سورة النساء | الآية ٨٣

عرض السورة
التَّفسير

ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وهذا نوع آخر من أعْمَال المُنَافِقِين الفَاسِدة، وذَلِك أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يَبْعَث السَّرايا فإذا غَلَبُوا أو غَُلبُوا بَادَرَ المُنَافِقون يستَخْبِرونَ عن حَالِهَم، فَيُفْشُون ويُحَدِّثُون به قَبْل أنْ يُحْدِّثَ به رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَيُضْعِفُون به قُلُوبَ المُؤمِنين، فأنْزَل الله - تعالى - ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ﴾ يعني: المُنَافِقِين «أمر من الأمن» أي: الفَتْح والغَنِيمَة «أو الخوف» أي: القتل والهزيمَة «أذاعوا به» أشاعُوه وأفشوْه، وذلك سَبَبٌ للضَّرر من وُجُوهٍ:
أحدها: ان مَثْل هذه الإرْجَافَات لا تنفَكُّ عن الكَذِب.
وثانيها: إن كان ذلك الخَبَر من جَانِبِ الأمْن زَادُوا فيه زِيَادات كَثِيرة، [فإذا لَمْ تُوجد تلك الزَّيَادات، أوْرَث ذلك شُبْهَة للضُّعَفَاءِ في صدق الرَّسول - عليه السلام -] ؛ لأن المنافِقِين كانوا يروون تلك الإرْجَافَات عن الرسُول، وإن كان ذَلِك الخَبَر خَوْفاً، تشوَّشَ المر على ضُعَفَاء المُسْلِمين بسبَبِه، ووقعوا في الحَيْرَة والاضْطراب، فكان ذلك سَبَباً للفِتْنَة.
وثالثها: أن العَداوَة الشَّدِيدة كانت قَائِمَةً بين المُسْلِمين وبين الكُفَّار، فكان كلّ وَاحِد من الفريقين مُجدًّا في إعْداد آلات الحَرْب وانْتِهَاز الفُرْصَة، فكل ما كان [أمْناً] لأحد الفَرِيقَيْن، كان خَوْفاً للفَريقِ الثَّانِي، وإن [وقع خَبر الأمْن للمُسْلِمين، أرجَفَ بذلك المُنَافِقُون، فوصل الخَبَر في أسْرَع مُدَّة إلى الكُفَّار؛ فاحارزوا وتحصَّنُوا من المُسْلمين، وإن] وَقَعَ خبر الخَوْف للمُسْلِمِين بالَغوا في ذلك وزادوا فيه، وألْقوا الرُّعب في قُلُوب الضَّعْفَة، فظهر أن الإرْجَافَ مَنْشَأ الفِتَنِ والآفَاتِ.
قوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ : جواب إذا، وعَيْنُ أذَاعَ ياء؛ لقولهم: ذاع الشَّيء يذِيع، ويُقال: أذاع الشَّيْء، أيضاً بمعنى المُجَرَّد، ويكونُ متعدِّياً بنفسه وبالبَاءِ، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل: ضَمَّن «أذاع» مَعْنَى «تَحَدَّثَ» فعدَّاه تعديتَه، أي: تحدَّثوا به مُذيعين له، والإذاعة: الإشاعةُ، قال أبو الأسْوَد: [الطويل]
١٨٤٢ - ب - أذَاعُوا بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأنَّهُبِعَلْيَاءَ نَارٌ أوقِدَتْ بِثُقُوبِ
— 521 —
والضَّمِيرُ في «به» يجُوزُ أن يعودَ على الأمْر، وأن يعُودَ على الأمن أو الخَوْفِ؛ لأنَّ العَطْفَ ب «أو» والضَّميرُ في «رَدُّوهُ» للأمْر.
قوله: «لو ردوه» أي الأمْر، «إلى الرسول» أي: [لَمْ] يحدِّثوا به حَتَّى يكُون النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو الذِي يُحدِّث به، و «إلى أولي الأمر [منهم] » أي: ذَوِي الرأي من الصَّحَابة؛ مثل أبي بكْر وعُمر وعُثْمَان وعلي، وقيل: أمَرَاء السَّرَايا؛ لأنَّهم الَّذِين لَهُم أمر على النَّاس، وأهل العِلْم لَيْسوا كذلِك.
وأجيب عن هَذَا: بأن العُلَمَاء يجبُ على غَيْرِهم قُبُول قولِهِم؛ لقوله - تعالى -: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأوجب الحَذَر بإنْذَارِهِم، وألزَم المُنْذرين قُبُول قولهم، فجاز لهذا المَعْنَى إطْلاق اسم أولي الأمْرِ عَلَيهم.
قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخْرِجُونه، وهُم العُلَماء عَلِمُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَم، وما يَنْبَغِي أن يُفْشَى، والاسْتِنْبَاط في اللُّغَةِ: الاستِخْراج، وكذا «الإنباط» يقال: استَنْبَطَ الفَقِيهُ: إذا استَخْرَجَ الفِقْهَ البَاطِنَ باجْتِهَادِهِ وفهمه، وأصله من النّبط وهو الماءُ الذي يَخْرج من البَئْرِ أوّلَ حَفْرها قال: [الطويل]
١٨٤٣ - نَعَمْ صَادِقاً والفَاعِلُ القَائِلُ الذيإذَا قَالَ قَوْلاً أنْبَطَ المَاءَ في الثَّرَى
ويقال: نَبَطَ المَاءُ يَنْبطُ بفتحِ البَاءِ وضمها.
والنبط أيضاً: جِيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرَّجُل الذي يكُونَ بعيد العِزِّ والمنعة: «ما يجِدُ عَدُوُّه لَهُ نَبَطاً». قال كَعْبٌ: [الطويل]
١٨٤٤ - قَرِيبٌ ثَرَاهُ مَا يَنَالُ عَدُوُّهُلَهُ نَبَطاً، آبِي الْهَوَانِ قَطُوبُ
و «منهم» حَالٌ: إمَّا من الَّذِين، أو من الضَّمير في «يَسْتَنْبِطُونه» فيتعلق بمَحْذُوفٍ.
وقرأ أبو السَّمال: «لَعَلْمه» بسُكُون اللام، قال ابن عَطِيَّة: هو كتَسْكِين ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] وليس مِثْله؛ لأنَّ تسْكِين فعل بكَسْر العين مَقِيسٌ، وتسكينَ
— 522 —
مَفْتُوحها شاذٌّ؛ ومثلُ تسكين «لَعَلْمَهُ» قوله: [الطويل]
١٨٤٥ - فَإنْ تَبْلُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌمِنَ الأدمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وغَارِبُهْ
أي: دَبِرت، فِسَكَّن.

