سورة المرسلات | الآية ٤

عرض السورة
التَّفسير

ﮚﮛ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
روح البيان
إسماعيل حقي
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة المرسلات
وهي خمسون آية مكية

[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦)
[في قوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً إلى قوله فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا جِنْسًا وَاحِدًا أَوْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا بِأَسْرِهَا الْمَلَائِكَةُ فَالْمُرْسَلَاتُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ إِمَّا بِإِيصَالِ النِّعْمَةِ إِلَى قَوْمٍ أَوْ لِإِيصَالِ النِّقْمَةِ إِلَى آخَرِينَ، وَقَوْلُهُ: عُرْفاً فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا:
مُتَتَابِعَةٌ كَشَعْرِ الْعُرْفِ يُقَالُ: جَاءُوا عُرْفًا وَاحِدًا وَهُمْ عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِذَا تَأَلَّبُوا عَلَيْهِ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعُرْفِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ النَّكِرَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ إِنْ كَانُوا بُعِثُوا لِلرَّحْمَةِ، فَهَذَا الْمَعْنَى فِيهِمْ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانُوا لِأَجْلِ الْعَذَابِ فَذَلِكَ الْعَذَابُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لِلْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَقَمَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْهُمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَأَنَّهُ قِيلَ: وَالْمُرْسَلَاتِ إِرْسَالًا أَيْ مُتَتَابِعَةً وَانْتِصَابُ عُرْفًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَالِ، وَعَلَى الثَّانِي لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا أَيْ أُرْسِلَتْ لِلْإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ وَقَوْلُهُ: فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً فِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرْسَلَ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةَ فَهُمْ عَصَفُوا فِي طَيَرَانِهِمْ كَمَا تَعْصِفُ الرِّيَاحُ وَالثَّانِي: أن هؤلاء أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الْكَافِرِ يُقَالُ: عَصَفَ بِالشَّيْءِ إِذَا أَبَادَهُ وَأَهْلَكَهُ، يُقَالُ: نَاقَةٌ عَصُوفٌ، أَيْ تَعْصِفُ بِرَاكِبِهَا فَتَمْضِي كَأَنَّهَا رِيحٌ فِي السُّرْعَةِ، وَعَصَفَتِ الْحَرْبُ بِالْقَوْمِ، أَيْ ذَهَبَتْ بِهِمْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي فَيْلَقٍ شَهْبَاءُ مَلْمُومَةٌتَعْصِفُ بِالْمُقْبِلِ وَالْمُدْبِرِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالنَّاشِراتِ نَشْراً مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ نَشَرُوا أَجْنِحَتَهُمْ عِنْدَ انْحِطَاطِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ نَشَرُوا الشَّرَائِعَ فِي الْأَرْضِ، أَوْ نَشَرُوا الرَّحْمَةَ أَوِ الْعَذَابَ، أَوِ الْمُرَادُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ/ الْكُتُبَ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَهِيَ الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ، قَالَ تَعَالَى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الْإِسْرَاءِ: ١٣] وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ
— 764 —
نَشَرُوا الشَّيْءَ الَّذِي أُمِرُوا بِإِيصَالِهِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَنَشْرِهِ فِيهِمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْفارِقاتِ فَرْقاً مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَفْرِقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَوْلُهُ: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنَ الذِّكْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، كَمَا قَالَ: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [النَّحْلِ: ٢] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هو القرآن خاصة، وهو قوله: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [الْقَمَرِ: ٢٥] وَقَوْلُهُ: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ [الْقَصَصِ: ٨٦] وَهَذَا الْمُلْقِي وَإِنْ كَانَ هُوَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْوَاحِدُ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقَسَمِ التَّنْبِيهُ عَلَى جَلَالَةِ الْمُقْسَمِ بِهِ، وَشَرَفُ الْمَلَائِكَةِ وَعُلُوُّ رُتْبَتِهِمْ أَمْرٌ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: شِدَّةُ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النحل: ٥٠] ولا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٧] وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ أَقْسَامٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُرْسَلُ لِإِنْزَالِ الْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْسَلُ لِلُزُومِ بَنِي آدَمَ لِكِتَابَةِ أَعْمَالِهِمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالنَّهَارِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِاللَّيْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْسَلُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْسَلُ بِالْوَحْيِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى أُخْرَى، إِلَى أَنْ يَنْزِلَ بِذَلِكَ الْوَحْيِ مَلَكُ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَمِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ إِلَى الْكَعْبَةِ عَلَى مَا رُوِيَ ذَلِكَ فِي الْأَخْبَارِ، فَهَذَا مِمَّا يَنْتَظِمُهُ قَوْلُهُ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ثُمَّ مَا فِيهَا مِنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، كَقَوْلِهِ: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [الْمَعَارِجِ: ٤] ثُمَّ مَا فِيهَا مِنْ نَشْرِ أَجْنِحَتِهِمُ الْعَظِيمَةِ عِنْدَ الطَّيَرَانِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ وَالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَإِظْهَارِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِسَبَبِ إِنْزَالِ ذَلِكَ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَإِلْقَاءِ الذِّكْرِ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْوَحْيِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَلَائِكَةُ هُمُ الْوَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي الفوز فجميع السَّعَادَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ وَالْخَيْرَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِمْ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ بِأَسْرِهَا الرِّيَاحُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِرِيَاحِ عَذَابٍ أَرْسَلَهَا عُرْفًا، أَيْ مُتَتَابِعَةً كشعر العرف، كما قال: يُرْسِلُ الرِّياحَ [الروم: ٤٦] وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ [الْحِجْرِ: ٢٢] ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَدُّ حَتَّى تَصِيرَ عَوَاصِفَ وَرِيَاحَ رَحْمَةٍ نَشَرَتِ السَّحَابَ فِي الْجَوِّ، كَمَا قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [النمل: ٦٣] وَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ [الرُّومِ: ٤٨] وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: الرِّيَاحُ تُعِينُ النَّبَاتَ وَالزَّرْعَ وَالشَّجَرَ عَلَى النُّشُورِ وَالْإِنْبَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُلَقِّحُ فَيَبْرُزُ النَّبَاتُ بِذَلِكَ، عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الْحِجْرِ: ٢٢] فَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَكُونُ الرِّيَاحُ نَاشِرَةً لِلنَّبَاتِ وَفِي كَوْنِ الرِّيَاحِ فَارِقَةً وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ الرِّيَاحَ تُفَرِّقُ بَعْضَ أَجْزَاءِ السَّحَابِ عَنْ بَعْضٍ وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَرَّبَ بَعْضَ الْقُرَى بِتَسْلِيطِ الرِّيَاحِ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا/ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ [الْحَاقَّةِ: ٦] وَذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَاءِ اللَّهِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ عِنْدَ حُدُوثِ الرِّيَاحِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَتَرْتِيبِ الْآثَارِ الْعَجِيبَةِ عَلَيْهَا مِنْ تَمَوُّجِ السَّحَابِ وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ تَصِيرُ الْخَلْقُ مُضْطَرِّينَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ وَالتَّضَرُّعِ عَلَى بَابِ رَحْمَتِهِ، فَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقِرِّ وَالْمُنْكِرِ وَالْمُوَحِّدِ وَالْمُلْحِدِ، وَقَوْلُهُ: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا شَاهَدَ هُبُوبَ الرِّيَاحِ الَّتِي تَقْلِعُ الْقِلَاعَ، وَتَهْدِمُ الصُّخُورَ وَالْجِبَالَ، وَتَرْفَعُ الْأَمْوَاجَ تَمَسَّكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالْتَجَأَ إِلَى إِعَانَةِ اللَّهِ، فَصَارَتْ تِلْكَ الرِّيَاحُ كَأَنَّهَا أَلْقَتِ الذِّكْرَ وَالْإِيمَانَ وَالْعُبُودِيَّةَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ تَكُونُ عَلَى
— 765 —
سَبِيلِ الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الذِّكْرَ حَصَلَ عِنْدَ حُدُوثِ هَذِهِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ بَعْضَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسَةِ عَلَى الْقُرْآنِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ جَمِيعِهَا عَلَى الْقُرْآنِ، فَقَوْلُهُ: وَالْمُرْسَلاتِ الْمُرَادُ مِنْهَا الْآيَاتُ الْمُتَتَابِعَةُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَوْلُهُ: عُرْفاً أَيْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ بِكُلِّ عُرْفٍ وَخَيْرٍ وَكَيْفَ لَا وَهِيَ الْهَادِيَةُ إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ والموصلة إلى مجامع الخيرات وفَالْعاصِفاتِ عَصْفاً فَالْمُرَادُ أَنَّ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ كَانَتْ ضَعِيفَةً فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ عَظُمَتْ وَقَهَرَتْ سَائِرَ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ، فَكَأَنَّ دَوْلَةَ الْقُرْآنِ عَصَفَتْ بِسَائِرِ الدُّوَلِ وَالْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ وَقَهَرَتْهَا، وَجَعَلَتْهَا بَاطِلَةً دَائِرَةً، وَقَوْلُهُ: وَالنَّاشِراتِ نَشْراً الْمُرَادُ أَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ نَشَرَتْ آثَارَ الْحِكْمَةِ وَالْهِدَايَةِ فِي قُلُوبِ الْعَالَمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَقَوْلُهُ: فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَذَلِكَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ هِيَ الَّتِي تَفْرِقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ فُرْقَانًا، وَقَوْلُهُ: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً فَالْأَمْرُ فِيهِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ ذِكْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١] وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ، [الأنبياء: ٥٠] وتذكرة كَمَا قَالَ: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الْحَاقَّةِ: ٤٨] وَذِكْرَى كَمَا قَالَ: ذِكْرى لِلْعالَمِينَ [الْأَنْعَامِ: ٩٠] فَظَهَرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسَةِ بِالْقُرْآنِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُمْكِنُ حَمْلُهَا أَيْضًا عَلَى بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً هُمُ الْأَشْخَاصُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا بِالْوَحْيِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أُرْسِلُوا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً مَعْنَاهُ أَنَّ أَمْرَ كُلِّ رَسُولٍ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَقِيرًا ضَعِيفًا، ثُمَّ يَشْتَدُّ وَيَعْظُمُ وَيَصِيرُ فِي الْقُوَّةِ كَعَصْفِ الرِّيَاحِ وَالنَّاشِراتِ نَشْراً الْمُرَادُ مِنْهُ انْتِشَارُ دِينِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ وَمَقَالَتِهِمْ فَالْفارِقاتِ فَرْقاً الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَفْرِقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِلْحَادِ فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ الْخَلْقَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِهِ وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا مُسْتَغْرِقًا فِي طَلَبِ لَذَّاتِهَا وَرَاحَاتِهَا، فَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ يَرِدُ فِي قَلْبِهِ دَاعِيَةُ الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي خِدْمَةِ الْمَوْلَى، فَتِلْكَ الدَّوَاعِي هِيَ الْمُرْسَلَاتُ عُرْفًا، ثُمَّ هَذِهِ الْمُرْسَلَاتُ لَهَا أَثَرَانِ أَحَدُهُمَا: إِزَالَةُ حُبِّ/ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالثَّانِي: ظُهُورُ أَثَرِ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ فِي جَمِيعِ الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُبْصِرَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَّا اللَّهَ، فَذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ: وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْكَشِفُ لَهُ نُورُ جَلَالِ اللَّهِ فَيَرَاهُ مَوْجُودًا، وَيَرَى كُلَّ مَا سِوَاهُ مَعْدُومًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ثُمَّ يَصِيرُ الْعَبْدُ كَالْمُشْتَهِرِ فِي مَحَبَّتِهِ، وَلَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ إِلَّا ذِكْرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ إِلَّا أَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ جِدًّا. وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي:
وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ شَيْئًا وَاحِدًا، فَفِيهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَهُوَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ هِيَ الرِّيَاحُ، فَقَوْلُهُ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً هِيَ الرِّيَاحُ التي تتصل على العرف المعتاد وفَالْعاصِفاتِ مَا يَشْتَدُّ مِنْهُ، وَالنَّاشِراتِ مَا يَنْشُرُ السَّحَابَ. أَمَّا قَوْلُهُ: فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْحَلَّالِ وَالْحَرَامِ، بِمَا يَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
— 766 —
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُتَحَمِّلَةُ لِلذِّكْرِ الْمُلْقِيَةُ ذَلِكَ إِلَى الرُّسُلِ، فَإِنْ قِيلَ: وَمَا الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الرِّيَاحِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسَمِ؟ قُلْنَا: الْمَلَائِكَةُ رُوحَانِيُّونَ، فَهُمْ بِسَبَبِ لَطَافَتِهِمْ وَسُرْعَةِ حَرَكَاتِهِمْ كَالرِّيَاحِ الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الِاثْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هُمَا الرِّيَاحُ، فَقَوْلُهُ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً هُمَا الرِّيَاحُ، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ الْمَلَائِكَةُ، لِأَنَّهَا تَنْشُرُ الْوَحْيَ وَالدِّينَ، ثُمَّ لِذَلِكَ الْوَحْيِ أَثَرَانِ أَحَدُهُمَا: حُصُولُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ وَالثَّانِي: ظُهُورُ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَا رَأَيْتُهُ لِأَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرُ الِاحْتِمَالِ أَيْضًا، وَالَّذِي يُؤَكِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً عَطَفَ الثَّانِيَ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَرْفِ الْفَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاوَ فَقَالَ: وَالنَّاشِراتِ نَشْراً وَعَطَفَ الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ الْفَاءِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلَانِ مُمْتَازَيْنِ عَنِ الثلاثة الأخيرة القول الثالث: يمكن أيضا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلَيْنِ الْمَلَائِكَةُ، فَقَوْلُهُ:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَقَوْلُهُ: فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ آيَاتُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهَا تَنْشُرُ الْحَقَّ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَتُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَتُلْقِي الذِّكْرَ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا مَا رَأَيْتُهُ لِأَحَدٍ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يذكر فيه وجوها، والله أعلم بمراده.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقَفَّالُ: الْوَجْهُ فِي دُخُولِ الْفَاءِ فِي بَعْضِ مَا وَقَعَ بِهِ الْقَسَمُ، وَالْوَاوِ فِي بَعْضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ الْفَاءُ تَقْتَضِي الْوَصْلَ وَالتَّعَلُّقَ، فَإِذَا قِيلَ: قَامَ زَيْدٌ فَذَهَبَ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَامَ لِيَذْهَبَ فَكَانَ قِيَامُهُ سَبَبًا لِذَهَابِهِ وَمُتَّصِلًا بِهِ، وَإِذَا قِيلَ: قَامَ وَذَهَبَ فَهُمَا خَبَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ، ثُمَّ إِنَّ الْقَفَّالَ لَمَّا مَهَّدَ هَذَا الْأَصْلَ فَرَّعَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِوُجُوهٍ لَا يَمِيلُ قَلْبِي إِلَيْهَا، وَأَنَا أُفَرِّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَأَقُولُ: أَمَّا مَنْ/ جَعَلَ الْأَوَّلَيْنِ صِفَتَيْنِ لِشَيْءٍ وَالثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ صِفَاتٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَالْإِشْكَالُ عَنْهُ زَائِلٌ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْكُلَّ صِفَاتٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَنَقُولُ: إِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ، فَالْمَلَائِكَةُ إِذَا أُرْسِلَتْ طَارَتْ سَرِيعًا، وَذَلِكَ الطَّيَرَانُ هُوَ الْعَصْفُ، فَالْعَصْفُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْإِرْسَالِ فَلَا جَرَمَ ذَكَرَ الْفَاءَ، أَمَّا النَّشْرُ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِرْسَالِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ أَوَّلَ مَا يُبَلِّغُونَ الْوَحْيَ إِلَى الرُّسُلِ لَا يَصِيرُ فِي الْحَالِ ذَلِكَ الدِّينُ مَشْهُورًا مُنْتَشِرًا، بَلِ الْخَلْقُ يُؤْذُونَ الْأَنْبِيَاءَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَيَنْسُبُونَهُمْ إِلَى الْكَذِبِ وَالسِّحْرِ وَالْجُنُونِ، فَلَا جَرَمَ لم يذكر الفاء التي تفيد بل ذكر الواو، بلى إِذَا حَصَلَ النَّشْرُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُصُولُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ، وَالْبَاطِلِ وَظُهُورُ ذِكْرِ الْحَقِّ عَلَى الْأَلْسِنَةِ فَلَا جَرَمَ ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِحَرْفِ الْفَاءِ، فَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قِيلَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْسَلْتُ الْمَلَكَ إِلَيْكَ بِالْوَحْيِ الَّذِي هُوَ عُنْوَانُ كُلِّ سَعَادَةٍ، وَفَاتِحَةُ كُلِّ خَيْرٍ، وَلَكِنْ لَا تَطْمَعْ فِي أَنْ نَنْشُرَ ذَلِكَ الْأَمْرَ في الحالة، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ الصَّبْرِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ، ثُمَّ إِذَا جَاءَ وَقْتُ النُّصْرَةِ أَجْعَلُ دِينَكَ ظَاهِرًا مُنْتَشِرًا فِي شَرْقِ الْعَالَمِ وَغَرْبِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْتِشَارِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ فَتَصِيرُ الْأَدْيَانُ الْبَاطِلَةُ ضَعِيفَةً سَاقِطَةً، وَدِينُكَ هُوَ الدِّينَ الْحَقَّ ظَاهِرًا غَالِبًا، وَهُنَالِكَ يُظْهِرُ ذَلِكَ اللَّهُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وفي المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم مملوا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذَا إِذَا حَمَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ عَرَفَ هَذَا الْوَجْهَ أَمْكَنَهُ ذِكْرُ مَا شَابَهَهُ فِي الرِّيَاحِ وَسَائِرِ الْوُجُوهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: عُذْراً أَوْ نُذْراً فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِيهِمَا قِرَاءَتَانِ التَّخْفِيفُ وَهُوَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصٍ وَالْبَاقُونَ قَرَءُوا
— 767 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب