سورة النساء | الآية ١١٦

عرض السورة
التَّفسير

ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
مُحَرَّمَةٌ، فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الْأُصُولِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ اعْتِقَادَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُطَابِقٌ لِلْمُعْتَقَدِ، بَلْ بِمَعْنَى سُقُوطِ الْإِثْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالُوا: لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ حُصُولَ الْوَعِيدِ بِتَبَيُّنِ الْهُدَى، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَبَيُّنُ الْهُدَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَعِيدُ حَاصِلًا.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ تَمَسُّكٌ بِالْمَفْهُومِ، وَهُوَ دَلَالَةٌ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ وَعِيدَ الْكُفَّارِ قَطْعِيٌّ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ١١٦] وَالْقَاطِعُ لَا يُعَارِضُهُ الْمَظْنُونُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الدِّينِ إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ حُصُولَ الْوَعِيدِ بِتَبَيُّنِ الْهُدَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَبَيُّنُ الْهُدَى مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ الدِّينِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الشَّرْطِ مَعْنًى.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْهُدَى اسْمٌ لِلدَّلِيلِ لَا لِلْعِلْمِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْهُدَى اسْمًا لِلْعِلْمِ لَكَانَ تَبَيُّنُ الْهُدَى إِضَافَةَ الشَّيْءِ إلى نفسه وأنه فاسد.

[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١٢٢]

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ] / اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُكَرَّرَةٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَفِي تَكْرَارِهَا فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّ عُمُومَاتِ الْوَعِيدِ وَعُمُومَاتِ الْوَعْدِ مُتَعَارِضَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى مَا أَعَادَ آيَةً مِنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ أَعَادَ هَذِهِ الْآيَةَ دالة عَلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّكْرِيرِ إِلَّا التَّأْكِيدُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّ جَانِبَ الْوَعْدِ وَالرَّحْمَةِ بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْوَعْدِ عَلَى الْوَعِيدِ.
وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي سَارِقِ الدِّرْعِ، وَقَوْلَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي ارْتِدَادِهِ، فَهَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا يَحْسُنُ اتِّصَالُهَا بِمَا قَبْلَهَا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ
— 220 —
ذَلِكَ السَّارِقَ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَصِرْ مَحْرُومًا عَنْ رَحْمَتِي، وَلَكِنَّهُ لَمَّا ارْتَدَّ وَأَشْرَكَ باللَّه صار محروما قطع عَنْ رَحْمَةِ اللَّه، ثُمَّ إِنَّهُ أَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ شَرَحَ أَنَّ أَمْرَ الشِّرْكِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّه فَقَالَ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً يَعْنِي وَمَنْ لَمْ يُشْرِكْ باللَّه لَمْ يَكُنْ ضَلَالُهُ بَعِيدًا، فَلَا جَرَمَ لَا يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنْ رَحْمَتِي، وَهَذِهِ الْمُنَاسَبَاتُ دَالَّةٌ قَطْعًا عَلَى دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ قَطْعًا سَوَاءٌ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ أَوْ لَمْ تَحْصُلْ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ كَوْنَ الشِّرْكِ ضَلَالًا بَعِيدًا فَقَالَ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ
(إن) هاهنا مَعْنَاهُ النَّفْيُ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: ١٥٩] ويَدْعُونَ بِمَعْنَى يَعْبُدُونَ لِأَنَّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَدْعُوهُ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ إِلَّا إِناثاً فِيهِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوْثَانُ وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا بَاسْمِ الْإِنَاثِ كَقَوْلِهِمْ: اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ الثَّالِثَةُ الْأُخْرَى، وَاللَّاتُ تَأْنِيثُ اللَّه، وَالْعُزَّى تَأْنِيثُ الْعَزِيزِ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا وَلَهُمْ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ وَيُسَمُّونَهُ أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: إِلَّا أَوْثَانًا، وَقِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا أُثْنًا، جَمْعُ وَثَنٍ مِثْلَ أَسَدٍ وَأُسْدٍ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنَ الْوَاوِ الْمَضْمُومَةِ هَمْزَةً نَحْوَ قَوْلِهِ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [الْمُرْسَلَاتِ: ١١] قَالَ الزَّجَّاجُ:
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أُثُنٌ أَصْلُهَا أُثْنٌ، فَأَتْبَعَتِ الضَّمَّةُ الضَّمَّةَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ إِلَّا إِناثاً أَيْ إِلَّا أَمْوَاتًا، وَفِي تَسْمِيَةِ الْأَمْوَاتِ إِنَاثًا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمَوَاتِ يَكُونُ عَلَى صِيغَةِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْأُنْثَى، تَقُولُ: هَذِهِ الْأَحْجَارُ تُعْجِبُنِي: كَمَا تَقُولُ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ تُعْجِبُنِي.
