سورة النساء | الآية ٩٣

عرض السورة
التَّفسير

ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير القرآن
الصنعاني
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
مماثلة بطبيعة الحال. والأساس الذي تلقنه هو أن يدع المسلمون من يطمئنون بصدق حياده وكفّ يده وبموقفه السلمي وشأنه ولا يبادئوه بعداء وقتال. ولو كان من قوم عدوّ محارب. وأن لا يقاتلوا إلّا الذين لا يثبتون لهم صدق دعواهم بالحياد والمسالمة فعلا باعتزال قتالهم وكفّ أيديهم ويرون فيهم تذبذبا ودورانا مع الظروف سواء أكانت مع المسلمين أو مع أعدائهم من قومهم لنجاة أنفسهم وأمنهم وحسب.

[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]

وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
. تعليق على الآية وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأًإلخ والآية التالية لها وأحكام القتل الخطأ والعمد بالنسبة للمسلمين والمعاهدين
عبارة الآيتين واضحة. وفيها:
(١) تقرير بعدم جواز قتل مؤمن لمؤمن البتة بأسلوب فيه استبعاد احتمال وقوع ذلك إلّا أن يكون خطأ.
(٢) وإنذار قاصم لمن يقتل مؤمنا عمدا.
(٣) وتشريع في صدد قتل المؤمن خطأ في نطاق الأسس التالية:
— 202 —
(١) إذا قتل مؤمن مؤمنا خطأ وكان أهل القتيل مؤمنين فعلى القاتل أن يعتق رقبة مؤمنة كفارة عن عمله وتوبة لله. وأن يدفع الدية لأهله إلّا إذا عفوا وتنازلوا عنها صدقة لوجه الله تعالى.
(٢) إذا قتل مؤمن مؤمنا خطأ وكان أهل القتيل كفارا وأعداء للمسلمين فعلى القاتل أن يعتق رقبة كفارة عن عمله وتوبة لله وكفى.
(٣) إذا قتل مؤمن مؤمنا خطأ وكان أهل القتيل كفارا ومعاهدين للمسلمين فالحكم في ذلك حكم الأول. أي تحرير رقبة مؤمنة ودية مؤداة إلى أهله.
(٤) إذا لم يمكن للقاتل أن يجد أو يعتق رقبة مؤمنة فتكون الكفارة والتوبة بدلا من ذلك صيام شهرين متتابعين.
ولقد روى المفسرون روايات في مناسبة نزول كل من الآيتين. فرووا في نزول الأولى أنها نزلت في مسلم اسمه عياش بن أبي ربيعة قتل شخصا اسمه الحرث بن يزيد العامري كان احتال عليه وخطفه من المدينة ثم عذبه وجلده فحلف أن يقتله إذا تمكن منه ثم لقيه في حرة المدينة وكان جاء من مكة مسلما مهاجرا فقتله دون أن يعلم أنه أسلم. كما رووا أنها نزلت في أبي الدرداء وكان في سرية جهاد فلقي رجلا معه غنم فبادره هذا بكلمة التوحيد فلم يصدقه وقتله وسلب الغنم. فلما رجعوا إلى النبي أنّبه وغضب لعدم تصديقه وقال له فيما قال «هلّا شققت قلبه». ورووا في نزول الآية الثانية أنها نزلت في شخص مسلم اسمه مقبس وجد أخاه مقتولا في محلة بني النجار في المدينة فراجع النبي فأرسل معه رجلا من بني النجار يبلغهم عن لسانه أن يسلموا القاتل للقصاص منه إذا كانوا يعرفونه أو يدفعوا الدية لأخيه إذا لم يكونوا يعرفونه فأنكروا معرفة القاتل ودفعوا الدية ولكن الأخ بعد قبضه الدية غدر بالنجاري الذي أرسله معه رسول الله فقتله بدم أخيه ثم رحل إلى مكة حيث كان قومه مرتدا كافرا. وتأثر النبي ﷺ منه وقال «لن أؤمنه في حل أو حرم ولا سلم ولا حرب» فقتل يوم الفتح.
ولم يرد شيء من هذه الروايات في الصحاح. وقد رويت رواية مماثلة
— 203 —
للرواية التي ذكر فيها أبو الدرداء في مناسبة نزول الآية التي تأتي بعد هذه الآيات.
ويلحظ أن الروايات تجعل الآيتين منفصلتين وتفيد نزول كل منهما في مناسبة وظرف غير مناسبة وظرف نزول الأخرى. في حين أنهما كما يبدو من أسلوبهما وحدة منسجمة تسوغ القول إنهما نزلتا معا. ولقد بينت الآيات السابقة حكم غير المسلمين في مواقفهم من المسلمين ومواقف المسلمين منهم، وبينت هاتان الآيتان حكم قتل المؤمن للمؤمن مما فيه تناسب ما. وقد تكون الآيتان نزلتا بعد سابقاتهما فوضعتا في مكانهما بسبب التناسب الموضوعي والظرفي أو تكونان نزلتا في ظرف آخر فوضعتا مكانهما بسبب التناسب الموضوعي. وهذا لا يمنع بطبيعة الحال أن يكون وقع أحداث مماثلة لبعض ما روي في الروايات فتليت الآيات لبيان الحكم، فالتبس الأمر على الرواة والله تعالى أعلم.
ويلحظ أن الآية [٩٢] اقتصرت على الإنذار القاصم الأخروي للمؤمن الذي يقتل مؤمنا عمدا دون تعيين عقاب دنيوي. ويمكن أن يقال إن روح الآيتين تلهم أن هدفهما الرئيسي هو تعظيم دم المؤمن على المؤمن والتشديد فيه حتى ولو كان خطأ ثم تغليظ إثمه وجريمته بالإنذار الرهيب إذا كان عمدا والذي هو على سمع المؤمن ونفسه أشدّ وقعا وأكثر هولا فاقتضت حكمة التنزيل الاقتصار عليه في هذا المقام توكيدا لذلك الهدف والاكتفاء بتشريع قتل الخطأ الذي يعفو الله عنه إذا أدى فاعله الدية وتقدم إلى الله بالتوبة والكفارة.
وواضح أن هذا يظل تلقينا مستمر المدى بوجوب احترام المؤمن لدم أخيه وشدة احترازه من سفكه ولو خطأ فضلا عن العمد.
ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة في تعظيم دم المؤمن على المؤمن وعظم إثم قتله. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله جاء فيه «قال النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء وفي رواية أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» «١». وحديث ثان
(١) التاج ج ٣ ص ٣.
— 204 —
رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر جاء فيه «قال النبي ﷺ لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» «١». وحديث ثالث رواه أبو داود والنسائي جاء فيه «كلّ ذنب عسى الله أن يغفره إلّا من مات مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» «٢». وحديث رابع رواه الترمذي والنسائي جاء فيه «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» «٣» وحديث خامس رواه الترمذي جاء فيه «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار» «٤»، حيث يتساوق التلقين القرآني مع التلقين النبوي في هذا الأمر شأنهما في كل أمر.
ولقد روى أبو داود والنسائي عن ابن عياش عن النبي ﷺ حديثا جاء فيه «من قتل في عميّا في رمي يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمدا فهو قود ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرف ولا عدل» «٥». والمتبادر من روح الحديث وفحواه أنه لم يرد به حصر قتل الخطأ في الكيفية التي ذكرت فيه. فمن السائغ توسيع النطاق ليشمل كل قتل لم يكن القتل فيه مقصودا بأية آلة وفي أية حالة. ومن تحصيل الحاصل أن يعدّ من قبيل الخطأ قتل مؤمن لشخص يظنّه المؤمن خطأ أنه كافر محارب مما ذكرته الروايات كسبب لنزول الآيات.
ولقد روى المفسرون عن بعض المؤولين القدماء أن جملة وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ تعني أن يكون القتيل غير مؤمن من قوم معاهدين كما رووا عن بعض آخر أنها تعني مؤمنا من معاهدين غير مؤمنين. وحجة الأولين ومنهم ابن عباس أن الجملة لم تقل وَهُوَ مُؤْمِنٌ كما قالت عن الذي ذكر قبلها. والآية في صدد قتل المؤمن للمؤمن خطأ. وهذا يجعل القول الثاني هو
(١) التاج ج ٣ ص ٤.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) التاج ج ٣ ص ١١ و ١٢ والعميّا تعني حالة الهياج والشجار العامة التي تؤدي إلى المضاربة والتقاتل بين جماعتين.
— 205 —
الوارد. والمتبادر أن حكمة التنزيل اكتفت بالوصف الأول ولم تكرره والله أعلم.
ولقد وقف المؤولون الذين يروي المفسرون أقوالهم عند صفة رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فقال بعضهم إن هذه الصفة لا يمكن أن تتحقق إلّا في مملوك راشد مؤمن يقوم بواجباته. وقال آخرون إن كل من يولد من أبوين مسلمين يصح أن يكون ممن عنتهم الآية ولو لم يكن بالغا إذا كان في حالة رقّ. وروى الطبري القول الثاني. ونرى في ذلك وجاهة وسدادا.
ولقد نبّه المفسرون على أن التتابع في صيام شهرين شرط في صحة الكفارة بحيث لو تعمد الإفطار في آخر يوم وجب إعادة الصوم كله. وهذا مستلهم من نصّ الآية. ولم نر أحدا ذكر الحالات التي يسوغ لصائم رمضان أن يفطر فيها ويقضي ما أفطره أو التي ينسى فيها الصائم أنه صائم فيأكل ويشرب. وقد يكون من السائغ أن يقاس ذاك على هذا. والله تعالى أعلم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآيات طائفة من الأحاديث في مقادير دية قتلى الرجال والنساء والعبيد والكفار. ولقد أوردناها في سياق تفسير آية البقرة [١٧٨] فنكتفي بهذا التنبيه دون التكرار.
وننبّه على أن القتل العمد لم يبق بدون عقوبة دنيوية وقاصرا على الإنذار الأخروي الرهيب كما يبدو من الآية الثانية حيث رويت أحاديث نبوية عديدة فيها بيان لذلك. ولقد شرحنا هذه النقطة وأوردنا ما ورد فيها من أحاديث مع بيان ما هو القتل العمد وما هو شبه العمد وما هي عقوبة كل منهما في سياق تفسير الآية [١٧٨] من سورة البقرة. فنكتفي كذلك بهذا التنبيه دون التكرار.
ولقد كان الأسلوب القاصم الذي جاءت به الآية الثانية موضوع بحوث من ناحية إمكان قبول توبة القاتل العمد وعدمه ومن ناحية خلوده في النار مع كونه مؤمنا حيث قال بعضهم «١» استنادا إلى أحاديث نبوية وصحابية إن الآية محكمة وإن
(١) انظر تفسير الآية في الطبري والخازن وابن كثير والزمخشري والطبرسي.
— 206 —
القاتل العمد مخلّد في النار ولا توبة له. وحيث قال بعضهم «١» استنادا إلى أحاديث نبوية وآيات قرآنية إن الله يقبل توبته إذا شاء وإنه لا يخلد في النار إذا مات وهو يشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله.
ومما يورد في صدد القول الأول حديث رواه أبو داود والنسائي جاء فيه «كلّ ذنب عسى الله أن يغفره إلّا من مات مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» «٢». وحديث رواه الشيخان عن سعيد بن جبير قال «قلت لابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة. قال لا. فقرأت عليه آية الفرقان إلى إِلَّا مَنْ تابَ [٧٠] قال هذه مكية نسختها آية مدنية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها» «٣».
ومما يورد في صدد القول الثاني إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ... ويا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً... [الزمر: ٥٣] وحديث رواه الشيخان ولترمذي عن أبي ذرّ قال «قال النبي ﷺ أتاني جبريل عليه السلام فبشّرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق وكررتها فكررها ثم قال في الرابعة على رغم أنف أبي ذر» »
وحديث ثان رواه كذلك الشيخان والترمذي عن معاذ عن النبي «ما من أحد يشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلّا حرّمه الله على النار» «٥». وحديث ثالث رواه مسلم عن أنس عن النبي قال «يخرج من النار من قال لا إله إلّا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان. ويخرج من النار من قال لا إله إلّا الله وفي قلبه وزن برّة من إيمان. ويخرج من النار من قال لا إله إلّا الله وفي قلبه وزن ذرّة من إيمان» «٦»
(١) انظر تفسير الآية في الطبري والخازن وابن كثير والزمخشري والطبرسي.
(٢) انظر التاج ج ٣ ص ٤- ٦.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) التاج ج ١ ص ٢٦.
(٥) المصدر نفسه ص ٢٦- ٢٨.
(٦) المصدر نفسه. [.....]
— 207 —
وحديث رابع رواه مسلم عن جابر قال «أتى النبيّ رجل فقال يا رسول الله ما الموجبتان فقال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» «١» ولقد أورد الشيخان تتمة للحديث الذي روياه عن سعيد بن جبير جاء فيه أن هذا ذكر لمجاهد وهو من كبار التابعين ومفسريهم ما سمعه من ابن عباس فقال «إلّا من ندم» «٢».
ومع ما لكل من القولين من وجاهة على ضوء الأحاديث التي يستند إليها أصحابها فإنه يتبادر لنا على ضوء ما أوردناه في تعليقنا على موضوع التوبة في سورة البروج أن القول الثاني أكثر وجاهة. وبخاصة إذا تاب القاتل ونفذت فيه عقوبة القصاص أو عفى عنه أولياء القتيل أو قبلوا الدية منه. وهذا نراه أمرا جوهريا وأساسيا لأن آيات عديدة من آيات التوبة شرطت الإصلاح مع التوبة. وهذا من هذا الباب. مع التنبيه إلى ما قلناه قبل من أن هدف الآية الرئيسي هو تغليظ جريمة قتل المؤمن عمدا وإثمها عند الله. ولقد روى أصحاب المساند الخمسة حديثا نبويا عن ابن عباس جاء فيه «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل وهو مؤمن» وزاد أبو هريرة في روايته لهذا الحديث «والتوبة معروضة بعد» «٣» فلعلّ في هذا الحديث وتتمته المروية عن أبي هريرة توفيقا بين القولين. فمن استحلّ القتل صار كافرا وخلّد في النار. ومن لم يستحلّه ثم ندم وتاب وأصلح فلا يخلّد في النار. والله أعلم.
بل ولعل الله لا يعاقبه بالنار إذا نفذ فيه القصاص أو عفى عنه ولي القتيل أو قبل منه الدية وتاب إلى الله. ولقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والدارقطني حديثا عن علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ قال «من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب عليه فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء عفا
(١) التاج ج ١ ص ٢٦- ٢٨.
(٢) التاج ج ٤ ص ٨٤.
(٣) التاج ج ١ ص ٥.
— 208 —

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

عرض الكتاب