عن حذيفة بن اليمان -من طريق ربعي بن حراش- قال: إنّ الفتنة تُعرض على القلب كما تُعرض الحصير، فمَن أُشربها قلبه كانت في قلبه نكتة سوداء، ومَن أنكرها قلبه كانت في قلبه نكتة بيضاء، حتى يصير الناسُ أو يكونوا على قلبين؛ قلبٌ أبيض مثل الصفا لا تضرّه فتنة أبدًا، وقلب منكوس أسود مِرْبادّ، لا يَعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق الأعمش- قال: كانوا يرون أنّ القلب مثل الكفّ؛ فيُذنب الذّنب فيَنقبض منه، ثم يُذنب الذّنب فيَنقبض، حتى يُختم عليه، ويسمع الخير فلا يجد له مَساغًا١
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- قال: نُبِّئت: أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبعُ١
٤
قال بكر بن عبد الله المُزني: إنّ العبد إذا أصاب الذّنب صار في قلبه كوخزة الإبرة، ثم إذا أذنب ثانيًا صار كذلك، فإذا كثرت الذّنوب صار القلب كالمنخل أو كالغربال١
تفسير
٢١ قولًا
١
عن بعض الصحابة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «مَن قتل مؤمنًا اسوَدَّ سُدُسُ قلبِه، فإن قتل اثنين اسوَدَّ ثُلُثُ قلبِه، وإن قتل ثلاثة رِين على قلبه فلم يبالِ بما قَتل؛ فذلك قوله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾»١
٢
عن أبي المُجِير، قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع خصال مُفسِدة للقلوب: مجاراة الأحمق؛ فإن جاريتَه كنتَ مثله، وإنْ سكتَّ عنه سلمتَ منه، وكثرة الذنوب مفسدة القلوب، وقد قال الله: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والخَلوة بالنساء والاستمتاع منهن والعمل برأيهن، ومجالسة الموتى». قيل: وما الموتى، يا رسول الله؟ قال: «كلُّ غنيٍّ قد أبطره غناه»١
٣
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «لن تنفَكُّوا بخيرٍ ما استغنى أهلُ بَدْوكم عن أهل حَضركم، ولَتسوقنَّهم السُّنون والسناتُ حتى يكونوا معكم في الديار، ولا تمتنعوا منهم لكثرة مَن يسير عليكم منهم». قال: «يقولون: طالما جُعنا وشَبِعتم، وطالما شَقِينا ونَعِمتم، فواسُونا اليوم. ولتَسْتصعِبنّ بكم الأرض حتى يَغبط أهلُ حَضركم أهلَ بَدْوكم، ولتميلنَّ بكم الأرضُ مَيْلة يَهلك منها مَن هلك، ويبقى من بقي، حتى تُعتق الرقاب، ثم تهدأ بكم الأرض بعد ذلك حتى يندم المُعتِقون، ثم تميل بكم الأرض ميلة أخرى فيَهلك فيها مَن هلك، ويبقى من بقي، يقولون: ربنا نُعتِق، ربنا نُعتق. فيُكذّبهم الله: كذبتم، كذبتم، أنا أُعتِق. قال: وليُبْتلينّ أخريات هذه الأُمّة بالرجف، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإنْ عادوا عاد الله عليهم الرجف والقذف والخذف والمسخ والخسف والصواعق، فإذا قيل: هلك الناس، هلك الناس. فقد هلكوا، ولن يُعذّب الله أُمّةً حتى تُعذَر». قالوا: وما عذرها؟ قال: «يعترفون بالذنوب ولا يتوبون، ولتطمئن القلوب بما فيها مِن بِرِّها وفجورها كما تطمئن الشجرة بما فيها، حتى لا يستطيع محسن يزداد إحسانًا، ولا يستطيع مُسِيء استعتابًا. قال الله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾»١
٤
عن حُذيفة بن اليمان، قال: القلب هكذا مثل الكفّ، فيُذنب الذّنب، فيَنقبض منه، ثم يُذنب الذّنب، فيَنقبض حتى يجتمع، فإذا اجتمع طُبع عليه، فإذا سمع خيرًا دخل في أذنيه حتى يأتِيَ القلبَ، فلا يجد فيه مدخلًا؛ فذلك قوله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية١
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿رانَ﴾، قال: طُبع١
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، قال: أُثْبِتَتْ على قلبه الخطايا حتى غمرَتْه١
عن مجاهد بن جبر، في الآية، قال: كانوا يرون أنّ الرّين هو الطبع١
٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، قال: يعمل الذنب، فيحيط بالقلب، فكلمّا عمل ارتفعتْ، حتى يغشى القلب١
١٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن كثير- قال: الرّان أيسر مِن الطبع، والطبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشدّ ذلك كلّه١
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق الأعمش- قال: القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب الذّنب قبض أصبعًا، حتى يقبض أصابعه كلّها، وإنّ أصحابنا يُرَون أنه الرّان١
١٢
عن الحسن البصري -من طريق سفيان- ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، قال: الذّنب على الذّنب، ثم الذّنب على الذّنب، حتى يغمر القلب فيموت١
١٣
عن إبراهيم التيميّ، في قوله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ الآية، قال: إذا عمل الرجلُ الذّنبَ نُكِت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذّنب بعد ذلك فيُنكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسودّ قلبه، فإذا ارتاح العبد قال: يُيسّر له عمل صالح فيذهب من السواد بعضه، ثم يُيسّر له عمل صالح أيضًا فيذهب من السواد بعضه، ثم يُيسّر له أيضًا عمل صالح فيذهب مِن السواد بعضه، ثم كذلك حتى يذهب السواد كلّه١
١٤
عن عطاء -من طريق طلحة- ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، قال: غشيتْ على قلوبهم فهَوتْ بها، فلا يفزعون، ولا يتحاشون١
١٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، قال: أعمال السَّوْء؛ ذنب على ذنب حتى مات قلبه واسْوَدّ١
١٦
عن عطاء الخُراسانيّ -من طريق يونس بن يزيد- في قول الله: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾، قال: طُبِع على قلوبهم١
١٧
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ طُبع على قلوبهم١
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ثم وعدهم، فقال: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، يقول: طَبعنا على قلوبهم، فهم لا يُبصرون إلى مساوئهم فيُقْلِعون عنها١
١٩
عن إبراهيم بن أدهم -من طريق إبراهيم بن بشار- أنه سمعه يقول: قلب المؤمن أبيض نقيٌّ مجلّى مثل المرآة، فلا يأتيه الشيطان مِن ناحية مِن النواحي بشيء من المعاصي إلا نَظر إليه كما ينظر إلى وجهه في المرآة، فإذا أذنب ذنبًا نُكت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإنْ تاب من ذنبه مُحيت النكتة من قلبه وانجلى، وإن لم يتب وعاود أيضًا، وتتابعت الذّنوب، ذنبٌ بعدَ ذنبٍ؛ نُكِت في قلبه نكتةٌ نكتةٌ حتى يسْوَدَّ القلب، وهو قول الله عز وجل: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، قال: الذّنب بعد الذّنب، حتى يسودّ القلب، فما أبطأ ما تنجع في هذا القلب المواعظ! فإن تاب إلى الله تعالى قَبِله اللهُ، وانجلى عن قلبه كجلي المرآة١
٢٠
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، قال: غَلب على قلوبهم ذنوبهم، فلا يخلص إليها معها خير١
٢١
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ العبد إذا أذنب ذنبًا نُكِتَتْ في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبُه، وإنْ عاد زادتْ حتى تعلو قلبه، فذلك الرّان الذي ذكر الله في القرآن: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾»١