فصل معنى «يستنبطونه»


[قيل المراد ب «يستنبطونه» : يَسْتَخْرِجونَهُ، وقال عِكْرمة: يَحْرِصُون عليه ويسألون عنه]، وقال الضَّحَّاك: يتتبّعونه، يريد: الذين سَمِعُوا تلك الأخْبَار من المُؤمنين والمُنَافِقين، لو رَدُّوه إلى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإلى ذَوِي الرَّأي والعِلْم، لعلمه الذين يَسْتَنْبِطُونه، أي: يُحِبون أي يَعْلَمُوه على حَقِيقَتِهِ كما هُو.
وقيل: المُراد ب «الذين يستنبوطه» أولئك المُنَافِقُون المُذِيعُونَ، والتقدير: ولو أن هؤلاء المُنَافِقِين المُذِيعِينَ رَدُّوا أمر الأمْنِ والخَوْف إلى الرَّسُول وإلى أولي الأمْر، وطلبوا مَعْرِفَة الحَالِ [فيه] من جهتِهم، لعلمه الَّذين يستَنْبِطُونه مِنْهُم و [هم] هؤلاء المُنَافِقُون المُذِيعُون منهم، أي: من جَانب أولي الأمْر [منهم].
فإن قِيلَ: إذا كَان الَّذين أمَرَهُم الله - تعالى - برد هذه الأخْبَارِ إلى الرَّسُول وإلى أولي [الأمر مِنْهُم وهم المُنَافِقُون، فكَيف جَعَل أولي الأمْر منهم في قوله: ﴿وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ﴾.
الجواب: إنما جَعَل أولي] الأمْر مِنْهُم على حَسَب الظَّاهِر؛ لأن المُنَافِقين يظْهِرُون من أنفسهم أنَّهم مؤمِنُون، ونَظِيرُه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وقوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
قوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً﴾
قال أبو العَباس [المُقْرِئ] : وَرَدَت الرَّحْمَة [في القُرْآن] عَلَى سَبْعَة أوجه:
— 523 —
الأوّل: القُرْآن، قال - تعالى -: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أراد بالفَضْلِ الإسْلام، وبالرَّحْمَة القُرْآن.
الثاني: بمعنى الإسْلام؛ قال - تعالى -: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] أي: في الإسلام [ومثله ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] أي: في دين الإسلام].
الثالث: [بمعنى] : الجنة؛ قال - تعالى -: ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾
[العنكبوت: ٢٣] أي: من جَنَّتِي.
الرَّابع: المَطَر؛ قال - تعالى -: ﴿يُرْسِلُ الرياح بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧، النمل: ٦٣].
الخامس: النِّعمة؛ قال - تعالى -: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
السادس: النبوة؛ قال - تعالى -: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أي: النُّبُوَّة.
السابع: الرِّزْق؛ قال - تعالى -: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] : من الرِّزْقِ؛ ومثله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: ٢٨] أي: رِزْقاً.

فصل


اعلم: أن ظَاهِر هذا الاسْتِثْنَاء يوهِمُ أنَّ ذلك القليل وَقَع لا بِفَضْل الله ولا بِرَحْمَتِه، وذلك محال.
قوله: «إلا قليلاً» ذكر المفسَِّرُونَ فيها عشرة أوجه:
الأول: قال بعضهم: إنه مُسْتَثْنَى من فَاعِل «اتبعتم» أي: لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنه لم يتَّبع الشَّيْطَان، على تقدِير كَوْن فَضْل الله لم يأته، ويكونُ أرادَ بفضل الله الإسلام وإرسَالَ محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ويكون قوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ كلام تامٌّ، [وذلك القَلِيلُ؛ كقِسٍّ بن سَاعِدة الإيَادِي، وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وورقة بن نوفل، وجماعة سِوَاهم مِمَّن كان على دِين المَسِيحِ قَبل بَعْثَةِ الرسول].
وقال أبو مُسْلم: المراج بِفَضْل الله ورحمته في هذه الآية: هو نُصْرتهُ ومعُونتهُ اللَّذان تمنَّاهُما المُنَافِقُون؛ بقولهم: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٧٣] بيَّن - تعالى - أنّضه لولا حُصُول النَّصْر والظّفَرِ على سبيل التَّتَابُع، لاتَّبَعْتُم الشَّيْطَان وتركتم الدين إلاَّ قليلاً مِنْكُم، وهم أهْل البَصَائِر النَّافِذة، والنِّيَّات القويَّة، والعَزَائم المُتَمكِّنَةِ من أفَاضِل
— 524 —
المُؤمِنِين، الذين يَعْلَمُون أنه لَيْس من شَرْطِ كونه حَقّاً هو الدَّوْلَة في الدُّنْيَا، فلأجل تَوَاتُر الفَتْح والظَّفر في الدُّنْيَا يدل على كَوْنه حَقاً؛ ولأجل تواتر الهَزِيمَة والانكِسَار يدلُّ على كونه بَاطِلاً، بل الأمْر في كونه حَقاً وباطلاً على الدَّلِيل، وهو أحْسَن الوُجُوه.
[وقيل: المُرَادُ مَنْ مَنْ لم يَبْلغ التكْلِيف، وعلى ذها التَّأويل قيل: فالاستثْنَاء مُنْقَطِع؛ لأن المُسْتَثْنَى لم يَدْخُل تحت الخِطَاب، وفيه نظر يظهر في الوَجْهِ العَاشِر.
الثاني: أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل «عَلِمه» أي: لعلمه المُسْتَنْبِطُون منهم إلا قَلِيلاً].
قال الفرَّاء والمبرد: [وأما] القَوْل بأنَّه مستَثْنى من فاعل «أذاعوا» أوْلى من هَذَا؛ لأن ما يُعْلَم بالاسْتِنْبَاطِ؛ فالأقلُّ يعلمُه والأكْثَر يجهله، وصرف الاسْتشثْنَاء إلى المسْتَنْبِطِين يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِك.
قال الزَّجَّاج: هذا غَلَطٌ؛ لأنه لَيْسَ المراد من هَذَا الاستِثْنَاء شيئاً يَسْتَخْرِجُه بنظر دَقيق وفكْرٍ غَمِضٍ، إنما هو اسْتِنْبَاط خَبَر، وإذا كَانَ كَذَلِك فالأكثرون يَعْرِفُونه إنَّما البالغ في البَلاَدة والجَهَالة هُو الَّذي لا يَعْرِفُه، ويمكن أن يُقَال: كلام الزَّجَّاج إنما يَصِحُّ لو حَمَلْنا الاسْتِنْبَاطَ على مُجَرَّد تعرُّف الأخْبَارِ والأرَاجِيف، [أمَّا] إذا حملناه على الاسْتِنْبَاطِ في جَميع الأحْكَام، كان الحَقُّ ما ذكره الفَرَّاء والمُبرِّد.
الرابع: أنه مُسْتَثْنَى من فاعل «لوجدوا» أي: لوجدوا فيما هَو من عِنْد غير الله التناقض إلا قليلاً مِنْهُم، وهو مَنْ لم يُمْعِنِ النَّظَرَ، فيظنُّ البَاطِلَ حقاً والمتناقضَ مُوَافِقاً.
الخامس: أنه مُسْتَثْنى من الضَّمِير المَجْرُور في «عَلَيْكُم»، وتأويلُه كتأويل الوَجْه الأول.
السادس: أنه مُسْتَثْنى من فاعل «يستنبطونه»، وتأويله كتأويل الوجه الثَّالث.
السابع: أنه مُسْتَثْنَى من المَصْدَر الدالّ عليه الفعْلُ، والتقدير: لاتَّبَعْتُم الشيطانَ إلا اتِّباعاً قليلاً؛ ذكر ذلك الزَّمَخْشَري.
الثَّامن: أنه مُسْتَثْنَى من المتَّبع فيه، والتقدير: لاتَّبَعْتُم الشيطانَ إلا اتِّباعاً قليلاً؛ ذكر ذلك الزَّمَخْشَري.
الثَّامن: أنه مُسْتَثْنَى من المتَّبع فيه، والتقدير: لاتبعتم الشَّيْطَان كلكم إلا قليلاً من الأمُور كُنْتم لا تتَّبِعُون الشًّيْطَان فيها، فالمعنى: لاتبعتم الشَّيْطان في كل شَيْء إلا في قَليلٍ
— 525 —
من الأمُور، فإنكم كُنْتُم لا تتَّبِعُونه فيها، وعلى هَذَا فهو استِثْناء مفرَّغ؛ ذكر ذلك ابن عَطِيَّة، إلا أنَّ في كلامه مناقشةً: وهو أنَّه قال «أي: لاتَّبعتُم الشَّيْطَان كلّكم إلا قَلِيلاً من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها»، فجعله هنا مُسْتَثْنَى من المتَّبعِ فيه المَحْذُوف على ما تَقَدَّم تقريره، وكان تَقَدَّم أنه مُسْتَثْنى من الاتِّباع، فتقديره يؤدِّي إلى اسْتِثْنَائِه من المتَّبَع فيه، وادِّعاؤه أنه استثنَاء من الاتباع، وهما غيران.
التاسع: أن المُرَاد بالقلة العدمُ، يريد: لاتَّبعْتُم الشَّيْطان كلكم وعدمَ تخلُّفِ أحَدٍ منكم؛ نقله ابن عطية عن جَمَاعةٍ وعن الطَّبِري، ورَدَّه بأن اقْتِران القِلَّة بالاسْتِثْنَاء يقتضي دُخُولَها؛ قال: «وهذا كَلاَمٌ قَلِقٌ ولا يشبه ما حَكَى سيبَويْه من قَوْلِهِم:» هذه أرضٌ قَلَّ ما تُنْبِتُ كذا «أي: لا تُنْبِتُ شيئاً».
وهذا الذي قاله صَحيحٌ، إلا أنه كان تَقَدَّم له في البَقَرَةِ في قوله - تعالى -: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] أن التَّقْليل هنا بِمَعْنَى العدم، وتقدَّم الردُّ عليه هُنَاك، فَتَنَبَّهَ لهذا المَعْنَى هُنَا ولم ينتبه له هناك.
العاشر: أن المُخَاطب بقوله: «لاتبعتم» جميعُ النَّاس على العُمُوم، والمُرَادُ بالقَلِيل: أمةُ محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصةً، وأيَّد صَاحِبُ هذا القَوْلِ قوله بقوله - عليه السلام -: «ما أنْتُم في سِوَاكُم من الأمَمِ إلاَّ كالرَّقْمَة البَيْضاء في الثَّور الأسود».

فصل دلالة الآية على حجية القياس


دلت هذه الآية على أنَّ القياس حُجَّة؛ لأن قوله: ﴿الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ صفة لأولي الأمْر، وقد أوْجَبَ الله على الذين يجيئُهُم أمْرَيْن: الأمن، أو الخوف أن يَرْجَعُوا في مَعْرِفَتِه إليهم ولا يَخْلُو إمَّا أن يَرْجِعُوا إليهم في مَعْرِفَة هذه الوَقَائِع مع حُصُول النَّصِّ فيها أوْ لا، والأوَّل باطل؛ لأن من استدلَّ بالنَّصِّ في واقِعَةٍ لا يُقَال: إنه استنبط الحكم؛ فثبت أنه - تعالى - أمَر المكَلَّف بِرَدِّ الوَقِعة إلى من يَسْتَنْبِط الحُكْم فيها، ولَوْلاَ أن الاسْتِنبَاط حُجَّة، لما أمَر المُكَلَّف بذلك؛ فَثَبَت أن الاستِنْبَاط حُجَّة، وإذا ثبت ذلك فَنَقُول: دلت الآيَةُ على أمُورٍ:
منها: أن في الأحْكَام ما لا يُعْرَف بالنَّصِّ، بل بالاستِنْبَاطِ.
ومنها: أنَّ الاستنباط حُجَّة.
— 526 —
ومنها: أن العَامِيِّ يجِب عليه تَقْلِيد العُلَمَاء في أحْكَام الحَوَادِث.
ومنها: أن النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان مُكَلَّفاً باستِنْبَاط الأحْكَام؛ لأن الله - تعالى - أمَر بالرَّدِّ إلى أولي الأمْرِ، ثم قال: ﴿لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولم يخصّص أولي الأمْر دون الرَّسُول، وذلك يُوجِب الرَّسُول وأولي الأمْر كلهم مُكَلَّفُون بالاسْتِنْبَاط.
فإن قيل: لا نُسَلَّم أن المراد ب ﴿الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أولي الأمْر، لكن هذه الآيَة إنَّما نزلت في بَيَان الوَقَائِع المُتَعَلِّقة بالحُرُوب والجِهَاد، فهَبْ أن الرُّجُوع إلى الاستنبَاط جَائِزٌ فيها، فَلِمَ قُلْتُم بجوازِه في الوَقَائِع الشَّرْعِيَّة؛ فإن قِيْسَ أحد البَابَيْن على الآخَر، كان ذَلِك إثْبَاتاً للقِيَاس الشَّرْعِيِّ بالقِياس، وأنَّه لا يجُوز أن الاسْتِنْبَاط في الأحْكَام الشَّرْعِيَّة داخل تحت الآية فلمَّا قُلْتُم يلزم أن يُكون القِيَاس حُجَّة، فإنَّه يمكنُ أن يكُون المُرادَ بالاسْتِنْبَاط: استخراج الأحْكَام من النُّصُوص الخَفِيَّة، أو مِنْ تركيبَات النُّصوصِ، أو المراد منه استخراج الأحكام من البَرَاءة، الأصليَّة، أو مما ثَبَت بحكم العَقْلِ، كما يقول الأكَثُرون إن الأصْل في المَنَافِع الإبَاحَة، وفي المَضَارِّ الحُرْمَة.
سلمنا أنَّ القِيَاس الشَّرْعِي داخلٌ في الآية، لكن بِشَرْط أن يكون القياسُ مُفِيداً للعِلْم؛ لقوله - تعالى -: ﴿لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فاعتبر حُصُول العِلْم من هذا الاستِنْبَاط، ونِزَاع في مثل هذا القِيَاس، إنما النِّزاع في القِياس الَّذِي يفيد الظَّنَّ: هل هو حُجَّة في الشرع، أمْ لا.
والجواب: أمَّا الأوَّل فلا يصح؛ لأنَّه يَصِيرُ التقدير: أو رَدُّوه إلى الرَّسُول وَإلى أولِي الأمْر مِنْهُم لَعَلِمُوه، وعَطْف المظهر على المُضْمَر، وهو قوله: «ولو ردوه» قَبِيح مستكره.
وأما الثَّاني فَمَدْفُوع من وَجْهَيْن:
أحدهما: أن قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف﴾ حاصل في كل ما يتعلَّق بباب التَّكْلِيف، فَلَيْس في الآيَة ما يوجِبُ تَخْصِيصها بأمر الحُرُوبِ.
وثانيها: هَبْ أن الأمْر كما ذكرْتم، لكن لمَّا ثَبَت تَعَرُّف أحْكَام الحروب بالقِيَاس الشَّرْعِي، وجب أن يتمسَّك بالقِيَاس الشَّرْعِيِّ في سَائِر لوَقَائِع، لأنه لا قائل بالفَرْق.
وأما الثَّالث: وهو حَمْل الاستِنْبَاط على اسْتِخْرَاج النُّصُوص الخَفِيَّة أو على تَرْكيبات النُّصوص الخَفِيَّة أو على تَرْكِيبات النُّصُوص، فكلُّ ذلك لا يُخْرِجُه عن كونه مَنْصُوصاً، والتَّمَسُّك بالنَّصِّ لا يُسَمَّى استِنْبَاطاً.
وأما قوله: لا يجوزُ حَملُه على التَّمسُّكِ بالبَرَاءة الأصْلِيَّة.
— 527 —
قلنا: لَيْسَ هذا استِنْبَاطاً، بل هذا إبقاء لما كان على ما كان، ومثل هذا لا يُسَمَّى استِنْبَاطاً.
وأما الرابع: وهو أن هذا الاستِنْبَاط إنَّما يجُوز عند حُصُول العِلْم، والقياس الشَّرْعِيِّ لا يفيد العِلْم.
فنقول: جوابُه من وجهين:
أحدُهُما: أنَّه عندنا يُفِيدُ العِلْم؛ أن ثُبُوت إن القِيَاسَ حجَّة يقطع بأنَّه مهما غَلَب على الظَّنِّ أنَّ حُكْم الله في الأصْل معلَّل بكذا، ثمَّ غَلَب على الظَّنِّ أنَّ ذلك المَعْنَى قَائِمٌ في الفَرْع، فهنا يحصل ظنُّ أنَّ حُكم الله في الفَرْعِ مُسَاوٍ لحُكْمِه في الأصْل، وعند هذا الظَّنِّ يُقْطَع بأنَّه مكَلَّفٌ بأن يعمل على وَفْق هذا الظَّنِّ؛ فالحاصل: أن الظَّنَّ واقع في طَرِيق الحُكْم، وأما الحُكْمُ فمقطوع به، وهو يجري مَجْرَى ما إذا قَالَ الله - تعالى -: مهما غَلَب عَلى ظنِّك كذَا، فاعلم أنَّ حُكْمِي في الوَاقِعَة كذا، فإذا غَلَب الظَّنُّ قَطَعْنَا بثُبُوت ذلك الحُكْمِ.
وثانيهما: أن العِلْم قد يُطْلَق ويراد به الظَّنَّ؛ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَد» شَرَطَ العِلْمَ في جواز الشَّهَادَةِ، وأجْمَعْنَا على أنَّ عند الظَّنِّ تُجُوزُ الشَّهَادة؛ فثبت أنَّ الظَّنِّ قد يُسَمَّى بالعِلْمِ.

فصل في رد شبهة للمعتزلة


دلَّت [هذه] الآية على أنَّ الذين اتَّبعوا الشَّيْطَان، قد مَنَعَهُم الله فَضْلَه ورحمته وإلا ما كان يتبع، وهذا يَدُلُّ على فَسَادِ قول المُعْتَزِلَة: في أنَّه يجب على الله رعاية الصْلَحِ في الدِّين. أجابُوا: بأن فَضْلَ اللهِ ورَحْمَتَه [عامَّات في حق الكُلِّ، لكن المُؤمِنين انْتَفَعُوا به، والكَافِرِين لم ينْتَفِعُوا به فَصَحَّ عَلَى سبيل المجاز أنه لم يَحْصًل للكَافِرين فَضْل الله ورَحْمَته] في الدِّين.
والجواب: أن حَمْل الَّفظ على المَجَاز خِلاف الأصْل.
— 528 —

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل الحنبلي

عرض الكتاب