الثَّانِي: أَنَّ الْأُنْثَى أَخَسُّ مِنَ الذَّكَرِ، وَالْمَيِّتُ أَخَسُّ مِنَ الْحَيِّ، فَلِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ أَطْلَقُوا اسْمَ الْأُنْثَى عَلَى الْجَمَادَاتِ الْمَوَاتِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنْ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّه قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى [النَّجْمِ: ٢٧] وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ هَلْ إِنْسَانٌ أَجْهَلُ مِمَّنْ أَشْرَكَ خَالِقَ السموات وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا جَمَادًا يُسَمِّيهِ بِالْأُنْثَى.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْثَانِ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ يُكَلِّمُهُمْ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: المراد بالشيطان هاهنا إِبْلِيسُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَا شَكَّ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ إِبْلِيسُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الَّذِي تَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ هُوَ إِبْلِيسُ، وَأَمَّا الْمَرِيدُ فَهُوَ الْمُبَالِغُ فِي الْعِصْيَانِ الْكَامِلِ فِي الْبُعْدِ مِنَ الطَّاعَةِ وَيُقَالُ لَهُ: مَارِدٌ وَمَرِيدٌ، قَالَ الزَّجَّاجُ:
يُقَالُ: حَائِطٌ مُمَرَّدٌ أَيْ مُمَلَّسٌ، وَيُقَالُ شَجَرَةٌ مَرْدَاءُ إِذَا تَنَاثَرَ وَرَقُهَا، وَالَّذِي لَمْ تَنْبُتْ لَهُ لِحْيَةٌ يُقَالُ لَهُ أَمْرَدٌ لِكَوْنِ مَوْضِعِ اللِّحْيَةِ أَمْلَسَ، فَمَنْ كَانَ شَدِيدَ الْبُعْدِ عَنِ الطَّاعَةِ يُقَالُ لَهُ مَرِيدٌ وَمَارِدٌ لِأَنَّهُ مُمَلَّسٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّه لَمْ يَلْتَصِقْ بِهِ مِنْ هَذِهِ الطَّاعَةِ شَيْءٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : قَوْلُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ صِفَتَانِ بِمَعْنَى شَيْطَانًا مَرِيدًا جَامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّه وَهَذَا الْقَوْلِ الشَّنِيعِ. واعلم أن الشيطان هاهنا قَدِ ادَّعَى أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً الْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ، وَالْفُرْضَةُ الثُّلْمَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي طَرَفِ النَّهْرِ، وَالْفَرْضُ الْحَزُّ الَّذِي فِي الْوَتَرِ، وَالْفَرْضُ فِي الْقَوْسِ الْحَزُّ الَّذِي يُشَدُّ فِيهِ الْوَتَرُ، وَالْفَرِيضَةُ مَا فَرَضَ اللَّه عَلَى عِبَادِهِ وَجَعَلَهُ حَتْمًا عليهم
— 221 —
قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] أَيْ جَعَلْتُمْ لَهُنَّ قِطْعَةً مِنَ الْمَالِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَعَنَهُ اللَّه قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ حَظًّا مُقَدَّرًا مُعَيَّنًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُوَاتِهِ وَيَقْبَلُونَ وَسَاوِسَهُ، وَفِي التَّفْسِيرِ
عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ للَّه وَسَائِرُهُ لِلنَّاسِ وَلِإِبْلِيسَ».
فَإِنْ قِيلَ: النَّقْلُ وَالْعَقْلُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ حِزْبِ اللَّه.
أَمَّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ البشر فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] وَقَالَ حَاكِيًا عَنِ الشَّيْطَانِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءِ: ٦٢]. وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُخْلَصِينَ قَلِيلُونَ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ أَنَّ الْفُسَّاقَ وَالْكُفَّارَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلَصِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفُسَّاقَ وَالْكُفَّارَ كُلَّهمْ حِزْبُ إِبْلِيسَ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لِمَ قَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَعَ أَنَّ لَفْظَ النَّصِيبِ لَا يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَ الْأَكْثَرَ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا التَّفَاوُتَ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي نَوْعِ الشَّرِّ، أَمَّا إِذَا ضَمَمْتَ زُمْرَةَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ غَايَةِ كَثْرَتِهِمْ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلَصِينَ، وَأَيْضًا فَالْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلِينَ فِي الْعَدَدِ إِلَّا أَنَّ مَنْصِبَهُمْ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّه، وَالْكُفَّارُ وَالْفُسَّاقُ وَإِنْ كَانُوا كَثِيرِينَ فِي الْعَدَدِ فَهُمْ كَالْعَدَمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَ اسْمُ النَّصِيبِ عَلَى قَوْمِ إِبْلِيسَ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ يَعْنِي عَنِ الْحَقِّ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنْ أُصُولِنَا.
فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ: الْمُضِلُّ هُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَيْسَ الْمُضِلُّ هُوَ اللَّه تَعَالَى قَالُوا: وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُضِلَّ هُوَ الشَّيْطَانُ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ ادَّعَى ذَلِكَ واللَّه تَعَالَى مَا كَذَّبَهُ فِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وقوله لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا وَقَوْلُهُ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الْأَعْرَافِ: ١٦] وَأَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ وَصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُضِلًّا لِلنَّاسِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الْإِلَهِ/ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الْإِضْلَالُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَقُلْنَا: لَيْسَ الْإِضْلَالُ عِبَارَةً عَنْ خَلْقِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ بِدَلِيلِ أَنَّ إِبْلِيسَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ مُضِلٌّ مَعَ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الضَّلَالِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا كَلَامُ إِبْلِيسَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَأَيْضًا أَنَّ كَلَامَ إِبْلِيسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُضْطَرِبٌ جِدًّا، فَتَارَةً يَمِيلُ إِلَى الْقَدَرِ الْمَحْضِ، وَهُوَ قوله لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وَأُخْرَى إِلَى الْجَبْرِ الْمَحْضِ وَهُوَ قَوْلُهُ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي [القصص: ٣٩] وَتَارَةً يُظْهِرُ التَّرَدُّدَ فِيهِ حَيْثُ قَالَ: رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا [الْقَصَصِ: ٦٣] يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ: نَحْنُ أُغْوِينَا فَمَنِ الَّذِي أَغْوَانَا عَنِ الدِّينِ؟ وَلَا بُدَّ مِنَ انْتِهَاءِ الْكُلِّ بِالْآخِرَةِ إِلَى اللَّه. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ يُضِلُّ الْخَلْقَ قَالَ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي الْإِضْلَالِ أَقْوَى مِنْ إِلْقَاءِ الْأَمَانِيِّ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَطَلَبُ الْأَمَانِيِّ يُورِثُ شَيْئَيْنِ: الْحِرْصَ
— 222 —
وَالْأَمَلَ، وَالْحِرْصُ وَالْأَمَلُ يَسْتَلْزِمَانِ أَكْثَرَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَهُمَا كَالْأَمْرَيْنِ اللَّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الْإِنْسَانِ
قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مَعَهُ اثْنَانِ الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ»
وَالْحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أَهْوَالِ الدُّنْيَا وَأَهْوَالِ الدِّينِ فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلَى الشَّيْءِ فَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ إِلَّا بِمَعْصِيَةِ اللَّه وَإِيذَاءِ الْخَلْقِ، وَإِذَا طَالَ أَمَلُهُ نَسِيَ الْآخِرَةَ وَصَارَ غَرِيقًا فِي الدُّنْيَا فَلَا يَكَادُ يُقْدِمُ عَلَى التَّوْبَةِ، وَلَا يَكَادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْوَعْظُ فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً.
وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ الْبَتْكُ الْقَطْعُ، وَسَيْفٌ بَاتِكٌ أَيْ قَاطِعٌ، وَالتَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: التبتيك هاهنا هُوَ قَطْعُ آذَانِ الْبَحِيرَةِ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشُقُّونَ آذَانَ النَّاقَةِ إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ وَجَاءَ الْخَامِسُ ذَكَرًا، وَحَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الِانْتِفَاعَ بِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُقَطِّعُونَ آذَانَ الْأَنْعَامِ نُسُكًا فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ كُفْرٌ وَفِسْقٌ. خَامِسُهَا: قَوْلُهُ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وللمفسرين هاهنا: قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّه تَغْيِيرُ دِينِ اللَّه، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ، وَفِي تَقْرِيرِ هَذَا الْقَوْلِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّه تَعَالَى فَطَرَ الْخَلْقَ عَلَى الْإِسْلَامِ يَوْمَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَالذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَآمَنُوا بِهِ، فَمَنْ كَفَرَ فَقَدْ غَيَّرَ فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَعْنَى
قَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»
وَلَكِنْ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَغْيِيرِ دِينِ اللَّه هُوَ تبديل الحلال حراما/ أو الحرام الْقَوْلُ الثَّانِي: حَمْلُ هَذَا التَّغْيِيرِ عَلَى تَغْيِيرِ أَحْوَالٍ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ، وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا الْأَوَّلُ: قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ مَا
رَوَى عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَاتِ وَالْوَاشِمَاتِ»
قَالَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَتَوَصَّلُ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ إِلَى الزِّنَا. الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي صَالِحٍ أَنَّ مَعْنَى تَغْيِيرِ خلق اللَّه هاهنا هُوَ الْإِخْصَاءُ وَقَطْعُ الْآذَانِ وَفَقْءُ الْعُيُونِ، وَلِهَذَا كَانَ أَنَسٌ يَكْرَهُ إِخْصَاءَ الْغَنَمِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا بَلَغَتْ إِبِلُ أَحَدِهِمْ أَلْفًا عَوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِهَا. الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ هُوَ التَّخَنُّثُ، وَأَقُولُ: يَجِبُ إِدْخَالُ السَّحَّاقَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّ التَّخَنُّثَ عِبَارَةٌ عَنْ ذَكَرٍ يُشْبِهُ الْأُنْثَى، وَالسَّحْقَ عِبَارَةٌ عَنْ أُنْثَى تُشْبِهُ الذَّكَرَ الرَّابِعُ: حَكَى الزَّجَّاجُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِيَرْكَبُوهَا وَيَأْكُلُوهَا فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَالْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَةً لِلنَّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِهَا فَعَبَدَهَا الْمُشْرِكُونَ، فَغَيَّرُوا خَلْقَ اللَّه، هَذَا جُمْلَةُ كلام المفسرين في هذا الباب [قوله تعالى وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ إلى قوله فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً] ويخطر ببالي هاهنا وَجْهٌ آخَرُ فِي تَخْرِيجِ الْآيَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَ الضَّرَرِ وَالْمَرَضِ فِي الشَّيْءِ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: التَّشَوُّشُ، وَالنُّقْصَانُ، وَالْبُطْلَانُ.
فَادَّعَى الشَّيْطَانُ لَعَنَهُ اللَّه إِلْقَاءَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ فِي مَرَضِ الدِّينِ، وَضَرَرُ الدِّينِ هُوَ قَوْلُهُ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْمَرَضَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ التَّشَوُّشُ وَالنُّقْصَانُ وَالْبُطْلَانُ، فَأَمَّا التَّشَوُّشُ فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَمَانِيِّ يَشْغَلُ عَقْلَهُ وَفِكْرَهُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ وَالْحِيَلِ وَالْوَسَائِلِ اللَّطِيفَةِ فِي تَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ، فَهَذَا مَرَضٌ رُوحَانِيٌّ مِنْ جِنْسِ التَّشَوُّشِ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَتْكَ الْآذَانِ نَوْعُ نُقْصَانٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَارَ مُسْتَغْرِقَ الْعَقْلِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا صَارَ فَاتِرَ الرَّأْيِ ضَعِيفَ الْحَزْمِ فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ، وأما البطلان
— 223 —
فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ يُوجِبُ بُطْلَانَ الصِّفَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْمُدَّةِ الْأُولَى، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ بَقِيَ مُوَاظِبًا عَلَى طَلَبِ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ مُعْرِضًا عَنِ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ فَلَا يَزَالُ يَزِيدُ فِي قَلْبِهِ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالنُّفْرَةُ عَنِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَزَالُ تَتَزَايَدُ هَذِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقَلْبُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ ذِكْرُ الْآخِرَةِ الْبَتَّةَ، وَلَا يَزُولُ عَنْ خَاطِرِهِ حُبُّ الدُّنْيَا الْبَتَّةَ، فَتَكُونُ حَرَكَتُهُ وَسُكُونُهُ وَقَوْلُهُ وَفِعْلُهُ لِأَجْلِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَغْيِيرَ الْخِلْقَةِ لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ إِنَّمَا دَخَلَتْ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ عَلَى سَبِيلِ السَّفَرِ، وَهِيَ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى عَالَمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا نَسِيَتْ مَعَادَهَا وَأَلِفَتْ هَذِهِ الْمَحْسُوسَاتِ/ الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ انْقِضَائِهَا وَفَنَائِهَا كَانَ هَذَا بِالْحَقِيقَةِ تَغْيِيرًا لِلْخِلْقَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الْحَشْرِ: ١٩] وَقَالَ فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الْحَجِّ: ٤٦].
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنِ الشَّيْطَانِ دَعَاوِيَهِ فِي الْإِغْوَاءِ وَالضَّلَالِ حَذَّرَ النَّاسَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ فَقَالَ: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا لَا يَخْتَارُ أَنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّه، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ مَا أَمَرَهُ الشَّيْطَانُ بِهِ وَتَرَكَ مَا أَمَرَهُ الرَّحْمَنُ بِهِ صَارَ كَأَنَّهُ اتَّخَذَ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا لِنَفْسِهِ وَتَرَكَ وِلَايَةَ اللَّه تَعَالَى، وَإِنَّمَا قَالَ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّه تُفِيدُ الْمَنَافِعَ الْعَظِيمَةَ الدَّائِمَةَ الْخَالِصَةَ عَنْ شَوَائِبِ الضَّرَرِ، وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ تُفِيدُ الْمَنَافِعَ الثَّلَاثَةَ الْمُنْقَطِعَةَ الْمَشُوبَةَ بِالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْآلَامِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ عَقْلًا، فَمَنْ رَغِبَ فِي وِلَايَتِهِ فَقَدْ فَاتَهُ أَشْرَفُ الْمَطَالِبِ وَأَجَلُّهَا بِسَبَبِ أَخَسِّ الْمَطَالِبِ وَأَدْوَنِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْخَسَارُ الْمُطْلَقُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ عُمْدَةَ أَمْرِ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هُوَ بِإِلْقَاءِ الْأَمَانِيِّ فِي الْقَلْبِ، وَأَمَّا تَبْتِيكُ الْآذَانِ وَتَغْيِيرُ الْخِلْقَةِ فَذَاكَ مِنْ نَتَائِجِ إِلْقَاءِ الْأَمَانِيِّ فِي الْقَلْبِ وَمِنْ آثَارِهِ، فَلَا جَرَمَ نَبَّهَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ الْعُمْدَةُ فِي دَفْعِ تِلْكَ الْأَمَانِيِّ وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَانِيَّ لَا تُفِيدُ إِلَّا الْغُرُورَ، وَالْغُرُورُ هُوَ أَنْ يَظُنَّ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ أَنَّهُ نَافِعٌ وَلَذِيذٌ، ثُمَّ يَتَبَيَّنَ اشْتِمَالُهُ عَلَى أَعْظَمِ الْآلَامِ وَالْمَضَارِّ، وَجَمِيعُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا كَذَلِكَ، وَالْعَاقِلُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَمِثَالُ هَذَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يُلْقِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ سَيَطُولُ عُمُرُهُ وَيَنَالُ مِنَ الدُّنْيَا أَمَلَهُ وَمَقْصُودَهُ، وَيَسْتَوْلِي عَلَى أَعْدَائِهِ، وَيَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّ الدُّنْيَا دُوَلٌ فَرُبَّمَا تَيَسَّرَتْ لَهُ كَمَا تَيَسَّرَتْ لِغَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ كل ذلك غرور فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ فِي أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْغَمِّ وَالْحَسْرَةِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ كُلَّمَا كَانَ أَلَذَّ وَأَشْهَى وَكَانَ الْإِلْفُ مَعَهُ أَدْوَمَ وَأَبْقَى كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ أَشَدَّ إِيلَامًا وَأَعْظَمَ تَأْثِيرًا فِي حُصُولِ الْغَمِّ وَالْحَسْرَةِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْعُمْدَةُ وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَفِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُهُمْ بِأَنَّهُ لَا قِيَامَةَ وَلَا جَزَاءَ فَاجْتَهَدُوا فِي اسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَاعْلَمْ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْغُرُورَ عِبَارَةٌ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ وِجْدَانِ مَا يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهُ إِلَّا أَنَّهُ يَعْظُمُ تَأَذِّيهِ عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَالِ فِيهِ، وَالِاسْتِغْرَاقُ/ فِي طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا وَالِانْهِمَاكُ فِي مَعَاصِي اللَّه سُبْحَانَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ لَذِيذًا إِلَّا أَنَّ عَاقِبَتَهُ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَسُخْطُ اللَّه وَالْبُعْدُ عَنْ رَحْمَتِهِ، فَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا الْغُرُورُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً الْمَحِيصُ الْمَعْدِلُ وَالْمَفَرُّ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: هَذِهِ الْآيَةُ
— 224 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب