سورة النبأ | الآية ٢٣

عرض السورة
التَّفسير

ﮱﯓﯔ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢١ الى ٤٠]

إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥)
جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
وقوله- سبحانه-: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً... كلام مستأنف لبيان أهوال جهنم وأحوالها. وجهنم: اسم لدار العذاب في الآخرة.
والمرصاد: مفعال من الرّصد. تقول: رصدت فلانا أرصده، إذا ترقبته وانتظرته، بحيث لا يهرب منك، «فمرصادا» صيغة مبالغة للراصد الشديد الرصد، وصفت جهنم بذلك، لأن الكافرين لا يستطيعون التفلت منها مهما حاولوا ذلك.
قال القرطبي: «مرصادا» مفعال من الرصد، والرصد: كل شيء كان أمامك... وقال مقاتل: «مرصادا» أى: محبسا. وقيل: طريقا وممرا. وذكر القشيري: أن المرصاد:
المكان الذي يرصد فيه الواحد العدد. أى: هي معدة لهم، فالمرصاد بمعنى المحل... وذكر
— 254 —
الماوردي، أنها بمعنى راصدة... وفي الصحاح: الراصد الشيء الراقب له. تقول: رصدته أرصده، إذا ترقبته... «١».
والمعنى: إن جهنم التي هي دار العذاب في الآخرة، كانت- بأمر الله- تعالى- ومشيئته- معدة ومهيئة للكافرين، فهي ترصدهم وترقبهم بحيث لا يستطيعون الهرب منها، فهي كالحارس اليقظ الذي يقف بالمرصد فلا يستطيع أحد أن يتجاوزه.
والمقصود بالآية الكريمة تهديد المشركين، وبيان أنهم لا مهرب لهم من جهنم، وأنها في انتظارهم، كما ينتظر العدو عدوه ليقضى عليه.
وقوله: لِلطَّاغِينَ مَآباً بدل من مِرْصاداً وقوله مَآباً من الأوب بمعنى المرجع. يقال: آب فلان يؤوب، إذا رجع...
أى: إن جهنم كانت للمتجاوزين الحد في الظلم والطغيان، هي المكان المهيأ لهم، والذي لا يستطيعون الهرب منه، بل هي مرجعهم الوحيد الذي يرجعون إليه.
وقوله: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً أى: مقيمين في جهنم أزمانا طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله- تعالى- إذ الأحقاب: جمع حقب- بضمتين أو بضم فسكون-، وهو الزمان الطويل.
لا يَذُوقُونَ فِيها أى: في جهنم بَرْداً أى: شيئا يخفف عنهم حرها، من هواء بارد، أو نسيم عليل وَلا شَراباً أى: شيئا من الشراب الذي يطفئ عطشهم، ويخفف من عذابهم.
إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً والحميم. هو الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. والغساق: هو ما يسيل من جلودهم من القيح والدماء والصديد. يقال: غسق الجرح- كضرب وسمع- غسقانا، إذا سالت منه مياه صفراء. أى: أن هؤلاء الطغاة لا يذوقون في جهنم شيئا من الهواء البارد، ولا من الشراب النافع، لكنهم يذوقون فيها الماء الذي بلغ النهاية في الحرارة، والصديد الذي يسيل من جروحهم وجلودهم.
فالاستثناء في قوله إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، استثناء منقطع، لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب في شيء.
وقوله- سبحانه- جَزاءً وِفاقاً بيان لعدالة الله- تعالى- معهم، أى: أننا لم
(١) تفسير القرطبي ج ١٩ ص ١٩٩.
— 255 —
نظلمهم بإلقائهم في جهنم، وإنما جازيناهم بذلك جزاء موافقا لأعمالهم السيئة في الدنيا.
فقوله: جَزاءً منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقوله وِفاقاً صفة له والوفاق مصدر وافق، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل. أى: جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم القبيحة التي كانوا يعملونها في الدنيا.
ثم علل- سبحانه- ما أصابهم من عذاب أليم، فقال: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً. وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً. أى: إن هؤلاء الطغاة كانوا في الدنيا لا يخافون حسابنا، ولا يفكرون فيه، بل كانوا يكذبون به، وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما.
وقوله: كِذَّاباً مصدر كذب، ومجيء فعّال بمعنى تفعيل في مصدر فعّل فصيح شائع.
وأوثر هذا المصدر دون التكذيب، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات الله- تعالى- قد وصل الغاية في قبحه وإفراطه. وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله.
قال صاحب الكشاف: قوله كِذَّاباً أى: تكذيبا. وفعّال في باب فعّل، كله فاش في كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره. وهو مصدر كذّب... «١».
ثم بين- سبحانه- شمول علمه لكل شيء فقال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً و «كل» منصوب على الاشتغال، والإحصاء للشيء: ضبطه ضبطا محكما. وأصله من لفظ الحصا، واستعمل فيه لأنهم كانوا يعتمدون على الحصا في العد، كما يعتمد بعض الناس الآن على الأصابع.
قال الجمل: وقوله: كِتاباً فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر من معنى أحصيناه، أى:
إحصاء فالتجوز في نفس المصدر. والثاني: أنه مصدر لأحصينا، لأنه في معنى كتبنا. فالتجوز في نفس الفعل... «٢». أى: وكل شيء في هذا الكون، قد أحصيناه إحصاء تاما، بحيث لا يعزب منه شيء عن علمنا، مهما كان صغيرا.
والفاء في قوله فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً للتفريع على ما تقدم من كون جهنم كانت مرصادا، للطاغين مآبا...
أى: إن جهنم كانت معدة ومهيأة لهؤلاء الطغاة بسبب أعمالهم القبيحة، وسيقال لهم يوم القيامة على سبيل الإذلال والإهانة، ذوقوا سوء عاقبة كفركم وفسوقكم وعصيانكم، فلن نزيدكم إلا عذابا فوق العذاب الذي أنتم فيه.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٨٩.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٤٧٤.
— 256 —
قال ابن كثير: قال قتادة، عن أبى أيوب الأزدى، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل في شأن أهل النار آية أشد من هذه الآية فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال: فهم في مزيد من العذاب أبدا... «١».
وكعادة القرآن الكريم في الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار، جاء الحديث عن حسن عاقبة المتقين، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال- تعالى-: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أى: للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى ربهم... مَفازاً أى: فوزا برضوانه وجنته فقوله مَفازاً مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب، وتنوينه للتعظيم.
ثم فصل- سبحانه- مظاهر هذا الفوز فقال: حَدائِقَ وَأَعْناباً أى: إن لهم في هذه الجنان التي ظفروا بها حدائق، أى:
بساتين فيها ماء وأشجار مثمرةسميت بذلك تشبيها لها بحدقة العين في الهيئة، وحصول الماء فيها.
وإن لهم- كذلك- في هذه الجنان أَعْناباً جمع عنب، وهو الكرم، وخصت الأعناب بالذكر، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس.
وإن لهم- أيضا- كَواعِبَ أَتْراباً أى: فتيات في ريعان الشباب، قد تقاربت أعمارهن، وتساوين في الجمال والنضارة وحسن الهيئة.
فالكواعب، جمع كاعب، وهي الفتاة التي وصلت إلى سن البلوغ، وسميت بذلك لأنها في تلك السن يتكعب ثدياها، أى: يستديران مع ارتفاع...
والأتراب، جمع ترب- بكسر التاء وسكون الراء- وهو المساوى لغيره في السن، وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإناث. قيل: سمى من تقاربن في السن بذلك، على سبيل التشبيه بالترائب، أى: بالضلوع التي في الصدر في التساوي...
وإن لهم- أيضا- كَأْساً دِهاقاً أى: كأسا مليئة بالخمر. يقال دهق الحوض- كجعل- وأدهقه، إذا ملأه حتى فاض من جوانبه.
لا يَسْمَعُونَ فِيها أى: في الجنة لَغْواً أى: كلاما ساقطا لا يعتد به. ولا يسمعون- أيضا- كِذَّاباً أى كلاما كاذبا.
وقوله- سبحانه-: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً بيان لمظاهر فضله ومننه على هؤلاء المتقين... وقوله: جَزاءً منصوب بفعل محذوف من لفظه، ومِنْ ابتدائية.
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٣٣١.
— 257 —
أى: هؤلاء المتقون كوفئوا مكافأة صادرة من ربك على سبيل العطاء أى: الإحسان والتفضل، حتى شيعوا واكتفوا.
فقوله: حِساباً صفة للعطاء وهو بمعنى كاف. فهو مصدر أقيم مقام الوصف، من قولهم: أحسبه الشيء، إذا كفاه حتى قال حسبي، أى: كافينى.
قال صاحب الكشاف: وحِساباً صفة بمعنى كافيا، من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي... «١».
ويصح أن يكون قوله حِساباً معناه «محسوبا». أى: كافأهم الله- تعالى- على أعمالهم الحسنة في الدنيا مكافأة محسوبة، على قدر أعمالهم الطيبة.
وقوله:
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِقرأه بعضهم بجر لفظ «رب» على أنه بدل «من ربك»، وقرأه البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
أى: هذا الجزاء العظيم للمتقين هو كائن من ربك، الذي هو رب أهل السموات وأهل الأرض، ورب ما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو، وهو- سبحانه- صاحب الرحمة الواسعة العظيمة التي لا تقاربها رحمة...
وقوله: لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً مقرر ومؤكد لما قبله، من كونه- تعالى- هو رب كل شيء. أى: أهل السموات والأرض وما بينهما، خاضعون ومربوبون لله- تعال- الواحد القهار، الذي لا يقدر أحد منهم- كائنا من كان- أن يخاطبه إلا بإذنه، ولا يملك أن يفعل ذلك إلا بمشيئته.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وقوله- سبحانه-: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ «٢».
والظرف في قوله- تعالى-: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا... متعلق بقوله- تعالى- قبل ذلك: لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً... والمراد بالروح: جبريل- عليه السلام-. أى: لا يملك أحد أن يخاطب الله- تعالى- إلا بإذنه، يوم القيامة، ويوم يقوم جبريل- عليه السلام- بين يدي خالقه قيام تذلل وخضوع، ويقوم الملائكة- أيضا- قياما كله أدب وخشوع، وهم في صفوف منتظمة.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٩٠.
(٢) سورة هود الآية ١٠٥.
— 258 —
لا يَتَكَلَّمُونَ أى: لا يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم الكلام إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ منهم بالكلام أو بالشفاعة.
وَقالَ صَواباً أى: وقال المأذون له في الكلام قولا صوابا يرضى الخالق- عز وجل-.
وكون المراد بالروح: جبريل- عليه السلام- هو الرأى الراجح، لأن القرآن الكريم قد وصفه بذلك في آيات منها قوله- تعالى-: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «١».
وهناك أقوال أخرى في المراد به، منها: أنه ملك من الملائكة، ومنها: أرواح بنى آدم.
وجملة «لا يتكلمون» مؤكدة لجملة «لا يملكون منه خطابا» والضمير لجميع الخلائق.
وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين يتكلمون في هذا اليوم الهائل الشديد، هم الذين يأذن الله- تعالى- لهم بالكلام، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى الله- تعالى- عنه.
وجملة: «وقال صوابا» يجوز أن تكون في موضع الحال من الاسم الموصول «من».
أى: لا يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذي قد أذن الله- تعالى- له في الكلام، والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا.
ويصح أن تكون معطوفة على جملة «أذن له الرحمن». أى: لا يستطيعون الكلام إلا الذين أذن لهم الرحمن في الكلام، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى الله، فإنهم يتكلمون.
والمقصود من الآية الكريمة، بيان أن الخلائق جميعا يكونون في هذا اليوم، في قبضة الرحمن وتحت تصرفه، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذنه- تعالى-.
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ يعود إلى يوم البعث الذي يقوم الناس فيه لله رب العالمين. أى: ذلك اليوم الذي يقوم فيه الخلائق للحساب والجزاء، هو اليوم الحق الذي لا شك في حدوثه. ولا ريب في ثبوته.
والفاء في قوله- تعالى-: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً هي الفصيحة، ومفعول المشيئة محذوف. أى: لقد بينا لكم ما يهديكم، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شاء منكم أن يتخذ إلى ربه مرجعا حسنا وطريقا إلى رضاه، فليتخذه الآن، من قبل أن يأتى هذا اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال.
(١) سورة الشعراء الآيتان ١٩٣، ١٩٤.
— 259 —
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا الإنذار البليغ فقال: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً.
والإنذار: الإخبار بحصول شيء تسوء عاقبته، في وقت يستطيع المنذر فيه أن يجنب نفسه الوقوع في ذلك الشيء. أى: إنا أخبرناكم- أيها الناس- بأن هناك عذابا قريبا، سيحل بمن يستحقه عما قريب.
وذلك العذاب سيكون أشد هولا، وأبقى أثرا، يوم القيامة، وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
أى: يوم يرى كل إنسان عمله حاضرا أمامه، ومسجلا عليه...
يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
، أى: ويقول الإنسان الكافر في هذا اليوم على سبيل الحسرة والندامة، يا ليتني كنت في الدنيا ترابا، ولم أخلق بشرا، ولم أكلف بشيء من التكاليف، ولم أبعث ولم أحاسب.
فالمقصود بالآية قطع أعذار المعتذرين بأبلغ وجه، من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
— 260 —

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تفسير سورة النازعات
مقدمة وتمهيد
١- سورة «النازعات» من السور المكية الخالصة. وتسمى بسورة «والنازعات» بإثبات الواو، حكاية لأول ألفاظها، ومن ذكرها بدون واو، جعل لفظ «النازعات» علما عليها، وتسمى- أيضا- سورة «الساهرة» وسورة «الطامة»، لوقوع هذين اللفظين فيها دون غيرها.
٢- وهي السورة التاسعة والسبعون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فهي السورة الحادية والثمانون من بين السور المكية، وكان نزولها بعد سورة «النبأ»، وقبل سورة «الانفطار»، أى: أن سورة النازعات تعتبر من أواخر السور المكية نزولا.
٣- وعدد آياتها خمس وأربعون آية في المصحف الكوفي، وست وأربعون في غيره.
٤- ومن أهم مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن البعث حق، وذكر جانب كبير من علاماته وأهواله، والرد على الجاحدين الذين أنكروا وقوعه، وتذكير الناس بجانب مما دار بين موسى- عليه السلام- وبين فرعون من مناقشات، وكيف أن الله- تعالى- قد أخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر.
كما أن السورة الكريمة اشتملت على مظاهر قدرته- تعالى-، التي نراها ونشاهدها في خلقه- سبحانه- للسموات وللأرض... وما اشتملتا عليه عن عجائب.
ثم ختمت ببيان حسن عاقبة المتقين، وسوء عاقبة الكافرين، وبالإجابة على أسئلة السائلين عن يوم القيامة، وبيان أن موعد مجيء هذا اليوم مرده إلى الله- تعالى- وحده.
قال- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها. إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.
— 261 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب