١٠٠٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة: يقول في قوله:"إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق" إلى قوله:"فما جعل الله لكم عليهم سبيلا"، ثم نسخ ذلك بعد في براءة، وأمر نبيَّه ﷺ أن يقاتل المشركين بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ).
١٠٠٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال، قال ابن زيد في قوله:"إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق"، الآية، قال: نسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر: إما أن يسلموا، وإما أن يكون الجهاد.
* * *
قال أبو جعفر: وهؤلاء فريق آخر من المنافقين، كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله ﷺ وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يعبدونه من دون الله، ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم. يقول الله:"كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، يعني: كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (١) ارتدُّوا فصاروا مشركين مثلهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية.
١٠٠٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال، قال ابن زيد في قوله:"إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق"، الآية، قال: نسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر: إما أن يسلموا، وإما أن يكون الجهاد.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾
قال أبو جعفر: وهؤلاء فريق آخر من المنافقين، كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله ﷺ وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يعبدونه من دون الله، ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم. يقول الله:"كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، يعني: كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (١) ارتدُّوا فصاروا مشركين مثلهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية.
(١) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.
— 26 —
فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا -على ما وصفهم الله به من التقيَّة- وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم. يقول الله:"كلما ردُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، يعني كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (١) ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٧٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم"، قال: ناس كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا. فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويُصلحوا.
١٠٠٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٠٠٨٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيقرَّب إلى العُود والحجَر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلِّم بالإسلام:"قل: هذا ربي"، للخنفساء والعقرب.
* * *
وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين.
*ذكر من قال ذلك:
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٧٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم"، قال: ناس كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا. فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويُصلحوا.
١٠٠٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٠٠٨٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيقرَّب إلى العُود والحجَر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلِّم بالإسلام:"قل: هذا ربي"، للخنفساء والعقرب.
* * *
وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين.
*ذكر من قال ذلك:
(١) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.
— 27 —
١٠٠٨١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم"، قال: حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا:"يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا"، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال:"كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.
* * *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٨٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي ﷺ والمشركين، فقال:"ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة"، يقول: إلى الشرك.
* * *
وأما تأويل قوله:"كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، فإنه كما:-
١٠٠٨٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"كلما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، قال: كلما ابتلُوا بها، عَمُوا فيها.
١٠٠٨٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: كلما عرَض لهم بلاء، هلكوا فيه.
* * *
والقول في ذلك ما قد بينت قبلُ، وذلك أن"الفتنة" في كلام العرب، الاختبار، و"الإركاس" الرجوع. (١).
* * *
فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك، رجعوا إليه.
* * *
* * *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٠٨٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي ﷺ والمشركين، فقال:"ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة"، يقول: إلى الشرك.
* * *
وأما تأويل قوله:"كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، فإنه كما:-
١٠٠٨٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"كلما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها"، قال: كلما ابتلُوا بها، عَمُوا فيها.
١٠٠٨٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: كلما عرَض لهم بلاء، هلكوا فيه.
* * *
والقول في ذلك ما قد بينت قبلُ، وذلك أن"الفتنة" في كلام العرب، الاختبار، و"الإركاس" الرجوع. (١).
* * *
فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك، رجعوا إليه.
* * *
(١) انظر"تفسير الفتنة" فيما سلف ٢: ٤٤٤ / ٣: ٥٦٥، ٥٦٦، ٥٧٠، ٥٧١ / ٤: ٣٠١ / ٦: ١٩٦، ١٩٧= وانظر تفسير"الإركاس" فيما سلف ص: ٧، ١٥، ١٦.
— 28 —
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يعتزلكم، (١) أيها المؤمنون، هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه ="ويلقوا إليكم السلم"، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقادَ ويصالحوكم، (٢). كما:-
١٠٠٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم"، قال: الصلح.
* * *
="ويكفوا أيديهم"، يقول: ويكفوا أيديهم عن قتالكم، (٣) ="فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم"، يقول جل ثناؤه: إن لم يفعلوا، فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها، (٤) فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال="وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا"، يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم على ما هم عليه من الكفران، ولم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، (٥) جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم، وتركهم هجرة دار الشرك="مبينًا" يعني: أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم،
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يعتزلكم، (١) أيها المؤمنون، هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه ="ويلقوا إليكم السلم"، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقادَ ويصالحوكم، (٢). كما:-
١٠٠٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم"، قال: الصلح.
* * *
="ويكفوا أيديهم"، يقول: ويكفوا أيديهم عن قتالكم، (٣) ="فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم"، يقول جل ثناؤه: إن لم يفعلوا، فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها، (٤) فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال="وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا"، يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم على ما هم عليه من الكفران، ولم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، (٥) جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم، وتركهم هجرة دار الشرك="مبينًا" يعني: أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم،
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "فإن لم يعتزلوكم"، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٢) انظر تفسير"ألقوا السلم" فيما سلف ص٢٣، ٢٤.
(٣) انظر تفسير"الكف" فيما سلف ٨: ٥٤٨.
(٤) انظر تفسير"ثقف" فيما سلف ٣: ٥٦٤.
(٥) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يعتزلوكم"، بإسقاط الواو، والأصح إثباتها.
(٢) انظر تفسير"ألقوا السلم" فيما سلف ص٢٣، ٢٤.
(٣) انظر تفسير"الكف" فيما سلف ٨: ٥٤٨.
(٤) انظر تفسير"ثقف" فيما سلف ٣: ٥٦٤.
(٥) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يعتزلوكم"، بإسقاط الواو، والأصح إثباتها.
— 29 —
وإصابتكم الحق في قتلهم. وذلك قوله:"سلطانًا مبينًا"، و"السلطان" هو الحجة، (١). كما:-
١٠٠٨٦- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة قال: ما كان في القرآن من"سلطان"، فهو: حجّة.
١٠٠٨٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"سلطانًا مبينًا" أما"السلطان المبين"، فهو الحجة.
* * *
١٠٠٨٦- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة قال: ما كان في القرآن من"سلطان"، فهو: حجّة.
١٠٠٨٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"سلطانًا مبينًا" أما"السلطان المبين"، فهو الحجة.
* * *
(١) انظر تفسير"السلطان" فيما سلف ٧: ٢٧٩ = وتفسير"المبين" فيما سلف ٨: ١٢٤ تعليق: ١، والمراجع هناك.
— 30 —