأنا الأمير، وكان في ذلك منهما كلام، فانصرفوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبروه خبر الرجل فآمنه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأجاز أمان عمار ونهاه بعد ذلك على أمير بغير إذنه.
قال: فاستبّ عمار وخالد أمام النبي صلّى الله عليه وسلّم فأغلظ عمار لخالد وغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يسبني فو الله لولا أنت ما سبّني عمار.
وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا خالد كف عن عمار فإنه من يسبّ عمارا يسبّه الله ومن يبغض عمارا يبغضه الله» «١» [٣٥٥]، فقام عمار وتبعه خالد فأخذ بثوبه وسأله أن يرضى عنه فرضي عنه.
وأنزل الله هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر.
وقال أبو هريرة وابن زيد: هم الأمراء والسلاطين لما أمروا بأداء الأمانة في الرعيّة، لقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [أمرت الرعية] بحسن الطاعة لهم.
وقال عليّ كرم الله وجهه: «حق على الإمام أن يحكم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك حق على الرعية أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا» [٣٥٦].
قال الشافعي (رضي الله عنه) : إن من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف أمارة وكانت تأنف أن يعطي بعضها بعضا طاعة الأمارة، فلما دانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر «٢».
وقال عكرمة: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن.
قيل له: أي القرآن قال: اعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وأن عمر من أولي الأمر! وأنه قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطا.
عبد الرحمن بن الأعرج وهمام بن منبه وأبو صالح كلهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني» «٣» [٣٥٧].
(١) أسباب نزول الآيات: ١٠٦.
(٢) الرسالة للشافعي: ٨٠، رقم ٢٦١.
(٣) رياض الصالحين: ٣٣٨، ومسند الشاميين: ٤/ ٢٧٢، بزيادة نهاية الحديث في المصدر الثاني.
— 335 —
وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء فإذا مات نبي قام نبي وانه ليس بعدي نبي» [٣٥٨].
فقال رجل: فما يكون بعدك؟ قال يكون خلفاء [ويكثر].
قالوا: وكيف نصنع؟ قال: « [أدوا] بيعة الأول فالأول، وأدّوا إليهم مالهم فإن الله سائلهم عن الذي لكم» «١» [٣٥٩].
علقمة بن وائل عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورجل يسأله: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقّنا ويسألوننا حقّهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اسمعوا وأطيعوا فإنّ عليهم ما حمّلوا وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ» «٢» [٣٦٠].
وعن أبي إمامة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: في حجة الوداع: «وهو على [الجدعاء] يعني ناقته فدعا في الركاب يتطاول» [٣٦١].
قال: ليسمع الناس فقال: ألا تسمعون؟ - يطول بها صوته- فقال قائل من طوائف الناس:
ما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: «اعبدوا ربكم وصلّوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا أولي الأمر تدخلوا جنة ربكم» «٣» [٣٦٢].
مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبّنّ أحدا من أصحابي» [٣٦٣].
هشام عن أبي صالح عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببرّه والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم» «٤» [٣٦٤].
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي شَيْءٍ من أمر دينكم اختلاف الآراء فيتعاطى كلّ واحد ما يرى خلاف رأي صاحبه وأصله من النزع كان المتنازعين يتحازبان ويتحالفان، ومنه قال:
مناوأة: منازعة.
قال الأعشى:
نازعتم قضب الريحان متكئاوقهوة مرّة راووقها خضل «٥»
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ يعني إلى كتاب الله وَالرَّسُولِ ما دام حيّا، فإذا مات فإلى سنّته، وقوله:
(١) صحيح ابن حبّان: ١٠/ ٤١٩. [.....]
(٢) نظرات في الكتب الخالدة: ٩٥.
(٣) كنز العمال: ٥/ ٢٩٤، بتفاوت يسير.
(٤) المعجم الأوسط: ٦/ ٢٣٧.
(٥) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٦١، والراووق: المصفّاة.
— 336 —
ذلِكَ خَيْرٌ أي ذلك الردّ خير لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا جزاء وعاقبة، والتأويل ما يؤول للأمر.
أبو المليح الهذلي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اعملوا بالقرآن، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما اشتبه عليكم، فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كيما يخبروكم، وآمنوا به وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنّه شافع مشفّع وكامل مصدّق وله بكلّ حرف نور يوم القيامة» «١» [٣٦٥].
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا الآية.
قال الحسن: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: الآخر لا بل انطلق إلى وثن بيت فلان [فأنزل] الله هذه الآية.
قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي:
أحاكمك إلى محمّد، وقال المنافق: لا، فجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنّه علم أنهم لا يقبلون الرشوة ولا يجورون في الحكم، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود لأنّه علم أنّهم يقبلون الرشوة ويميلون في الحكم فاختلفا. ثم اتّفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بسر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: انطلق بنا إلى محمّد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلّا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلمّا رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاختصما إليه، فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر (رضي الله عنه) فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمّد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم.
فقال لهما: رويد كما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهرب اليهودي ونزلت هذه الآية.
وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق.
وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا وأبى بعضهم وكانت قريضة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريضة رجلا من بني النضير قتل به وأخذ ديته مائة وسق تمر وإذا
(١) تفسير الثعالبي: ١/ ١٧٧، والمستدرك: ١/ ٥٦٨.
— 337 —
قتل رجل من بني النضير رجلا من قريضة لم يقتل به وأعطى ديته ستّين وسقا من تمر وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.
فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة. قتل رجل من بني النضير رجلا من قريضة فاختصموا في ذلك.
فقالت بنو النضير: قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وعلى أن ديتكم ستون وسقا والوسق ستون صاعا وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك.
وقالت الخزرج: هذا شيء كنتم قلتموه «١» في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا، فقهرتمونا ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد وليس لكم علينا فضل، وقالت بنو النضير: لا بل نحن على ما كنا.
فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ومالك بن خزيمة، وقال المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم.
فقال: أعظموا اللقمة- يعني الرشوة- فقالوا: لك عشرة أوسق قال: لا. بل مائة وسق ديتي فاني أخاف إن نصرت النضيري قتلتني قريظة أو أنصر قريظة قتلتني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى «٢» وقوله وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «٣» الآية فدعا النبي صلّى الله عليه وسلّم كاهن [اسلم] إلى الإسلام فأتى وانصرف فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لابنيه: «أدركا أباكما فإنّه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبدا» [٣٦٦] فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم مناديا ينادي ذلك الكاهن أسلم قد أسلم «٤»، فذلك قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني الصنم
، وقيل:
الكاهن، وقيل: كعب بن الأشرف، وقيل: حيي بن أخطب.
وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ إلى قوله: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً إعراضا فكل الفعل بمصدره كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً وقوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يعني فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام. ثم ابتدأ الخبر عن فعلهم يعني يتحاكمون إلى الطاغوت وهم يكفرون بالله ومعنى قوله ثُمَّ جاؤُكَ أي يحيوك.
(١) في المصدر: فعلتموه.
(٢) سورة البقرة: ١٧٨.
(٣) سورة المائدة: ٤٥.
(٤) أسباب النزول للواحدي: ١٠٩.
— 338 —

الكشف والبيان عن تفسير القرآن

الثعلبي

عرض الكتاب